
لما رجعت البيت، كانت إضاءة اللمبات الصفراء الدافية مالية الشقة الصغيرة.
البيت كان شكله دافي جدًا.
وقفت في نص الصالة وبصيت حواليّ.
خمس سنين.
خمس سنين، وكل قطعة أثاث في البيت ده تقريبًا كنت أنا اللي بدور عليها في أسواق الأنتيكات ومحلات المستعمل، وأقعد أساوم وألف وأدور عشان أجيب الحاجة بأقل سعر ممكن.
الكنبة نفسها كنت مستنية عليها عروض موسم التخفيضات، وقعدت أراقب الأسعار على تطبيقات التسوق لحد ما لقيت خصم كويس، وجمعت عليه دعم الدولة والعروض، وخصم فوق خصم، لحد ما قدرت أشتريها.
حتى المناديل الورقية ومسحوق الغسيل…
كنت بجيبهم من عروض التطبيقات اللي بتدي منتجات مجانية مقابل تجميع نقاط أو زراعة شجرة افتراضية.
أحمد مكنش بيفهم في الرومانسية.
البيت كله مفيهوش تقريبًا حاجة ملهاش لازمة.
كل حاجة عملية.
كل حاجة محسوبة.
وعلى التلاجة، كانت لازقة ورق ملاحظات كتير جدًا، عليها رسومات كرتونية، ومكتوب فيها مواعيد الخصومات والعروض.
وكان أحمد بنفسه اللي كاتب معظمها بإيده، عشان كان خايف إني أنسى.
واحدة من الورق الملون الوردي كان مكتوب عليها:
«يوم 8 من كل شهر في سوبر ماركت كذا هو يوم الأعضاء.
مسموح لسارة حبيبتي تشتري سناكس مرة كل ست شهور.»
الامتياز العظيم بتاع شراء السناكس ده…
أنا كنت دافعة تمنه شهر كامل من الإهمال.
فاكرة وقتها إن غسول ومرطب وشي خلصوا.
ولما جيت أطلبهم أونلاين، أحمد خد الموبايل من إيدي.
وقال بمنتهى الجدية:
«استني شوية.
فاضل أربع شهور على العروض، وقتها الخصم هيبقى أكبر.
الحاجتين دول على الأقل ممكن نوفر فيهم حوالي ميتين جنيه.»
بصيتله باستغراب وقلت:
«طب وأنا هستخدم إيه دلوقتي؟»
دخل المطبخ.
وبعد شوية رجع وفي إيده قالب صابون.
مدهولي وقال:
«استخدمي ده.
الحاجات اللي ملهاش خصم دي كلها مصاريف مش ضرورية.
إحنا مش هنصرف فلوسنا على حاجات ملهاش لازمة.»
لكن بشرتي أصلًا كانت حساسة.
وبمجرد ما استخدمت الصابون، وشي اتحسس بشكل شديد.
الجلد احمر، وبدأ يحرقني.
ولما قلت إني عايزة أروح للدكتور…
أحمد مسكني من إيدي وقال:
«هتروحي المستشفى عشان حاجة في وشك؟
العلاج هيكلف كام؟ ألفين؟ تلاتة؟ خمسة؟
استحملي كام يوم، وأنا هعوّضك.
أجيبلك سناكس.»
وشي فضل ملتهب وموجوع شهر كامل.
وفي المقابل…
كل ست شهور كنت باخد حق شراء سناكس بحوالي مية جنيه.
وده كان أكبر شكل من أشكال الرومانسية اللي أحمد رشوان قدمهولي في حياتنا.
مسحت دمعة نزلت عند طرف عيني.
وبعدين لفيت ضهري وبدأت ألم هدومي.
هدوم الصيف والشتا.
الجزَم.
الحاجات الشخصية.
كل موسم تقريبًا كان عندي طقم أو طقمين بالكتير، وحاجات استخدام يومي بسيطة.
في الآخر، كل هدومي تقريبًا اتحطت في شنطة واحدة.
