
بدأت أستعيد صحتي يومًا بعد يوم، وعادت إليَّ قدرتي على الحركة وممارسة حياتي بصورة طبيعية، وإن كنت قد تعلمت أخيرًا ألا أرهق نفسي من أجل الآخرين كما كنت أفعل من قبل. أما حامد، فقد تغير موقفه من يسريّة بعد ما حدث على السطح، ولم يعد يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد نوبة غضب عابرة يمكن تجاوزها ببضع كلمات اعتذار.
كان يرى أنها تجاوزت حدودها حين خيرته بيني وبينها، وأن سكوتَه عن تصرفها سيجعلها تكرر الأمر كلما شعرت بالغيرة أو أرادت أن تفرض عليه ما تريد. حاولت كثيرًا أن أقنعه بأن يتحدث معها، وأن يذهب إليها ليصالحها، لكنه كان يرفض بشدة، ويقول لي في كل مرة:- يا أمل، أنا مش زعلان منها عشان اتعصبت أو عشان قالت كلام في لحظة غضب، أنا زعلان عشان هي شايفة إن من حقها تتحكم في علاقتي بيكي، وإنها تقدر تجبرني أختار بينكم.
أنا عمري ما ظلمتها، ولا قصرت في حق ولادها، لكن مش معنى إني بحاول أرضيها إني أقبل إنها تجرحك أو تقلل منك. كنت أتنهد بحزن وأجيبه:- أنا فاهمة كلامك يا حامد، ومش بقولك إنك غلطان، بس هي يمكن غيرتها غلبتها، ويمكن حاسة إنها بقت لوحدها بعد وفاة ماما، خصوصًا إن مسؤولية الطفلين كبيرة عليها.
حاول تتكلم معاها مرة تانية، يمكن لما تهدى تفهم إنها غلطت. فيهز رأسه رافضًا ويقول:- أنا مش همنعها عني ولا عن ولادها، ولو احتاجت أي حاجة هكون موجود، لكن مش هروح أراضيها على حساب كرامتك.
إنتِ مش أقل منها عشان كل ما تزعل أروح أصالحها وأسيبك إنتِ اللي تتحملي نتيجة تصرفاتها. لم أكن أريد أن يتفاقم الخلاف بينهما، فقد اعتدت أن أراهما يتعاملان بود، وأن أكون أنا حلقة الوصل بينهما، لكنني أدركت أن حامد هذه المرة كان مصممًا على موقفه، وأن محاولاتي لن تغير رأيه بسهولة.
أما يسريّة، فقد استمرت في الابتعاد عنا أيامًا، ولم تعد تتصل بي كما كانت تفعل، حتى إنني كنت أسمع صوت الصغيرة وهي تبكي من شقتهم، وأشعر برغبة في الصعود إليها، لكنني كنت أتراجع، متذكرة أنني ما زلت أتعافى، وأنني لا أستطيع الاستمرار في حمل كل الأعباء وحدي.
وحين استعدت صحتي تمامًا، قررت أن أذهب إليها بنفسي، ليس لأنني أرى نفسي مخطئة في حقها، بل لأنني لم أكن أريد أن تنتهي علاقتنا بهذه الصورة. صعدت إلى شقتها في أحد الأيام، وطرقت الباب، ففتحت لي بعد لحظات.
بدت عليها الدهشة حين رأتني، لكنها تنحت جانبًا دون أن تتحدث، فدخلت وجلست في غرفة المعيشة. كان المنزل غير مرتب، وبعض ملابس الأطفال ملقاة على الأريكة، بينما كانت الصغيرة نائمة في سريرها، ورزق يلعب بالقرب منها.
نظرت حولي، وشعرت بالحزن، لا بسبب الفوضى، بل لأنني كنت أعرف أن يسريّة لم تكن بهذه الحالة من قبل، وأن الخلاف بينها وبين حامد أثقل قلبها وأرهقها. جلست بجوارها، وقلت بهدوء:- عاملة إيه يا يسريّة؟ وحشتيني. لم تنظر إليَّ، بل اكتفت بقولها:- الحمد لله.
تنهدت، ثم أمسكت بيدها، لكنها سحبتها برفق، فقررت ألا أضغط عليها، وبدأت أتحدث بما جئت من أجله.- بصي يا يسريّة، أنا طلعتلك النهارده عشان مش عايزة اللي حصل بينا يفضل بالشكل ده. إنتِ عارفة إنك مش غريبة عني، وإنك من يوم ما دخلتي حياتنا وأنا بعتبرك أختي، وعمري ما فكرت فيكي على إنك منافسة ليا أو إنك واحدة هتاخد مكاني عند حامد.
رفعت عينيها إليَّ، وفيهما شيء من العتاب، وقالت:- بس هو بقى مهتم بيكي أكتر مني، وكل ما أحتاجه ألاقيه عندك. هززت رأسي، وقلت لها بصراحة:- يا يسريّة، حامد راجل عادل، وبيحاول يدي كل واحدة فينا حقها.
