
الأسطى حربي بص للحاجة وبصلها، وفهم من نظرتها إن في أمر كبير بيحصل، فهز راسه وقال: اعتبريه حصل يا ست الكل، تلت دقايق والكالون يكون راكب.
صوت مية الدش كان عالي ومغطي على صوت طقطقة المفكات والشيالين اللي بينقلوا الكراتين لبرة بهدوء.
بسمة دخلت الصالة، بصت على أكياس اللحمة الغالية، وبراطيم المكسرات، والشوكولاتات السويسرية، وعلب الجبن المستوردة اللي مرصوصة على السفرة بتلمع.. شالت كل الشنط دي، ودخلتها المطبخ، ورصتها كلها جوة تلاجتها اللي كانت فاضية.. قفلت باب التلاجة بالمفتاح الصغير بتاعها، وحطت المفتاح في جيبها.
بعد خمس دقائق، صوت المية وقف في الحمام.
الأسطى حربي همس من عند الباب: الكالون الجديد ركب يا ست بسمة، وده المفتاح الأصلي ومعاه تلات نسخ.. الباب مصفح ومفيش دبوس يقدر يدخله من غير المفاتيح دي. تسلم إيدك يا أسطى حربي، حسابك أهو. ربنا يقويكي يا بنتي.
نزل النجار والشيالين، وفضل باب الشقة موارب على الكراتين والشنط اللي مرصوصة على السلم برة.
خرج طارق من الحمام، لافف الفوطة على وسطه وشعره بينقط مية، وهو بيدندن ومبسوط: يا سلام على الدش اللي يرد الروح! بقولك إيه يا بسمة، اعمليلي فنجان قهوة محوج من البن الجديد اللي جبته لأمي لحد ما ألبس..
وهنا.. وقف طارق مكانه متصلب، وبص للصالة.
ترابيزة السفرة كانت فاضية تماماً.. مفيش عليها ولا كيس ولا علبة ولا حتى ورقة لبانة!
طارق فرك عينيه بافتكار إنه بيحلم، وبعدين صرخ بهستيريا: إيه ده؟! فين الحاجة؟! فين الأكل والكراتين اللي كانت هنا؟! بسمة، الحاجة فين؟!
بسمة كانت واقفة عند باب الشقة المفتوح، لابسة عبايتها وطرحتها، وماسكة في إيدها شنطة يدها وبوكيه المفاتيح الجديد بيرن في صوابعها.
بصت له من فوق لتحت بنظرة عمري ما شافها في حياته، وقالت بنبرة قطعت كل حبال الرجوع: الحاجة في التلاجة يا طارق.. التلاجة اللي عيالي بياكلوا منها.. مش إنت قولت يوم الجمعة هملى تلاجة البيت؟ أهو ربنا استجاب لدعوتك على إيدك.
طارق وشه جاب ألوان، وجري ناحية المطبخ زي المجنون، بس وقف مكانه لما لمح من الباب المفتوح المنظر اللي على بسطة السلم برة..
كراتينه، شنطه، جزمة، هدومه، وبدلته الماركة محطوطة على كرتونة برة الشقة!
برق بعينيه وهو بيترعش من الصدمة: إيه.. إيه الشنط دي؟! إنتي اتجننتي ولا عقلك جراله حاجة؟! إنتي حاطة هدومي على السلم ليه؟!
بسمة خطت خطوة واحدة لبرة، ووقفت جنب كراتينه على عتبة الباب، وطلعت ورقة عقد الإيجار من شنطتها ولوحت بيها قدام وشه: الشقة دي باسمي يا ابن الست مديحة.. وأنا وولادي هنقعد ناكل من اللحمة والجبنة الغالية دي أسبوع بحاله.. وعشان متقلقش، الكوتشي الجديد بتاع مازن جه، وسالوبيت مريم اتجاب.. بس إنت، كفاية عليك أوي ست سنين عايش في دور الباشا على قفانا.
طارق جه يندفع ناحيتها وهو بيزعق: إنتي مجنونة! ادخلي جوة وبطلي فضايح! والله لأربيكي، إنتي مش عارفة بتلعبي مع مين!
وقبل ما رجله الحافية تلمس عتبة الباب، بسمة شدت الباب المصفح برزعة رجت العمارة كلها، وسمع صوت تكة الكالون الجديد وهو بيقفل للأبد.
طارق لقى نفسه محبوس برة بيته، لافف فوطة على وسطه في عز البرد، واقف بين كراتين هدومه على بسطة السلم، ومن تحت بدأ يسمع صوت خطوات الجيران وهي طالعة، وصوت تليفونه اللي جوة واحدة من الشنط بيرن برنة أمه الست مديحة اللي مستنية بوفيه العزومة الملوكي!
يتبع




