روايات وقصص

زوجي وزوجته ج1

اماني سيد

لكن قبل أن يتم رزق عامه الأول، حدث ما لم يكن في الحسبان.
في أحد الأيام، كنت أجلس مع يسريّة حين أخبرتني بأنها تشعر بالتعب والغثيان منذ عدة أيام، وأنها تشك في أن تكون حاملًا مرة أخرى. فرحت لها، وطلبت منها أن تجري اختبار حمل للتأكد، وبالفعل، لم تمر ساعات حتى جاءتني وهي تحمل الاختبار في يدها، وعلى وجهها علامات الدهشة.
– أمل، أنا حامل!
اتسعت عيناي من الفرحة، ونهضت من مكاني لأحتضنها وأنا أقول:
– بجد يا يسريّة؟ ألف مبروك يا حبيبتي! ربنا يتمملك على خير، ويقومك بالسلامة إنتِ والبيبي.
ابتسمت لي، لكنها قالت بقلق:
– بس أنا لسه رزق صغير، ومش عارفة هقدر أربي الاتنين إزاي، خصوصًا إن الحمل هيخليني أتعب تاني.
ربتُّ على كتفها وقلت مطمئنة:
– متشغليش بالك بحاجة، إنتِ بس اهتمي بصحتك وبالحمل، وأنا جنبك، زي ما كنت معاكي في رزق هبقى معاكي في البيبي الجديد كمان.
وما إن عاد زوجي من العمل، حتى سارعت يسريّة بإخباره بالخبر. لم أكن قد رأيته سعيدًا بهذا الشكل من قبل؛ احتضنها بقوة، ثم جلس بجوارها يضع يده على بطنها، وكأنه يحاول أن يستوعب أن طفلًا آخر في الطريق.
– الحمد لله يا حبيبتي، ربنا يباركلي فيكي وفي ولادي، ويقدرني وأسعدكم كلكم.
ثم حمل رزق وأخذ يقبله ويلاعبه، وهو يقول ضاحكًا:
– أهو كده يا سيدي، هتبقى الأخ الكبير قريب!
كنت أقف بالقرب منهما، أراقب سعادته التي ملأت البيت، وأحمد الله أن زوجي أصبح أبًا لطفلين، وأن فرحته التي تمنيتها له تحققت.
وفي المساء، حين جلست معه وحدنا، أمسك بيدي وقال:
– مش عارف أشكرك إزاي يا أمل، لولا إصرارك مكنتش عشت الفرحة دي كلها.
ابتسمت له وقلت:
– متشكرنيش يا حبيبي، أنا عملت اللي شوفته صح، وربنا يباركلك في ولادك ويخليهم ليك.
لكنه أصر على أن يعدني بأنه لن يسمح لأي شيء بأن يغير معاملته لي، وأنني سأظل زوجته التي أحبها، مهما كبر أبناؤه ومهما تغيرت مسؤولياته.
طمأنني كلامه، ولم أكن أبحث عن أكثر من ذلك، فقد كنت أظن أن محبتي له، ووقوفي إلى جواره، ومساعدتي ليسريّة، ستجعل حياتنا أكثر استقرارًا وسعادة.
مرت الأشهر، وجاء موعد ولادة يسريّة، فرزقها الله بفتاة جميلة، أطلق عليها زوجي اسمًا أحبه اسمها خديجه ، وأصبحت فرحته بطفليه لا تسعها الدنيا. لكن هذه المرة لم تكن الأمور سهلة كما حدث في ولادتها الأولى، فقد كانت الصغيرة كثيرة البكاء، لا تكاد تهدأ إلا قليلًا حتى تعود إلى البكاء من جديد، وكانت يسريّة مرهقة من الولادة والسهر، ورزق لا يزال صغيرًا يحتاج إلى الرعاية والاهتمام.
وجدت نفسي من جديد أتحمل معها مسؤولية المنزل والأطفال، فأذهب إليها منذ الصباح، أعد الطعام، وأرتب الشقة، وأحمل الصغيرة حين تبكي، وأحاول تهدئة رزق حين يضيق من انشغال أمه بأخته. كنت أحيانًا أنزل لوالده زوجى فى ساعة متأخرة، وقد أنهكني التعب، لكنني لم أكن أشتكي، فقد اعتدت أن أضع راحة الآخرين قبل راحتي، وكنت أقول لنفسي إن يسريّة تحتاج إليَّ، وإن الأطفال لا ذنب لهم في شيء.
غير أن ما زاد الأمر صعوبة، وألقى على عاتقنا حملًا لم نتوقعه، كان وفاة حماتي.
رحلت المرأة التي طالما اعتبرتها أمًّا لي، والتي احتضنتني منذ زواجي بابنها، ولم تشعرني يومًا بأنني غريبة عن بيتها. كانت تعرف جيدًا أن حرماني من الإنجاب يؤلمني، لكنها لم تسمح لأحد بأن يجرحني بسببه، وكانت دائمًا تؤكد لي أن قيمتي لا تتوقف على كوني أمًّا، وأنني ابنتها قبل أن أكون زوجة ابنها.
في يوم وفاتها، شعرت وكأنني فقدت أمي التي لم تنجبني. جلست بجوارها أبكي بحرقة، وأمسكت بيدها الباردة، أسترجع كل موقف طيب جمعني بها، وكل مرة دافعت فيها عني، وكل كلمة حنونة قالتها لي حين كنت أشعر بالضعف والانكسار.
لم أستطع تصديق أنها لن تناديني مرة أخرى، ولن أسمع صوتها وهي تسألني إن كنت قد تناولت طعامي، أو تطلب مني الجلوس بجوارها لتحدثني عن يومها.
أما زوجي، فقد كان مكسورًا بفقدان أمه، ولم أتركه لحظة واحدة. كنت أواسيه رغم حزني، وأحاول أن أتماسك أمامه، حتى لا يشعر بأنه فقد أمه وزوجته في الوقت نفسه. لكنني حين أختلي بنفسي، كنت أنهار في البكاء، فقد أصبحت أشعر أنني وحيدة، وأن الشخص الذي كان يخفف عني أعباء الحياة قد رحل إلى الأبد.
وبعد انتهاء أيام العزاء، بدأت المسؤوليات تظهر بصورة أثقل من ذي قبل. لم تعد هناك أم تساعدنا، أو تخفف عن يسريّة حين تتعب، أو تتولى بعض شؤون المنزل والأطفال. أصبحت أنا الملجأ الوحيد لها، واليد التي تمتد إليها كلما احتاجت إلى شيء، وفي الوقت نفسه كنت أحاول أن أكون سندًا لزوجي الذي لم يستطع تجاوز حزنه بسهولة.
ومع مرور الأيام، وجدت نفسي أستيقظ متعبة وأنام أكثر تعبًا، حتى إنني لم أعد أجد وقتًا أجلس فيه مع زوجي كما كنت أفعل من قبل. ومع ذلك، لم أتذمر، ولم أطلب منه أن يخفف عني، لأنني كنت أرى أن ما نمر به ابتلاء، وأن علينا أن نتكاتف حتى نتجاوزه.
لكنني لم أكن أدرك أن اعتياد الجميع على عطائي سيجعلهم ينسون أن لي طاقة محدودة، وأن قلبي الذي اعتاد أن يمنح الحب دون انتظار مقابل قد يأتي عليه يوم يحتاج فيه إلى من يربت عليه ويسأله عن حاله.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى