روايات وقصص

من ساعه ما حملت ج 1

— عارفة.
قال:
— بالمناسبة، أنا مش عايزك تيجي.
سألته:
— ليه؟
عدل الكرافتة وقال:
— اليوم هيبقى مليان شخصيات مهمة، وإنتِ حامل وتعبانة… خليكي في البيت أحسن.
وبعدين بص لرجلي وأضاف:
— وبعدين إنتِ مش بتعرفي تلتزمي بالحذاء العالي الفترة دي.
ضحكت.
— متقلقش.
— مش هسببلك أي إحراج.
ابتسم برضا.
— عارف.
نام كريم الليلة دي وهو مطمن.
أما أنا…
فضلت صاحية لحد الفجر.
قدامي على السرير كان فيه تلات حاجات.
فلاشة.
ملف.
وظرف مقفول.
حطيت الفلاشة والملف في شنطتي.
أما الظرف…
فضلت ماسكاه شوية.
كان جواه آخر ورقة وقعت عليها قبل المؤتمر.
ورقة كريم ماكانش يتخيل إنه هيشوفها قريب.
الصبح لبس بدلته، وباسني على راسي وهو خارج وقال:
— ادعيلي.
ابتسمت.
— من قلبي.
استنيت لحد ما عربيته خرجت من بوابة السكن.
وبعدين قمت.
لبست فستان واسع وأنيق.
ولأول مرة من شهور…
لبست حذاء مريح.
وقفت قدام المراية، حطيت إيدي على بطني، وخدت نفس طويل.
وبعدها خدت شنطتي وخرجت.
بعد حوالي ساعة، كانت القاعة الرئيسية في الجامعة مليانة.
أساتذة.
باحثين.
ضيوف.
وكاميرات.
وكريم واقف على المسرح في أحسن صورة ليه، بيتكلم بثقة عن “أخلاقيات البحث العلمي وحماية المشاركين في الدراسات”.
وقفت عند باب القاعة أسمعه.
وكدت أضحك.
وفي اللحظة اللي خلص فيها جملته، واحد من المنظمين قرب مني وقال:
— حضرتك مين؟ الدخول بالدعوات بس.
طلعت الدعوة من شنطتي.
وقلت:
— أنا سلمى محمود.
الراجل بص للاسم.
وفجأة ملامحه اتغيرت.
رفع عينه ناحيتي، وبعدين بص ناحية المسرح.
وقال باستغراب:
— سلمى محمود؟
— حضرتك… الحالة المذكورة في بحث الدكتور كريم؟
بصيت ناحية جوزي اللي كان لسه واقف قدام مئات الناس.
وقلت بهدوء:
— أيوه.
وبعدين طلعت الفلاشة من شنطتي.
— وجيت النهارده عشان أصحح معلومة صغيرة في البحث.
الراجل سألني:
— معلومة إيه؟
بصيت مباشرة لكريم.
وفي اللحظة دي…

