
دفع خمسين جنيه دهب عشان يتجوز بنت البلد كلها بتقول عليها ! لكن محدش كان يعرف إن السر اللي مخبياه تحت شوال الخيش اللي كانت دايما لابساه ومبتشيلوش من علي وشها ده هيقلب حياته كلها، وإن اللحظة اللي هيمد فيها إيده ويكشف وشها، هتكون بداية حكاية عمره ما تخيل إنها تحصل له!
حمدان الجبالي كان راجل عايش لوحده وسط الجبل، بعيد عن دوشة الناس وكلامهم، بعد ما خسر أهله واتعلم يعتمد على نفسه في كل حاجة. شاف المصاعب بعينه أكتر من مرة، وعدّى بمواقف صعبة محدش غيره كان هيقدر يستحملها، لكن عمره ما تخيل إن البشر ممكن يبقوا بالقسوة دي!
في يوم من الأيام، نزل حمدان البلد عشان يشتري ملح وسكر وشوية دقيق وزيت ومؤن تكفيه طول الشتا، قبل ما البرد والسيول يصعّبوا الطريق ويحبسوه في بيته البعيد وسط الجبل. وهو ماشي في السوق، سمع صوت ضحك وسخرية جاي من ناحية عربية كارو واقفة قدام دكان كبير، وكان حواليها ناس كتير متجمعة.
حب يعرف فيه إيه، فقرّب منهم، لكن أول ما شاف المنظر اللي قدامه، وقف مكانه، وفكّه اتشد من الغضب! كان فيه راجل اسمه مبروك الشهاوي واقف فوق العربية الكارو، رافع ورقة في إيده وبيصرخ وسط الناس: — يا جماعة، البنت دي جاية من بلد بعيدة عشان تتجوز الراجل اللي اتقدم لها، وأهلها كانوا فاكرين إنها هتعيش معاه مستورة!
لكن أول ما العريس شاف وشها، اتصدم ورفضها ورجع في كلامه! أهي واقفة قدامكم أهي، لا هي نافعة للجواز ولا حتى حد يرضى يبص في وشها! دي وشها يخض العفريت! الناس انفجرت في الضحك، وكأنهم بيتفرجوا على فرجة في المولد، مش على إنسانة واقفة قدامهم بتتكسف وبتتألم!
جنب العربية كانت واقفة بنت شابة اسمها زينب، لابسة جلابية رمادي قديمة ومتربة، وجسمها كله بيرتعش من البرد والخوف. وشها كان مستخبي بالكامل تحت شوال خيش خشن، معمول فيه فتحتين صغيرين عند عينيها. كانت حاضنة نفسها بإيديها، ومطأطية راسها، وكأنها بتتمنى الأرض تنشق وتبلعها بدل ما تفضل واقفة وسط الإهانة دي.
وفجأة، واحد من العمال اللي كانوا قاعدين قدام القهوة، وكان شارب كذا كوباية عرق، مسك حتة طين ناشفة ورماها عليها، فالطينة خبطتها في كتفها. زينب اتنفضت من الوجع، لكنها حتى ما صرختش! فضلت ساكتة، كأنها اتعودت على الوجع، واتعلمت إن مهما اتألمت، محدش هيدافع عنها.
مبروك رفع صوته تاني وقال: — عشرين جنيه بس! مين ياخدها؟ تقدر تكنس وتطبخ وتغسل وتخدم في البيت وترعى الغنم! بس فيه شرط واحد… تفضل مخبية وشها بالشوال ده طول الوقت! واحد من الواقفين صرخ وهو بيضحك: — دي لو هتدفعلي عشان أتجوزها، مش هوافق! دي ما تسواش قرشين!
الضحك زاد، لكن حمدان ما ضحكش. فضل واقف مكانه، عينيه متثبتة على البنت المسكينة، وفكّه مقفول من شدة الغضب. كان في وشه ندبة كبيرة سايبها هجوم ذئب من سنين، والندبة دي كانت بتفكره كل يوم بنظرات الناس ليه، وبالهمسات اللي بيسمعها من وراه، لمجرد إن شكله مختلف عنهم.
هو بنفسه عرف يعني إيه الناس تحكم عليك من شكلك قبل حتى ما تعرف إنت مين، أو قلبك عامل إزاي. لكن عمره ما شاف بلد كاملة بتعامل بنت ضعيفة كأنها أقل من الحيوان! مبروك صرخ للمرة الأخيرة: — عشرة جنيه!
اللي مش هياخدها دلوقتي، هسيبها في الشارع لحد ما الليل ييجي والبرد ياكل عضمها! تحت الشوال، زينب بدأت تعيط في صمت. دموعها كانت بتنزل على وشها، وهي بتحاول تكتم شهقاتها عشان محدش يسمعها ويقعد يسخر منها أكتر. وفي اللحظة دي، حمدان حس إن فيه حاجة جواه اتكسرت.
شق طريقه وسط الناس، ومد إيده تحت عباءته الصوف التقيلة، وطلع كيس صغير مليان جنيهات دهب كان جمعها بنفسه على مدار سنين من شغله وتعبه. ومن غير ما يفكر ثانية واحدة، رمى الكيس ناحية مبروك وقال بصوت حاسم: — اتفضل، خمسين جنيه! وخلّص ورق الجوازة!
الضحك اختفى في لحظة! الناس بصوا لبعضهم بذهول، ومبروك مسك الكيس وفتحه بسرعة. ولما شاف الدهب اللي جواه، عينيه لمعت بالطمع. ابتسم ابتسامة عريضة وقال: — اتفقنا يا حمدان بيه! البنت بقت من نصيبك! ومد له الورق بسرعة، وقبل ما حمدان يمضي، بص له بنظرة مليانة مكر وقال: — بس ما تجيش بعدين تلومني لما تعرف إيه اللي مستخبي تحت الشوال ده!
صدقني، إنت محتاج قلب جامد عشان تستحمل المنظر! حمدان ما ردش عليه حتى. بدل ما يضيع وقته معاه، لف ناحية زينب، وقرب منها بهدوء، ومد إيده ناحيتها. زينب بصت له من الفتحات الصغيرة اللي عند عينيها. أبوها نفسه اتخلى عنها، والراجل اللي كان المفروض يتجوزها فضحها وأهانها قدام البلد كلها.
ودلوقتي، فيه راجل غريب عمرها ما شافته قبل كده، دفع خمسين جنيه دهب عشان ياخدها معاه لبيت بعيد وسط الجبل! إيديها كانت بتترعش لدرجة إنها حاولت تمسك إيده مرتين، وفي المرتين صوابعها ما قدرتش تثبت. لكن في المحاولة التالتة، قدرت أخيرًا تمسك إيده بأطراف صوابعها.
حمدان بص لها وقال بصوت هادي: — تعالي يا بنتي… هنروح مكان دافي، ومحدش هيقربلك طول ما إنتِ معايا. قضوا ساعات طويلة في طريقهم للبيت البعيد اللي كان حمدان عايش فيه، وسط الأراضي الزراعية والطرق الوعرة اللي بتوصل للجبل.
زينب كانت ملفوفة في بطانية تقيلة فوق ظهر الحمار، وحمدان ماشي جنبه، بيقوده بحذر وسط الطريق اللي غرقان في الطين. طول الطريق، زينب ما حاولتش تشيل الشوال ولا حتى مرة واحدة. وكل ما حمدان يبص ناحيتها، يلاحظ صوابعها ماسكة في الخيط المربوط حوالين رقبتها بقوة، كأنها خايفة لو الشوال اتشال، حياتها كلها هتنتهي في اللحظة دي.
ولما وصلوا أخيرًا، كان الليل غطّى الجبل بالكامل. دخل حمدان البيت، وكانت فيه نار شغالة في الكانون، وريحة الشوربة السخنة والعيش البلدي ماليين المكان. ساعد زينب تنزل، وبعدها حط قدامها طبق أكل وكوباية شاي سخنة، وقعد على الكرسي الخشبي اللي قصادها.
عدّت شوية لحظات من غير ما حد فيهم يتكلم، لحد ما حمدان كسر الصمت وقال: — يا زينب، عايزك تفهمي حاجة كويس… أنا ما دفعتش الفلوس دي عشان أمتلكك، ولا عشان أخليكي خدامة عندي. رفعت راسها المغطاة بالشوال ببطء.
كمل كلامه وهو بيبصلها بهدوء: — أنا دفعت عشان مفيش بني آدم يستاهل إن الناس ترميه في الشارع كأنه زبالة. إنتِ بني آدمة وليكي كرامة، واللي حصل النهارده عيب فيهم هما، مش فيكي. إيديها اللي كانت بتترعش وقفت للحظة.
حمدان كمل: — إنتِ هنا في أمان. وطول ما إنتِ تحت سقف بيتي، محدش هيأذيكي. ولأول مرة من ساعة ما خرجت من البلد، زينب رفعت إيدها ناحية رقبتها، ولمست العقدة اللي مثبتة الشوال على راسها. حمدان لاحظ حركتها، فقال لها بهدوء: — أنا شوفت المصاعب بعيني، واتعورت في وشي وفضلت بالعلامة دي طول عمري.
وناس كتير فضلت تحكم عليا من شكلي قبل ما تعرف أنا مين. عشان كده، مهما كان اللي مخبياه تحت الشوال ده، مش هيغيّر وعدي ليكي. زينب حاولت تفك الرباط، لكن صوابعها كانت بتترعش جامد، لدرجة إنها مش قادرة حتى ترخي العقدة.
حمدان قام من مكانه بالراحة، ولف حوالين الترابيزة لحد ما وقف جنب كرسيها. وبعدين سألها برفق: — تسمحيلي أساعدك؟ زينب اتجمدت مكانها. هي سمعت وعود كتير قبل كده، لكن آخر راجل شاف وشها وصفها قدام الناس كلها إنها مسخ!
فضلت ساكتة ثواني طويلة، مش قادرة تنطق ولا حتى تاخد نفسها بشكل طبيعي. وبعدين، وهي حاسة بالدموع بتنزل تحت الشوال الخشن، قفلت عينيها وهزت راسها هزة بسيطة بالموافقة. حمدان رفع إيديه بهدوء ناحية العقدة اللي ورا رقبتها. أصابعه لمست أول طرف من الخيط، وبدأ يفك الرباط واحدة واحدة.
زينب حبست نفسها، وقلبها بيدق بعنف. كانت مستنية اللحظة اللي ملامح وشه هتتغير فيها، وطيبته هتختفي، وهيتحول هو كمان لواحد من الناس اللي رفضوها وكسروها. لكن اللي حصل بعد ما الشوال بدأ ينزل عن وشها… كان آخر حاجة ممكن أي حد فيهم يتوقعها!
يا ترى إيه السر اللي زينب كانت مخبياه طول السنين دي كلها؟ وليه أهل البلد كلهم كانوا بيعاملوها كأنها مسخ؟ وهل حمدان، الراجل اللي عاش عمره كله وحيد وسط الجبل، هيكون الوحيد اللي يقدر يشوف الحقيقة اللي محدش غيره قدر يشوفها؟
حمدان فضل واقف ورا زينب، وصوابعه بتفك العقدة اللي كانت ماسكة شوال الخيش حوالين رقبتها، وكل ما الخيط يرخي شوية، كان حاسس إن البنت اللي قدامه مش خايفة من كشف وشها قد ما هي خايفة من الحكم اللي هيطلع من عينيه. ولما العقدة فكت أخيرًا، الشوال انزلق ببطء من فوق راسها، ووقع على الأرض جنب الكرسي. حمدان بص لوشها، واتجمد مكانه. مش عشان اللي شافه كان بشع زي ما مبروك الشهاوي قال، ولا عشان حس بالقرف أو الخوف، لكن عشان اكتشف إن الحكاية كلها أكبر بكتير من مجرد بنت مخبية وشها عن الناس. وش زينب كان جميل بشكل لافت، ملامحها مصرية أصيلة، وعينيها واسعتين بلون العسل الغامق، وشعرها الأسود الطويل كان متشابك حوالين وشها من كتر ما فضلت شهور مستخبية تحت الشوال. لكن على الجانب الشمال من وشها، من أول صدغها لحد طرف فكها، كان فيه أثر إصابة قديمة، لونه مائل للاحمرار والبني، والجلد حواليه مشدود شوية، ونازل لحد رقبتها. الأثر كان واضح، لكنه ما كانش بالمنظر المرعب اللي الناس صورته في خيالها، ولا كان سبب يخلي حد يعاملها بالطريقة دي. حمدان فضل ساكت، وعينيه بتتنقل بين أثر الإصابة وعينيها اللي كانت مستنية منه كلمة واحدة تنهي آخر ذرة أمل جواها. زينب رجعت لورا بسرعة، وشدت طرف جلابيتها على وشها، وصرخت بصوت مخنوق: — خلاص!
خلاص، أنا عارفة! متبصليش كده! عارفة إن شكلي يخض! خد الشوال وحطه عليا تاني، أرجوك! حمدان انتفض من صرختها، وبعد عن كرسيها فورًا، ورفع إيديه قدامه عشان يطمنها. — اهدي يا زينب، والله ما حصل حاجة. — متكدبش عليا! صرخت وهي بتحاول تغطي وشها بكفوفها. — كلهم قالوا نفس الكلام في الأول! كلهم قالوا إنهم مش فارق معاهم شكلي، وإنهم مش هيحكموا عليا، وأول ما شافوني.
قلبوا عليا! العريس اللي كان جاي يتجوزني، أول ما شافني جري من البيت، وأبويا نفسه بصلي كأني عملت غلطة! إنت كمان هتندم إنك دفعت كل الدهب ده عشاني! حمدان حس إن كل كلمة بتقولها بتكشف له جرح أعمق من أثر الإصابة اللي على وشها. قرب من الكرسي، لكنه وقف على مسافة تخليها تحس بالأمان، وقال بصوت هادي فيه حزم: — بصيلي يا زينب. هزت راسها بعنف وهي بتعيط. — مش هقدر. — براحتك. مش لازم تبصيلي. بس اسمعيني كويس، أنا مش هطلب منك تخبي وشك تاني، ومش هطلب منك تبرريلي إنتِ اتولدتي إزاي ولا اتحرقتي إزاي. إنتِ مش متهمة عندي عشان تحكيلي دفاعك عن نفسك. زينب نزلت إيديها ببطء، وبصت له من بين دموعها. حمدان كمل: — الأثر اللي على وشك ده مش ذنبك، ومش عيب فيكي. ولو كان عندي أثر زيه على وشي، كنت هفضل أنا حمدان برضه، مش هتحول لحد تاني.
زينب بصت للندبة اللي على وشه لأول مرة من غير خوف، وكأنها كانت شايفاها دلوقتي بس. — بس إنتَ ندبتك من حادثة، إنما أنا… صوتها اتكسر، وسكتت. حمدان ما ضغطش عليها. — إنتِ إيه؟ زينب هزت راسها وهي بتبص للأرض. — أنا السبب في فقدان أمي. الجملة نزلت على البيت زي حجر تقيل، حتى صوت النار اللي في الكانون بقى كأنه بعيد. حمدان سحب الكرسي وقعد قصادها، وقال بهدوء: — مين قالك كده؟ — كل الناس. — أنا مش بسألك الناس قالت إيه، أنا بسألك إنتِ حصل معاكي إيه. زينب ضمت إيديها لبعض، وفضلت تفرك صوابعها المرتعشة،
وبعد لحظات بدأت تحكي. — كنت عندي تسع سنين لما الحريقة حصلت. كنا عايشين في بيت صغير في طرف البلد، وأمي كانت ست غلبانة، بتخيط للناس وتغسل هدومهم عشان نقدر ناكل. أبويا كان شغال في أرض واحد من كبار البلد، ولما رجع في اليوم ده كان متعصب، عشان صاحب الأرض خصم له جزء من أجرته. بلعت ريقها وكملت: —
أمي كانت عاملة عشا، وأنا كنت قاعدة جنبها بذاكر. أبويا دخل، وابتدى يزعق، وبعدها مسك إيدها وزقها. هي وقعت جنب البوتاجاز، والحلة وقعت، والنار مسكت في طرف الستارة. أنا جريت أجيب الميه، بس النار كانت كبرت بسرعة. أمي رجعت البيت عشان تطلعني أنا، مع إني كنت خلاص خرجت، ودخلت تاني لما سمعتني بصرخ على أخويا الصغير اللي كان نايم جوه.
حمدان شد فكه، لكنه فضل ساكت. —
أمي طلعتني من الشباك، وبعدها رجعت تجيب أخويا. أنا كنت واقفة بره، وشايفاها من الشباك، والنار بتاكل كل حاجة. جريت ناحية الباب عشان أدخل لها، لكن سقف الأوضة وقع قبل ما أوصل. ولما الناس طلعوني من تحت الخشب، كان وشي اتحرق، وإيدي اتجرحت، وأمي… زينب غطت وشها وهي بتشهق: — أمي رحلت، وأخويا رحل، وأنا فضلت عايشة. حمدان حس بغصة في حلقه، لكنه ما قاطعهاش. —
من يومها وأبويا بقى يكرهني. كان كل ما يشرب يقول إني أنا اللي جبت النحس للبيت، وإن النار ما كانتش هتأذي أمي لو أنا ما كنتش موجودة. وفي الأول كنت صغيرة ومصدقة إن ممكن أكون السبب فعلًا. كنت بحاول أرضيه، أشتغل في الأرض، وأشيل الميه، وأعمل كل حاجة، بس كل ما يشوف وشي يفتكر اللي حصل. رفعت عينيها له، وكان فيها وجع سنين طويلة. — ولما كبرت، بقى يضايقني كل ما حد يرفض يتجوزني. كان بيقول إني فضحته قدام الناس، وإنه مش هيصرف عليا العمر كله. ولما مبروك قال إنه لقى لي عريس، فرحت. والله فرحت، وقلت يمكن أخيرًا أخرج من البيت ده وأعيش زي أي بنت.