أنا مراته من قبلك، وماليش حد غيره بعد ربنا، وإنتِ كمان مراته وليكي حق عليه. وأنا عمري ما طلبت منه يبعد عنك أو يقصر مع ولادك، بالعكس، إنتِ عارفة إني كنت بعمل كل اللي أقدر عليه عشان أريحك وأساعدك.
سكتُّ قليلًا، ثم تابعت وأنا أنظر إلى عينيها:- أنا مش زعلانة منك رغم اللي حصل، ومش جاية أعاتبك أو أقولك إنك غلطانة، أنا جاية أقولك إننا كنا أحسن من كده بكتير. كنا بنتعامل كأننا أخوات، وكنتِ بتدخلي بيتي من غير استئذان، وأنا كنت بطلعلك في أي وقت، وكنت بفرح لفرحتك وأزعل لزعلك.
مش عايزة نخسر كل ده بسبب الغيرة وسوء الفهم. بدأت ملامحها تتغير، لكنها ظلت صامتة، فتابعت:- يا يسريّة، بلاش تحطي حامد في خانة الاختيار، لأنك كده مش بتكسبي منه اهتمام أكتر، إنتِ كده بتخليه مضغوط ومجروح، وبتخسريه بالتدريج.
هو مش هيقدر يلغي حقي عشان يرضيكي، ولا أنا هقبل إنه يظلمك عشاني. إحنا الاتنين لينا حقوق، والمفروض نساعده إنه يؤديها، مش نخليه يحس إنه كل ما يقرب من واحدة فينا بيكون بيبعد عن التانية.
تنهدت، وضغطت على يدها برفق، ثم قلت:- راجعي نفسك يا يسريّة، وفكري في ولادك وفي بيتك، وفكري كمان في حامد اللي عمره ما قصّر معاكي على قد ما تقدر. لو زعلتي منه، اتكلمي معاه، ولو حاسة إنك محتاجة مساعدته، اطلبيها منه، لكن بلاش تخيريه بينك وبين حد.
وأنا من ناحيتي، مش شايلة منك حاجة، ومستعدة نفتح صفحة جديدة ونرجع زي ما كنا أخوات. ظلت تنظر إليَّ طويلًا، ثم انهمرت دموعها فجأة، وغطت وجهها بيديها وهي تقول:- أنا مش عارفة إيه اللي جرالي يا أمل.
والله ما كنت كده، بس بقيت أحس إنه لما بيكون معاكي بينسى إني موجودة، وبخاف ييجي يوم ألاقي نفسي أنا وولادي لوحدنا. اقتربت منها واحتضنتها، وقلت:- محدش قالك إنك هتكوني لوحدك، يا يسريّة. حامد أبو ولادك وجوزك، ومش هيقدر يتخلى عن مسؤولياته ناحيتكم.
لكن خوفك من إنك تخسرينه خلاكي تتصرفي بطريقة ممكن فعلًا تبعده عنك، وده اللي أنا مش عايزاه يحصل. بكت أكثر، ثم قالت بصوت مخنوق:- أنا عارفة إنك عملتي معايا حاجات كتير، وإنك وقفتي جنبي من أول يوم، بس لما شفته وهو بيحضنك فوق، حسيت إني ماليش مكان عنده، وإن كل اللي عملته عشان أكون زوجته وأم ولاده مش كفاية.
مسحت دموعها، وقلت لها بحنان:- مكانك مش محتاج تثبتيه على حسابي يا يسريّة، وأنا كمان مش محتاجة أثبت مكاني على حسابك. إحنا الاتنين زوجاته، وكل واحدة فينا ليها حياتها وحقوقها. مش لازم واحدة فينا تخسر عشان التانية تكسب.
ظلت تبكي في حضني لبعض الوقت، حتى هدأت قليلًا، ثم رفعت رأسها وقالت:- إنتِ بجد مش زعلانة مني؟ابتسمت لها وقلت:- لو كنت زعلانة منك، كنت فضلت بعيدة عنك، لكن أنا طلعتلك عشان إنتِ غالية عندي، وعشان مش عايزة أخسر أختي.
احتضنتني بقوة، واعتذرت لي عن كلامها وتصرفها، وأخبرتني أنها ستتحدث مع حامد وتحاول إصلاح ما أفسدته غيرتها. شعرت بالراحة، وظننت أن الأمور بدأت تعود إلى طبيعتها، وأننا سنتمكن أخيرًا من تجاوز تلك الأزمة. لكنني كنت أعرف أن المصالحة الحقيقية لا تُقاس بالدموع والاعتذارات وحدها، بل بما سيتغير بعدها من تصرفات.
وحين عدت إلى شقتي، وجدت حامد ينتظرني، فسألني بقلق:- عملتي إيه يا أمل؟ اتكلمتي معاها؟ابتسمت وقلت:- الحمد لله، اتكلمنا، وهي عرفت إنها غلطت، ووعدتني إنها هتحاول تصلح الأمور معاك. ظل ينظر إليَّ للحظات، ثم قال:- يا رب تكون فهمت فعلًا، لأني مش عايز أخسرها ولا أخسر بيتي، لكن في نفس الوقت مش هقبل إنك تتأذي تاني.