عينه وقعت عليّا.
وشه اتغير.
وإيده اللي ماسكة الميكروفون ثبتت مكانها.
ابتسمتله.
وقلت:
— إن “الحالة” اللي كتبوا إنها شاركت في التجربة…
عمرها ما وافقت تشارك أصلًا.
وساعتها…
القاعة كلها سكتت.
وكريم نزل الميكروفون من قدام بقه، وبدأ يتحرك ناحيتي.
لكن قبل ما يوصل لي…
مدير الجامعة نفسه وقف من مكانه وقال:
— لحظة يا دكتور كريم.
ثم بصلي.
— مدام سلمى… ممكن توضحي لنا حضرتك تقصدي إيه؟
حطيت إيدي جوه شنطتي على الملف اللي جمعته طوال الأيام اللي فاتت.
ورفعت عيني ناحية كريم.
كان واقف قدام المسرح، وشه شاحب بشكل ما شفتوش عليه قبل كده.
حاول يبتسم، لكن ابتسامته طلعت متكسرة.
قال بسرعة:
— سلمى تعبانة بسبب الحمل، وممكن تكون فهمت الموضوع غلط.
قاطعه مدير الجامعة:
— إحنا هنسمع منها الأول.
سكت كريم.
بصيت للحاضرين.
مئات العيون كانت عليا.
قبل ساعات قليلة كنت مجرد زوجة حامل في بيتها، بتخاف من زعل جوزها، وبتحسب كل جنيه هتصرفه.
دلوقتي بقيت واقفة قدام نفس الناس اللي اتذكر اسمي في بحث من غير ما أعرف.
طلعت أول ورقة.
وقلت:
— أنا مش جاية أعمل مشكلة لجوزي.
كريم أخد نفس براحة.
لكن كملت:
— أنا جاية أقول الحقيقة.
القاعة فضلت ساكتة.
قلت:
— اسمي سلمى محمود. وأنا زوجة الدكتور كريم من خمس سنين. من أول ما حملت، جوزي أصر إني ألبس حذاء عالي عشرة سنتي كل يوم. مش في مناسبة. مش ساعتين. كل يوم.
واحدة من الطالبات بصت لصاحبتها.
كملت:
— لما رجلي كانت بتورم، كان بيمنعني ألبس حذاء مريح. ولما كنت بقول له إني مش قادرة، كان بيهددني إنه هيوقف مصروف البيت.
مدير الجامعة عقد حواجبه.
— وإيه علاقة ده بالبحث؟
رفعت الورقة.
— دي أول صفحة من البحث.
قريتها بصوت واضح:
— “تهدف الدراسة إلى قياس قدرة المشاركات على تحمل بعض الضغوط الجسدية والنفسية في أثناء فترة الحمل، مع رصد تأثير الاعتماد المالي على استجابة المرأة للأوامر…”
وقفت لحظة.
وبعدين قلت:
— المشكلة إني مش مشاركة.
الهمس انتشر في القاعة.
كريم تحرك ناحية المنصة.
— سلمى…
رفعت إيدي.
— لو سمحت.
كانت أول مرة أقولها له قدام ناس كتير.
وسكت فعلًا.
فتحت الملف.
— دي صور من الرسائل بيني وبينه.
رفعت صورة مطبوعة.
— دي رسالة منه بيقول فيها: “لو شوفتك لابسة فلات، مصروف البيت الشهر ده مش هتشوفي منه جنيه.”
ورقة تانية.
— ودي رسالة بعدها بأسبوع: “خلي بالك من الحذاء العالي. الشهر الجاي هنكمل.”
صوت من الصفوف الخلفية قال:
— ده كان متوثق؟
رديت:
— كل حاجة عندي بالتاريخ والوقت.
كريم بدأ يتحرك بعصبية.
مدير الجامعة بص له:
— من فضلك يا دكتور كريم، خلي مدام سلمى تخلص.
حطيت الورق على الطاولة.
— أنا في البداية كنت فاكرة إن هذا مجرد تحكم من جوزي. كنت مستغربة بس. ماكنتش أعرف إن الموضوع له علاقة بالجامعة.
طلعت صورة لغلاف الملف.
— لحد ما شوفت الدكتورة نهى في العيادة وهي بتشرح لطالبات عن “الحالة محل الدراسة”.
وشفت نهى نفسها واقفة في آخر القاعة.
كانت بتبص للأرض.
قلت:
— الملف كان عليه اسمي.
المدير بص ناحية نهى.
— دكتورة نهى، الكلام ده صحيح؟
نهى اتوترت.
— أنا…
سكتت.
كريم بص لها بنظرة حادة.
لكنها ماقدرتش تتكلم.
قلت:
— أنا مش عايزة حد يقول إنهم كانوا بيهزروا. ولا عايزة حد يقول إن الموضوع اتفهم غلط. أنا عايزة أعرف سؤال واحد بس.
بصيت للمدير.
— مين وافق إني أكون جزء من الدراسة؟
سكت الجميع.
ولا صوت طلع.
كرر المدير السؤال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى