
فتحت الصندوق الخشب، ولقيت جواه أربع ملفات، وكل ملف مكتوب عليه اسم واحدة من بناتي.
فتحت أول ملف، لقيت شهادة ميلاد بنتي الكبيرة، وصورة من أوراق دراستها، وشهادة إيداع بنكي باسمها.
فتحت التاني والتالت والرابع، وكل واحدة ليها ملف وحساب بنكي خاص بيها!
لكن اللي خلاني أعيط من قلبي، إني لقيت جواب متغلف باسمي، ومكتوب عليه بخط عبد القادر:
إلى جميلة، مراتي وأم بناتي، لو وصلتي للجواب ده، يبقى أنا غبت عن الدنيا، وأمي نفذت اللي كانت عايزاه، وضرتك طردتك من البيت.
سامحيني يا جميلة، أنا عارف إني كسرت قلبك يوم ما وافقت على كلام أمي، وعارف إنك افتكرتيني ظلمت بناتي وضيعت حقهم، بس الحقيقة إني كنت بحاول أحميهم من ناس أقرب لهم من الغريب.
وقفت عن القراءة، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
بنتي الكبيرة قالتلي:
كملي يا ماما، بابا كان عايز يقولك إيه؟
رجعت أكمل:
أنا عشت طول عمري شايف أمي بتتحكم في كل حاجة، ولما اتجوزت تاني، اكتشفت إن مراتي التانية داخلة الجوازة عشان الفلوس والأرض، وسمعتها أكتر من مرة بتتكلم مع أمي عن نصيب الولاد.
كنت عارف إن مرضي مش هيديني فرصة أواجههم، وعشان كده عملت كل حاجة بالشكل اللي هما عايزينه قدامهم.
البيت الكبير والأرض والفلوس اللي اتكتبت باسم الولاد، دول مش كل اللي كنت بملكه.
أنا اشتريت البيت القديم من سنين، وسجلته باسمك، وخبيت فيه مستقبل بناتي.
كل حساب من الحسابات اللي قدامك فيه مبلغ يكفي صاحبة الحساب تكمل تعليمها وتبدأ حياتها من غير ما تمد إيدها لحد.
لكن فيه حاجة أهم من الفلوس…
هنا إيدي بدأت تترعش، وقلبت الورقة لقيت باقي الكلام:
تحت الملفات هتلاقي ظرف بني، جواه عقد ملكية قطعة أرض كبيرة على الطريق الرئيسي، كنت اشتريتها من أكتر من عشرين سنة، وسجلتها باسمك، ومعاها مستندات تثبت إن البيت القديم والأرض اللي حواليه ملكك إنتي.
أنا كنت عارف إن أمي عمرها ما هتسيبك في حالك لو عرفت إنك معاكي حاجة، وعشان كده خليت المحامي يحتفظ بنسخة من الأوراق، وخبيت النسخة الأصلية هنا.
يا جميلة، أنا عارف إنك مش هتفهمي ليه عملت كده غير لما تعرفي إن البيت ده مش خرابة زي ما هما فاكرين. الأرض دي بقت في منطقة عمرانية، وقيمتها بقت أكبر من كل اللي سبتُه للولاد.
بس متبيعيش حاجة قبل ما تستشيري محامي، وخلي بالك من بناتك، ومتخليش حد ياخد حقهم منك.
حطيت الجواب على صدري وانهرت في العياط.
عبد القادر مكنش ناسي بناته… ده كان مخطط لكل حاجة من سنين!
بنتي الكبيرة حضنتني وقالت:
يعني بابا كان بيحبنا يا ماما؟ هو مكنش عايز يسيبنا؟
بصتلها وقلت:
أبوكي كان بيحبكم أكتر ما تتخيلوا يا بنتي، بس كان ضعيف قدام أمه، ولما حس إن عمره قرب، حاول يصلح اللي قدر عليه.
طلعنا من المكان، وخدت الملفات والجواب، وقفلت الباب الحديد تاني.
لكن وأنا طالعة، عيني وقعت على حاجة صغيرة مكتوبة على ظهر الباب من جوه.
كانت جملة قصيرة:
لو أمك سألتكم عني، قولولها إني كنت عارف إنها هتسامحني.
وقتها بكيت أكتر، لأني افتكرت آخر مرة مسك إيدي وقاللي مسمحاني؟
تاني يوم الصبح، رحت للمحامي اللي اسمه مكتوب في الجواب.
أول ما شافني، سكت شوية وبعدين قال:
كنت مستنيكي يا مدام جميلة.
بصيتله باستغراب وقلت:
يعني حضرتك كنت عارف كل حاجة؟
قال:
عبد القادر كلمني قبل غيابه بشهور، وساب عندي نسخة من عقود الملكية، وطلب مني أول ما تيجي أساعدك في إثبات حقك.
طلع ملف كبير، وبدأ يراجع معايا الأوراق، وأكدلي إن الأرض والبيت مسجلين باسمي، وإن الحسابات البنكية باسم البنات بالفعل.
