
وقتها اتجمدت مكاني لما أمي طلعت من تحت المخدة مفتاح صغير، وقالتلي:ـ المفتاح ده هيفهمك ليه إخواتك مستعجلين على بيع الشقة.. بس أوعي تقولي لهم إنك عرفتي حاجه.
موضوع الشقة والسر اللي خبتْه الحاجة فاطمة من سنين.
دخلت الأوضة وقلبي بيقبض مع كل خطوة، قفلت باب الأوضة ورايا بالراحه، وبصيت لأمي اللي كانت عيونها مليانة دموع وخوف. قربت منها وقعدت على ركبتي جنب سريرها، مسكت إيديها الباردة وقلت بصوت هادي:ـ يا أمي، إيه المفتاح ده؟ وإيه السر اللي محمود ونهى متشوقين له وعايزين يبيعوا الشقة عشانه؟
الحاجة فاطمة خدت نفس عميق، وكأنها بتسترجع ذكريات وجع قديم، وقالت بصوت مكسور:ـ أبوكي الله يرحمه يا سلمى، قبل ما يغيب عننا بسنتين، حس إن عمره قصير. كان خايف عليا وعليكم، بس أكتر حد كان شايل همه إنتي.. عارفة ليه؟ لأن إنتي الوحيدة اللي كنتِ بتطلعي من جيبه وأنتِ ساكتة، اللي كنتِ بتخدميه وهو مريض من غير ما تتذمري، وإخواتك.. إخواتك من وهما صغيرين كانوا كل همهم نفسهم وبس.
سكتت ثواني تكمل كلامها وهي بتمسح دمعة نزلت على خدها:ـ أبوكي الله يرحمه، كان عارف إن شقة العبد لله دي، مسجلة باسمي أنا لوحدي، بس هو اللي كان شاريها بفلوسه وتعبه وشقاه.. وقبل ما يغيب عننا بشهرين، باع أرض كانت زايدة عنه، واشترى بيها “محل تجاري” في وسط البلد، وسجله باسمي أنا كمان، بس كتب عقد تاني “عُرفي وموثق في الشهر العقاري بشكل سري”، إن المحل ده ملك خالص لـ “سلمى” بنت فاطمة، كتعويض ليكي عن سنين تعبك معايا، ولأنك الوحيدة اللي شيلتي الشيلة وبقيتي سندي.
جسمي كله قشعر، وبصيت للمفتاح الصغير اللي في إيدي وأنا مش مصدقاني:ـ محل؟ محل في وسط البلد يا أمي؟!
ـ أه يا بنتي.. ومحمود ونهى عرفوا بالموضوع ده منين؟ ما أنا هقولك.. أبوكي الله يرحمه كان حاطط النسخة الأصلية من الورقة والمستندات دي في “دولاب الصالة القديم”، في الدرفِة اللي تحت خالص اللي مقفولة بقفل قديم.. وأنا نسيت، أو يمكن السن والوجع خلاني أهملت، وكنت حاطة المفتاح ده تحت مخدتي.. بس من كام يوم، لما محمود جه ووقف يدور في الصالة بحجة إنه بيدور على بطاقتي، شكله فتح الدرفِة دي وشاف الورق! هو ونهى!
حطيت إيدي على بوقي من الصدمة:ـ يعني هما مش عشان دار رعاية ولا عشان مصلحتك.. هما عارفين بالمحل وعايزين يبيعوا الشقة والمحل يروح عليهم!
ـ أه يا سلمى.. إخواتك عايزين ياخدوا تعبك وتعب أبوكي على الجاهز، ويطردوني أنا وأنتِ في الشارع.. عشان كده بقولك، أوعي تسلميهم المفتاح، وأوعي تعرفيهم إننا عرفنا لعبتهم.
خرجت من الأوضة وأنا أعصابي بتغلي في عروقي. لقيت محمود ونهى قاعدين في الصالة وبيتكلموا بصوت واطي. أول ما شافوني، عدل محمود قعدته وقال ببرود:ـ ها يا سلمى؟ فكرتي؟ والدتك هتقول إيه؟ ولا هتعملي فيها البطلة كالعادة وتضيعي مستقبل عيالك؟
بصيت له وبكل ثبات قدرت أرسم ابتسامة هادية على وشي وقلت:ـ أمي رفضت يا محمود.
نهى نطت من على الكرسي وقالت بصوت عالي وعصبي:ـ رفضت إيه؟! هي العقل في إيديها ولا في إيدنا احنا؟! ست كبرت وخرفت، وإحنا أدرى بمصلحتها! قسماً بالله يا سلمى لو ما بعتي الشقة بمزاجك، لندخل القانون بيننا، ونرفع قضية حجر على أمك عشان ما تتصرفش في أملاكها!
كلمة “حجر على أمك” نزلت على وداني زي الصاعقة. دول مش إخواتي.. دول ناس الكرش والفلوس عمت قلوبهم لدرجة إنهم مستعدين يرموا أمهم في المحاكم عشان شوية فلوس!
قلت بصوت صارم وناشف:ـ أم ملكش عليها حاجة يا نهى، والشقة باسمها، ومحدش يقدر يعمل حاجة من غير رضاها.. ويلا اتفضلو من غير مطرود، البيت ده مش هيتبيع، وأمي مش هتروح دار رعاية، واللي عندكم اعملوه!
محمود وقف وجابني في وشي وعينه بتقدح شر:ـ تمام يا سلمى.. يا أنا يا إنتي في البيت ده، والنهارده قبل بكره هتندمي على اللحظة اللي وقفتي فيها قدامي!
خرجوا وخبطوا الباب وراهم بصوت هز الشقة كلها.
دخلت لأمي، حضنتها جامد وقعدنا نبكي، بس المرة دي الدموع ما كانتش ضعف، دي كانت إصرار إني أحارب لآخر قوة عشاني وعشانها وعشان ابني اللي لسه ماجاش الدنيا.
تاني يوم الصبح بدري، لقيت تليفوني بيتردد برقم غريب. رديت، وكانت الصدمة الثانية في نفس الأسبوع!ـ مدام سلمى؟ معاكي النقيب هشام من مباحث الأموال العامة / أو قسم الشرطة… حضرتك مطلوبة للتحقيق في بلاغ مقدم ضدك من أخيكي محمود فاطمة!
وقفت في نص الصقيع، وكلمات أحمد وحماتي وإخواتي بتتلف حولين رقبتي زي الضغوط.. ياترى محمود بلغ عني بإيه؟ وإزاي ناوي يعملها الكبيرة؟