بس أول ما العريس شافني، رمى الشبكة في الأرض، وقال إني خدعته، وإن أبويا كان لازم يقول له على شكلي. سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت واطي: — بعدها أبويا سلمني لمبروك عشان يسدد دين كان عليه.
قال له ياخدني ويعمل فيا اللي هو عايزه، بس ما يرجعنيش البيت. ومبروك كان عايز يبيعني لأي حد ياخدني، عشان يخلص مني ويقبض فلوسه. حمدان ما بقاش قادر يخفي الغضب في عينيه. — وأبوك وافق على ده كله؟ زينب هزت راسها. — قال لي قبل ما أمشي: لو رجعتي، هكون السبب في اللي هيحصل. ساد الصمت، وما كانش فيه غير صوت الخشب وهو بيتحرك جوه الكانون. حمدان قام، وحط حطب زيادة في النار، وبعدها جاب لها طبق شوربة سخن وحطه قدامها. — كلي الأول. زينب بصت للطبق باستغراب. — إنت مش هتسألني عن حاجة تاني؟ — هسألك لما تكوني مستعدة تتكلمي. إنما دلوقتي إنتِ جعانة وبردانة وتعبانة، وجسمك مش هيستحمل ليلة كمان من غير أكل كويس. — وإنت مش خايف مني؟ حمدان بص لها باستفهام. — أخاف منك ليه؟ — عشان الناس بتقول إن اللي عنده أثر بالشكل ده بيبقى وشه مش مؤشر خير، وإن أي بيت تدخله بتحصل فيه مصيبة. حمدان ضحك ضحكة قصيرة، لكن مافيهاش سخرية منها. — الناس دي لو شافت الغلط قدامها، بتغمض عينيها عنه، ولو شافت بنت مجروحة، تفتح عينيها عليها وتفضل تحاسبها. أنا مش هعيش عمري أصدق كلام ناس ما تعرفش الرحمة. زينب مسكت المعلقة، لكنها ما قدرتش تاكل من كتر ما كانت بتعيط. حمدان سابها براحتها، وراح جهز لها أوضة صغيرة في آخر البيت، فيها سرير خشب ومرتبة قطن وبطانية نضيفة.
ل عليكي من غير إذنك، حتى أنا. زينب بصت له بدهشة. — حتى إنت؟ — حتى أنا. — بس أنا مراتك دلوقتي، مش كده؟ حمدان اتنهد، وبص لها بجدية. — الورق اللي مضانيه مبروك مش هو اللي يحدد علاقتنا يا زينب. أنا ما جبتكيش هنا عشان آخد منك حاجة غصب عنك، ولا عشان أقول إنك بقيتي ملكي. لو إنتِ مش عايزاني جوز ليكي، مش هقرب منك، ومش هحبسك عندي. ولما تكوني واقفة على رجلك وتقدري تختاري حياتك، هنقعد ونتكلم، والقرار هيكون ليكي. زينب فضلت باصة له كأنها مش فاهمة الكلام. طول عمرها كانت تسمع عن الجواز باعتباره صفقة،
والراجل صاحب القرار، والست لازم تسكت وتتحمل. أول مرة تسمع راجل بيقول لها إن ليها حق تختار، وإن كلمة لأ ممكن تتقال من غير ما يعقبها ضغط. قالت بصوت خافت: — ليه بتعمل معايا كده؟ حمدان اتكأ على الباب، وبص ناحية النار اللي في الصالة. — عشان في يوم من الأيام، لما كنت صغير، وقعت في حفرة في الجبل، والناس عدت من جنبي ومحدش وقف يساعدني. واحد راعي غنم عجوز هو اللي شالني، رغم إنه ما كانش يعرفني. قال لي وقتها إن الإنسان ساعات بيبقى كل اللي محتاجه إيد واحدة تتمد له قبل ما الدنيا تبلعه.
وأنا مش هنسى فضله طول عمري. رجع بص لها وأضاف: — النهارده إنتِ اللي محتاجة الإيد دي. وبكرة، يمكن أنا اللي أحتاج إيدك. خرج وساب الباب موارب، وزينب فضلت قاعدة على طرف السرير، حاطة إيديها على وشها، لكن المرة دي ما كانتش بتحاول تخبيه. كانت بتحاول تصدق إن ممكن يكون فيه مكان في الدنيا ما تضطرش فيه تعتذر عن وجودها. لكن الليلة دي ما كانتش نهاية خوفها، دي كانت البداية الحقيقية لحكاية هتغير حياتها وحياة حمدان والبلد كلها. بعد نص الليل، حمدان كان قاعد جنب الشباك، بيصلح حبل قديم، لما سمع صوت حصان بيجري ناحية البيت. قام بسرعة، وفتح الباب، وشاف خيال راجل واقف على الحصان، ملفوف بعباءة سودا. الراجل نزل من على الحصان، وقرب منه وهو بيبص حواليه بحذر. — إنت حمدان الجبالي؟ — أيوه. مين إنت؟ الراجل قرب أكتر، وقال بصوت واطي: —
أنا اسمي عوض، شغال عند مبروك الشهاوي. وجاي أحذرك قبل ما الدنيا تولع فوق دماغك. حمدان عقد حاجبيه. — تحذرني من إيه؟ عوض بلع ريقه، وبص ناحية البيت. — البنت اللي أخدتها النهارده، زينب، مش زي ما إنت فاكر. مبروك ما كانش عايز يخلص منها وبس. هو كان عايز يبعدها عن البلد بأي تمن، لأنها شافت حاجة ما كانش المفروض تشوفها. حمدان قرب منه خطوة. — شافت إيه؟ عوض بص حواليه تاني، وكأنه خايف الحيطان نفسها تسمعه.