ومع ذلك…
الشنطة ما اتمليتش.
الحاجات جواها كانت بتتحرك وتخبط في بعضها.
وشكل الشنطة وهي مش مليانة…
كان شبه قلبي بالظبط.
مضطرب.
فاضي.
مش عارف هو رايح فين.
حاسس إنه كان عنده بيت…
لكن في نفس الوقت…
كأنه عمره ما كان عنده بيت أصلًا.
في الوقت ده، أحمد اتصل بيا فيديو.
كنت قاعدة على الأرض، حاضنة بطني، بسبب نوبة ألم شديدة في معدتي.
أول ما شافني، عقد حواجبه وقال:
«معدتك وجعاكي تاني؟
إنتِ مبتقدريش تشربي، ليه تشربي؟
هو لمّة أصحابك أهم من صحتك؟»
مرض المعدة كان ملازمني من سنين.
مجرد شوية كحول أو مشروب فيه نسبة كحول كانت كفيلة إنها تخليني أتلوى من الألم.
وعشان كده، أحمد عمره ما كان بيسمحلي أشرب.
في الحفلات والمناسبات، كنت أحيانًا أبعتله صورة وأنا قاعدة.
والنهارده…
هو لاحظ من صورة صغيرة إني تعبانة.
أنا وقتها كنت موجوعة لدرجة إني مش قادرة أتكلم.
صوته هدي شوية، وقال:
«استني، أنا هطلبلك شوربة سخنة.
لما تشربيها وتحطي قربة مية دافية على بطنك هتتحسني.»
وفي الفيديو، شوفته بيقلب في الموبايل ويدور على مطعم.
فضل يدور وقت طويل، وبعدين اتعصب وقال:
«إيه ده؟
حتى طبق الشوربة مش بيوصل؟
لازم الطلب يعدي خمسة وعشرين جنيه؟»
قلب في مطعم تاني، وقال:
«المطعم ده ينفع.»
وبعدين سكت ثواني، وقال بانزعاج:
«بس التوصيل بأربعة جنيه؟!
هما بيبالغوا في الأسعار ولا إيه؟»
أنا كنت حاسة إن الألم بيشد معدتي أكتر وأكتر، وظهري انحنى من شدة الوجع.
لكن أحمد كان لسه مركز في الموبايل، وقال:
«سارة، استحملي شوية.
أنا هدورلك على مطعم عليه أكبر خصم.»
كنت لسه هقوله:
«خلاص، مش محتاجة…»
لكن فجأة…
طلع من الفيديو صوت خافت جدًا.
صوت ست.
صوت أنثوي واضح.
أحمد رفع عينه بسرعة ناحية مصدر الصوت.
ولأول مرة، شفت التوتر يظهر في عينيه.
قال بسرعة:
«سارة، هقفل دلوقتي.
واضح إن في زميلة حصلها حاجة.
وجع معدتك ده ممكن يهدى شوية.
سخني لنفسك شوية مية واشربيها.»
وبدون ما يستنى ردي…
المكالمة اتقفلت.
فضلت أبص لشاشة الموبايل.
ثواني.
دقيقة.
دقيقتين.
وبعدين الألم في معدتي اختلط بألم تاني…
ألم في قلبي.
جسمي كله ارتخى.
وقعت على الأرض.
2
لما فتحت عيني…
كانت عدت ساعة كاملة.
الألم كان هدي شوية.
قمت بالعافية، ودخلت المطبخ، وسلقت لنفسي طبق مكرونة في مية خفيفة، مفيهاش غير شوية ملح.
كنت لسه باكل، لما الموبايل أصدر صوت إشعار.
كانت رسالة على واتساب من نهى، زميلة ليا من أيام الجامعة.
في لمّة النهارده، أنا وهي كنا تقريبًا أكتر اتنين حالتهم بسيطة، وعشان كده اتعرفنا على بعض من جديد.
أول رسالة منها…