سألته وأنا مش مصدقة:
طب ليه جوزي معملش كده قدام أمه؟ ليه خلاني أعيش كل القهر ده؟
تنهد وقال:
هو كان خايف إنهم يعرفوا، ولو عرفوا بوجود الممتلكات دي، كانوا هيضغطوا عليه يغير كل حاجة، خصوصاً إن والدته كانت بتدخل في كل تفاصيل حياته.
رجعت البيت القديم وأنا حاسة لأول مرة من أيام غياب جوزي إن فيه أمل.
لكن الفرحة مكملتش.
بعد يومين، ضرتي عرفت إني رحت للمحامي، وجت البيت القديم ومعاها حماتي، وفضلوا يخبطوا على الباب بعنف.
فتحتلهم، فقالت ضرتي بسخرية:
إيه يا جميلة؟ سمعنا إنك بقيتي بتروحي للمحامين! هو التراب طلعلك دهب ولا إيه؟
رديت بهدوء:
الحمد لله، ربنا كريم.
حماتي قربت مني وقالت:
اسمعي يا بنتي، إحنا عيلة واحدة، وأي حاجة الغائب كان سايبها لازم تتقسم بالعدل، ومش معنى إنه سابلك الخرابة دي إنك تاخدي أكتر من حقك.
بصتلها وقلت:
أنا مش عايزة حاجة من حد، وكل واحدة فينا تاخد حقها.
ضرتي ضحكت وقالت:
حقك إيه؟ إنتي معاكي أربع بنات، وإحنا معانا ولدين، واللي يهمنا مستقبل العيلة.
ساعتها بنتي الكبيرة خرجت من الأوضة وقالتلها:
وإحنا مش من العيلة؟ ولا إحنا مش بنات عبد القادر؟
حماتي اتكسفت، لكن ضرتي ردت عليها بعصبية:
خليكي في مذاكرتك يا بنت، الكبار بيتكلموا.
أنا وقفت قدام بنتي وقلت:
بناتي مش أقل من ولادك، ومش هسمح لحد يهينهم تاني.
ضرتي بصتلي بغيظ وقالت:
واضح إنك مخبية حاجة، وإحنا مش هنسيبك لحد ما نعرف إيه اللي بتعمليه.
ومشيت هي وحماتي، لكن من اليوم ده بدأت المشاكل.
مرة يبعتوا حد يسأل عن الأرض، ومرة ييجوا يطلبوا مني أبيع البيت، ومرة يضايقوني إنهم هيرفعوا قضية.
لكن أنا كنت خلاص اتعلمت الدرس، ومبقتش أصدق كلام حد من غير ورق.
المحامي رفع دعوى تثبيت ملكية، وقدم العقود المسجلة والمستندات، وبعد شهور المحكمة أصدرت حكمها بتأكيد ملكيتي للبيت والأرض.
وفي نفس الوقت، اتعملت الإجراءات القانونية الخاصة بحسابات البنات، وبقى لكل واحدة حقها محفوظ.
أما البيت الكبير والأملاك اللي عبد القادر سجلها لأولاده، فالمحامي شرحلي إن التصرفات دي ليها أحكام قانونية لازم تتراجع حسب المستندات وظروفها، وإن محدش يقدر يحرم البنات من حقوقهم الشرعية لمجرد إنهم بنات.
وبعد فترة، الأرض القديمة اتباعت بمبلغ كبير، قدرت أشتري شقة محترمة، وأجهز لكل بنت مستقبلها، وخصصت جزء من الفلوس لمشروع صغير أعيش منه من غير ما أحتاج لحد.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع بناتي في البيت الجديد، بنتي الصغيرة سألتني:
ماما، هو بابا كان عارف إننا هنلاقي الصندوق؟
ابتسمت ودموعي نزلت وقلت:
أيوه يا حبيبتي، كان عارف، وكان سايب لنا طريق نعرف منه الحقيقة.
لكن لحد النهارده، فيه سؤال واحد مش قادر يخرج من دماغي…
ليه عبد القادر اختار إنه يوجعني قدام أمه وضرتي، ويخليني أفتكر إنه تخلى عن بناته، بدل ما يواجههم بالحقيقة من الأول؟
يمكن كان خايف، ويمكن كان فاكر إن التضحية بسمعته قدامي أهون من إنه يخسر مستقبل بناته.
أنا سامحته، لكن عمري ما هنسى الأيام اللي خرجت فيها أنا وبناتي من البيت الكبير، وإحنا مش عارفين هنبات فين.
والحاجة الوحيدة اللي اتعلمتها من الحكاية دي، إن البنت عمرها ما تبقى أقل من الولد، وإن الأب اللي بيحب ولاده بجد لازم يحفظ حقوقهم بالقانون، مش يسيبهم يواجهوا الظلم لوحدهم.
أما أنا، فكل ما أدخل البيت القديم وأشوف مكان الباب الحديد، بفتكر عبد القادر، وبقول في سري:
ربنا يرحمك يا أبو بناتي… بس يا ترى لو كنت عايش، كنت هتقدر تبص في عيني وتقوللي ليه سبتني أتعب كل ده؟