— من حوالي شهرين، زينب كانت راجعة من الغيط بعد المغرب، وشافت مبروك داخل مخزن قديم وراه رجال غريبة. سمعتهم بيتكلموا عن أرض الوادي، وعن ورق مزور، وعن واحد اسمه منصور بيه كان اتوفى في حريقة من سنين. اسم منصور بيه خلى ملامح حمدان تتغير. منصور البيه كان أكبر تاجر في المنطقة، والراجل اللي اشترى معظم الأراضي حوالين الجبل قبل ما يتوفى في حريقة غامضة من خمستاشر سنة. والأغرب إن حمدان كان عارف إن أبوه اشتغل عند منصور بيه في آخر سنة قبل وفاته، وإنه اتوفى بعده بشهر واحد في حادثة محدش فهم تفاصيلها لحد النهارده. عوض كمل بسرعة: — زينب عرفت إن مبروك والناس اللي معاه بيحاولوا يستولوا على أرض الوادي، وإن فيه ورق قديم بيثبت إن الأرض دي مش ملكهم. وهي سمعت اسم أبوها وسط الكلام، وعرفت إنه كان بيشتغل معاهم زمان. حمدان مسك كتف عوض. — وإنت عرفت الكلام ده إزاي؟ عوض نزل عينيه. — عشان أنا اللي كنت واقف على باب المخزن. ولما مبروك عرف إنها سمعتهم، بعت ناس وراها. وهي هربت يومها بالعافية. ومن وقتها وهو بيدور عليها عشان ياخد منها اللي معاها. — معاها إيه؟ عوض تردد، وبعدين قال: — مفتاح صغير، كانت أمها مخبياه لها قبل ما تتوفى. حمدان حس إن الصورة بدأت تتجمع قدامه، لكن لسه فيه أجزاء ناقصة.
— وليه بتقول لي الكلام ده دلوقتي؟ عوض بص له بعينين مليانين خوف وندم. — عشان أنا عندي بنت قد زينب. ولو حد عمل فيها اللي عملوه في زينب، مش هقدر أسامح نفسي. أنا سكت كتير، لكن كفاية لحد كده. حمدان سابه ووقف يفكر لحظات، وبعدها قال: — ارجع من الطريق اللي جيت منه، وماتقولش لحد إنك جيت هنا. ولو مبروك سألك عني، قول له إني أخدت البنت وروحت الجبل ومش هتنزل البلد تاني. عوض هز راسه وركب حصانه، لكنه قبل ما يمشي قال: — خليك حذر يا حمدان. مبروك مش هيسيبك في حالك. والناس اللي معاه مش مجرد تجار أراضي. لما الحصان اختفى وسط الضلمة، حمدان قفل الباب بالمفتاح، وراح ناحية أوضة زينب. خبط خبطتين خفيفتين. — زينب، إنتِ صاحية؟ سمع صوتها من جوه: — أيوه. —
محتاج أتكلم معاكي في حاجة مهمة. لو مش عايزة دلوقتي، نستنى للصبح. الباب اتفتح بعد ثواني، وظهرت زينب بوشها المكشوف، وشعرها مربوط بقطعة قماش قديمة. كانت عينيها حمرا من العياط، لكنها وقفت قدامه بثبات أكتر من الأول. — اتفضل. حمدان دخل الصالة، وهي قعدت قصاده. حكى لها اللي سمعه من عوض، ولما وصل لسيرة المفتاح، زينب شهقت وقامت من مكانها. — هو عرف منين؟ — يعني الكلام صحيح؟ زينب حطت إيدها على صدرها، وبعدها راحت ناحية شنطتها القديمة اللي جابتها معاها، وطلعت منها قطعة قماش ملفوفة بعناية.
فتحتها، وظهر مفتاح صغير لونه نحاسي، متعلق فيه خيط أزرق باهت. — أمي ادتهولي قبل ما تتوفى بيومين. كانت تعبانة جدًا، وقالت لي أخبيه وما أديهوش لأي حد، حتى أبويا. وقالت لي إن اليوم اللي هحتاجه فيه هيكون اليوم اللي الحقيقة هتحاول تدفن نفسها فيه. حمدان أخد نفس عميق. — تعرفي بيفتح إيه؟ — لأ. حاولت أسأل أبويا عنه بعد ما كبرت، لكنه ضايقني، وقال لي إن أمي كانت بتخرف قبل وفاتها. حمدان مد إيده ناحية المفتاح، لكنه وقف قبل ما يلمسه. — تسمحيلي أشوفه؟ زينب حطته في كفه. فضل حمدان يقلبه بين صوابعه، لحد ما لاحظ علامة صغيرة محفورة على رأسه، شكلها زي جبل وفوقه هلال. العلامة دي شافها قبل كده. كانت محفورة على صندوق خشب قديم أبوه سابه له قبل ما يتوفى، وقال له إنه ما يفتحوش غير لما ييجي اليوم اللي يحس فيه إن الحقيقة أهم من خوفه. حمدان قام فجأة، وراح ناحية دولاب قديم في ركن البيت، وطلع منه صندوق صغير متغطي بالتراب. حطه على الترابيزة، وفتح القفل الحديدي اللي كان صدئ من سنين. جواه كانت فيه أوراق قديمة، وصورة باهتة لراجل واقف جنب طفل صغير، ودفتر جلده بني. زينب قربت، ولما شافت الصورة، إيديها بدأت ترتعش. — ده… ده منصور بيه! حمدان بص لها بسرعة. — تعرفيه؟ — شفته في الصورة اللي كانت عند مبروك.
كان بيقول إنه اتوفى من زمان، وإن كل الورق اللي كان يملكه اتحرق معاه. حمدان مسك الدفتر وفتحه، ولقى في أول صفحة جملة مكتوبة بخط أبوه: “لو الورق ده وصل لحد أمين، يبقى الحق لسه فيه نفس، حتى لو أصحابه اتوفوا.” وفي آخر الدفتر كان فيه رسم لمخزن قديم، وتحت الرسم جملة: “المفتاح عند أمينة، والحق في صندوق الحديد.” زينب شهقت وهي بتقرب من الصفحة. — أمينة دي أمي! حمدان رفع عينيه لها، وفجأة فهم إن وفاة أمها، ووفاة أبوه، وحريقة منصور بيه، كلهم ممكن يكونوا مرتبطين بسر واحد. لكن قبل ما يلحق يقول أي حاجة، سمعوا صوت خبطة عنيفة على باب البيت. وبعدها صوت مبروك الشهاوي وهو بيزعق من بره: —
افتح يا حمدان! عارف إنك صاحي! أنا جاي آخد حقي، والبنت اللي إنت فاكر إنك أنقذتها! زينب شحب لونها، وحطت إيدها على فمها. حمدان قفل الدفتر، وخبّاه تحت جلابيته، وبص لها بنظرة حاسمة. — ادخلي الأوضة واقفلي الباب. — لأ! كانت دي أول مرة ترفع صوتها قدامه من غير خوف. — مش هستخبى تاني. طول عمري بهرب، وطول عمري بخليهم يقرروا عني. المرة دي مش هسيبهم ياخدوا مني حاجة تاني. حمدان بص لها لحظة، وبعدين هز راسه باحترام. — يبقى تقفي ورايا، وتعملي اللي هقولك عليه. مش عشان إنتِ ضعيفة، لكن عشان اللي بره ممكن يعمل أي حاجة.
راح ناحية الباب، وفتحه فجأة. مبروك كان واقف قدامه ومعاه أربعة رجالة، وفي إيده عصاية غليظة، وابتسامته الماكرة مالية وشه. — يا أهلا بالعريس! قلت أجيلك أطمن على عروستك. أصل أنا قلبي عليها، وخايف تكون تعبتك من أول ليلة. حمدان وقف في المدخل وسد الطريق بجسمه. — قول اللي عندك يا مبروك وامشي. مبروك ضحك. — أنا عايز البنت. — البنت مش حاجة عندك عشان تيجي تاخدها. ابتسامة مبروك اختفت. — إنت فاكر نفسك بطل يا حمدان؟ دفعت خمسين جنيه دهب وافتكرت إنك اشتريت رجولة البلد كلها؟ البنت دي عليها دين، وأبوها ماضي على ورقة إنها تبقى عندي لحد ما يسدد اللي عليه. زينب خرجت من ورا حمدان، ووقفت جنب الباب. —
أبويا ما يملكش يبيعني، وإنت ما تملكش تشتري إنسانة. مبروك بص لها، وضحك باستهزاء. — أهو المسخ اتكلم! طب ما تيجي معايا بدل ما أخلي الرجالة دي تدخل تجيبك؟ حمدان قبض إيده. — كلمة كمان، وهتندم إنك جيت لحد هنا. مبروك رفع العصاية، وأشار لرجالته. — ادخلوا هاتوا البنت! أول راجل حاول يعدي، لكن حمدان دفعه بقوة ناحية الحيطة. التاني هجم عليه، فحمدان صد ضربته، ومسَك دراعه ولفه لحد ما العصاية وقعت من إيده. في لحظات، الصالة الصغيرة اتحولت لمعركة، والكراسي اتقلبت، والفخار اتكسر على الأرض. زينب كانت واقفة عند الباب، شايفة مبروك بيحاول يتسلل من ورا حمدان ناحية الصندوق.
صرخت: — حمدان! الصندوق! حمدان لف بسرعة، لكن مبروك كان وصل للترابيزة، وخطف المفتاح النحاسي اللي كان لسه موجود جنب الدفتر. زينب جريت عليه، ومسكت إيده بكل قوتها. — رجعه! مبروك زقها، فوقعت على الأرض، والمفتاح طار من إيده واستقر تحت الكانون. حمدان اندفع ناحية مبروك، لكن واحد من رجالة مبروك ضربه بقطعة خشب على كتفه، فوقع على ركبة واحدة. مبروك استغل اللحظة، وجرى ناحية الباب وهو بيصرخ: — المرة الجاية مش هسيب حد فيكم في حاله! رجالته انسحبوا وراه، وفضل حمدان واقف بالعافية، حاطط إيده على كتفه، بينما زينب جريت تجيب المفتاح من تحت الكانون. لما رجعت له، كانت عينيها مليانة دموع وغضب. —
أنا السبب. لو ما كنتش جيت هنا، ما كانش حد أذاك. حمدان بص لها بحدة. — ما تقوليش الكلمة دي تاني. — بس… — مفيش بس! اللي أذاني هو اللي اختار يرفع إيده عليا. إنتِ مش مسؤولة عن شر حد تاني، فاهمة؟ زينب سكتت، وحطت المفتاح في كفها. حمدان قعد على الكرسي، وطلب منها تجيب له شاش ومية، ولما بدأت تنظف الجرح، كانت إيديها بتترعش. — إنتَ ممكن تتأذى بسببي. حمدان رفع عينيه لها. — كلنا ممكن نتأذى في أي لحظة، لكن الفرق إن الواحد يعيش وهو ساكت عن الظلم، ولا يعيش وهو بيحاول يمنعه. وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: — وبعدين أنا لسه ما أكلتش العشا بتاعي.
مش ناوي أتأذى قبل ما آكل. رغم خوفها، زينب ضحكت غصب عنها، وكانت دي أول ضحكة حقيقية تطلع منها من سنين. لكن الصبح اللي جه بعد الليلة دي، ما جابش الراحة اللي كانوا مستنيينها. من أول ما الشمس طلعت، بدأوا يسمعوا أصوات بعيدة جاية من ناحية الطريق، وبعدها لمح حمدان دخان بيتصاعد من ناحية القرية. وفي نفس اللحظة، وصل عوض على حصانه، وشه أصفر وهدومه متربة. نزل وهو بيجري. — الحق يا حمدان! مبروك ولّع في مخزنك اللي عند طرف البلد، وبيقول للناس إنك خطفت زينب واتسببت في أذى رجاله! حمدان قام من مكانه، وعينيه بقت زي الجمر. — والناس صدقته؟ عوض هز راسه بأسى. — بعضهم. وهو رايح دلوقتي للشيخ عبدالتواب
، وبيحاول يخليه يطلع أمر بطردك من الجبل، وبيقول إن عنده شهود إنك مجرم. زينب خرجت من الأوضة، وكانت سمعت كل حاجة. — هو عايز يخلينا نهرب. حمدان بص لها. — وهنعمل إيه؟ زينب رفعت راسها، وقالت لأول مرة بثقة: — مش هنهرب. هنروح البلد، ونواجهه قدام الناس كلها. حمدان اتأملها لحظة، وشاف في عينيها حاجة ما كانتش موجودة امبارح. الخوف لسه موجود، لكنه ما بقاش هو اللي بيحكمها. — يبقى نروح. لكن قبل ما يتحركوا، عوض مد إيده بظرف ورق قديم. — فيه حاجة لازم تعرفوها. أنا سرقت الورقة دي من مكتب مبروك من يومين، وكنت مستني الفرصة أسلمها لحد يقدر يحميها.
حمدان فتح الظرف، ولقى عقد ملكية قديم لأرض الوادي، عليه ختم رسمي وتوقيع منصور بيه، ومعاه شهادة مكتوبة بخط إيد أمينة، أم زينب. زينب مسكت الورقة، ولما شافت خط أمها، دموعها نزلت. — دي خط أمي. حمدان قرأ الشهادة بصوت واطي، وكانت بتقول إن منصور بيه اكتشف إن بعض رجاله بيزوروا عقود الأراضي وبيستولوا على ممتلكات
الفلاحين، وإنه قرر يسلم المستندات للجهات المختصة. لكنها كانت شاهدة على اجتماع حصل في المخزن القديم، وفي الليلة دي اندلع الحريق اللي اتوفى فيه منصور بيه. وفي آخر الشهادة، كانت أمينة كاتبة: “لو حصل لي حاجة، يبقى اللي بيحاول يدفن الحقيقة هو نفسه اللي كان سبب في وفاة منصور.” حمدان رفع عينيه لزينب. — أمك كانت عارفة مين اللي عمل الحريقة. زينب هزت راسها ببطء. — وعشان كده اتوفت. عوض اتدخل بصوت مبحوح: — مش بس كده. أبو زينب كان معاهم في الليلة دي. هو ما ولعش النار بنفسه، لكنه ساعدهم يهربوا الورق، وبعدها عاش طول عمره خايف إن حد يكشفه. ولما زينب بقت تسأل عن اللي حصل، بدأ يضايقها ويهددها. زينب قفلت عينيها، وكأنها بتحاول تجمع نفسها من جديد. — أنا كنت فاكرة إن أبويا بيكرهني عشان وشي، لكن هو كان بيكرهني عشان كنت بفكره باللي عمله. حمدان حط إيده على كتفها، من غير ما يضغط. —
الحقيقة مش هتغير اللي حصل، لكنها ممكن تمنعهم يأذوا حد تاني.
وبعد ساعات قليلة، كان التلاتة في طريقهم للبلد، ومعاهم الأوراق والمفتاح، وهم عارفين إن المواجهة دي مش هتكون سهلة. عند مدخل السوق، الناس بدأت تتجمع أول ما شافوا حمدان وزينب. همسات اتنقلت من واحد للتاني، وبعض الستات شدوا عيالهم بعيد، ورجالة كتير وقفوا يتفرجوا من غير ما يتكلموا. مبروك كان واقف على مصطبة قدام الدكان، وبجانبه أبو زينب، راجل هزيل، شعره أبيض، وعينيه غارقة في خوف قديم. أول ما شاف زينب، وشه اتغير. — إنتِ رجعتي ليه؟ مش قولتلك لو رجعتي هكون السبب في اللي هيحصل؟
زينب وقفت قدامه، وصوتها كان بيرتعش في أوله، لكنه ثبت مع كل كلمة: — أنا رجعت عشان أعرفك إنك ما بقيتش تقدر تخوفني. إنتَ خذلتني لما كنت محتاجة أب، وبعتني لما كنت محتاجة بيت، وخلّيتني أصدق سنين إني السبب في وفاة أمي. لكن أنا مش السبب، وإنت عارف ده كويس. أبوها فتح بقه، لكنه ما عرفش يرد. مبروك رفع صوته عشان يغطي على كلامها: — كفاية كذب! البنت دي عقلها راح من يوم الحريقة! وحمدان خطفها عشان يغطوا على جرائمهم! حمدان تقدم خطوة، وطلع عقد الملكية. — يبقى خلينا نسمع الحقيقة من الورق، مش من لسانك. مبروك شحب، لكنه حاول يضحك. — ورق إيه؟ ورق مزور! عوض تقدم من بين الناس. — الورق ده أصلي، وأنا شفت النسخة اللي كانت في مكتبك. وإنت بنفسك قلت إنك لازم تلاقي مفتاح الصندوق قبل ما زينب تفتحه.
الناس بدأت تهمهم، والشيخ عبدالتواب، اللي كان واقف على طرف التجمع، قرب منهم. — محدش يتكلم غير لما نفهم. إيه حكاية الصندوق ده؟ حمدان رفع المفتاح. — مفتاح أمانة عند زينب من أمها، وبيفتح صندوق موجود في المخزن القديم عند الوادي. وفيه مستندات تثبت إن أرض ناس كتير اتسرقت منهم. مبروك حاول يخطف المفتاح، لكن اتنين من رجالة السوق وقفوا في طريقه. لأول مرة، الناس اللي كان بيخوفها بفلوسه ونفوذه، وقفوا قصاده. الشيخ عبدالتواب قال بحزم: — هنروح للمخزن، وكلنا هنشوف الحقيقة. ولو طلع كلامك صح يا مبروك
هتتحاسب قدام القانون. مبروك بص حواليه، وعرق بارد بدأ ينزل على جبهته. — إنتوا مش فاهمين حاجة! الأرض دي لينا، والورق ده ما يخصكوش! زينب ردت عليه: — لو الأرض ليك، ليه خايف من صندوق؟ ما لاقاش إجابة. اتحركت مجموعة كبيرة ناحية الوادي، وحمدان كان ماشي جنب زينب، بينما عوض والشيخ عبدالتواب وناس من البلد وراهم. المخزن القديم كان مهجور، نص سقفه واقع، والباب الحديدي متآكل من الصدأ. زينب قربت من الباب، وحطت المفتاح في القفل الصغير الموجود على جانبه. لفته مرة، لكنه ما اتحركش. حاولت تاني، وسمعت صوت تكة خفيفة. الباب اتفتح ببطء، وكأن المكان كان مستني اللحظة دي من سنين. دخلوا، والناس رفعت الفوانيس عشان تنور الضلمة. في آخر المخزن، كان فيه صندوق حديدي كبير، متغطي بطبقة سميكة من التراب.
حمدان قرب منه، لكن زينب سبقته، وحطت إيدها على الغطا. كانت بتعيط، لكن المرة دي دموعها ما كانتش دموع خوف. — أمي قالت لي إن الحقيقة هتفضل عايشة حتى لو كل الناس حاولت تخبيها. لفت المفتاح في القفل، وفتح الصندوق. جواه كانت فيه دفاتر حسابات، وعقود ملكية أصلية، وخطابات مختومة، وكيس قماش صغير فيه ساعة جيب فضية متوقفة عند الساعة الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة. حمدان مسك الساعة، ولما شاف النقش اللي على ظهرها، وشه اتغير. كان مكتوب عليها اسم أبوه. وتحت الاسم، جملة قصيرة: “للحقيقة تمن، لكن السكوت تمنه أغلى.” حمدان حس إن رجليه مش شايلينه. أبوه ما كانش مجرد عامل اتوفى بعد منصور بيه
ده كان شاهد على الواقعة، ويمكن حاول يحمي المستندات ودفع حياته تمنًا لده. زينب لاحظت اضطرابه، فقربت منه. — مالك؟ حمدان ورّاها الساعة، وقال بصوت مبحوح: — أبويا كان هنا. كان عارف كل حاجة. في اللحظة دي، صوت مبروك دوّى من وراهم: — محدش هياخد حاجة من الصندوق ده! كان واقف عند باب المخزن، وفي إيده أداة قديمة، ووشه اتبدل تمامًا. ما بقاش فيه أي أثر للابتسامة الماكرة اللي كان بيتعامل بيها مع الناس. الكل اتراجع، والشيخ عبدالتواب رفع إيده. — حط الأداة يا مبروك! إنت كده بتزود مصيبتك! مبروك ضحك ضحكة عصبية. — مصيبتي بدأت من يوم ما أبوها قرر يفتح بقه!
ومن يوم ما أبو حمدان فكر إنه يقدر يقف في طريقي! أنا تعبت سنين عشان أوصل للي أنا فيه، ومش هسيب ورق قديم يهد كل حاجة بنيتها! زينب وقفت قدام الصندوق.
إنت السبب في اللي حصل لأمي؟ مبروك سكت لحظة، وبعدين قال: — أمك كانت غبية. كان ممكن تعيش وتربيكي لو سكتت. لكنها أصرت تروح تبلغ، فاضطرينا نوقفها. زينب حسّت إن الدنيا بتلف بيها، لكن حمدان مد إيده ومسك كفها. — خليكِ ثابتة. مبروك رفع الأداة ناحية حمدان. — وإنت كمان هتلاقي نفس مصير أبوك، يا ابن الجبالي! قبل ما يتحرك، عوض اندفع من الجنب وخبط إيده، فانطلقت في سقف المخزن. الناس صرخت، وحمدان هجم على مبروك، والاتنين وقعوا على الأرض. الأداة اتزحلقت بعيد، ومبروك حاول يضغط على حمدان، لكن حمدان صد حركاته، وثبّت إيده لحد ما قدر يبعده عنه
رجالة البلد دخلوا وفصلوا بينهم، واتنين منهم مسكوا مبروك، بينما الشيخ عبدالتواب طلب إرسال حد يجيب مأمور المركز فورًا. مبروك كان بيصرخ ويهدد الكل، لكن محدش بقى خايف منه. وبينما الناس مشغولة، زينب فضلت واقفة قدام الصندوق، وبصت للخطابات القديمة. فتحت واحدة منها، وبدأت تقرا بصوت مرتعش. كانت رسالة من أمها لأبوها، مكتوبة قبل الحريقة بيوم واحد، بتطلب منه يبعد عن مبروك ويعترف بالحقيقة قبل ما يخسر عيلته. زينب رفعت عينيها ناحية أبوها، اللي كان واقف في آخر المجموعة، منهار وبيبكي.


