روايات وقصص

حكايات ندي الجمل ج2

حسيت بنصر مؤقت، رجعت البيت لأمي، طمنتها وحضنتها، وقضينّا الليلة دي أحسن ليلة من أيام كتيرة، حسيت فيها إن حقي رجع وإني قوية بموقف صح. بس الحياة ما بتسبش حد مرتاح للاخر.

بعدها بخمس أيام، وأنا قاعدة في الصالة بظبط بعض الحاجات للجنين اللي في بطني، جرس الباب رن. قمت فتحت، وهنا كانت الصدمة الكبرى اللي ماكنتش متوقعها في أقصى كوابيسي!

لقيت أحمد طليقي واقف قدام الباب، وامه نوال وراه ماسكة شنطة هدوم، وأحمد باصص في الأرض بكسرة وقال بصوت واطي:

ـ ازيك يا سلمى.. أنا أسف إني جيت كده، بس أمي طردتني من البيت.. و.. ومحامي أخوكي محمود راح لأحمد وقاله على موضوع المحل، وأحمد طلقني عشان..

قاطعتني نوال وهي زاحت أحمد لقدام ودخلت العتبة وقالت بصوت مهزوز:

ـ يا بنتي.. احنا جايين نترجاكي.. ابني ندم، والمحل اللي ظهر ده.. احم.. يعني أحمد وعيلته..

فتحت عيني على الآخر وأنا مش مصدقاني.. هو أحمد رجع عشان طمعان في المحل هو كمان؟! وكملت جملتها بصدمة أفظع. نوال دخلت خطوتين جوه الشقة، وعينيها بتلف في المكان ببرود طمع، وبعدين بصتلي وقالت بصوت مكسور تمثيلي:

ـ يا بنتي، عيب اللي حصل ده، الشيطان كان شاطر، وأحمد ابن عمري ولازم يصلح غلطته.. وبعدين، ده إنتِ حامل في ابنه، مش حرام الواد يجي والدنيا توريه إن أبوه وأمه منفصلين؟ وأحمد ندم، والله العظيم ندم!

بصيت لأحمد اللي كان واقف باصص في الأرض، مش قادر يرفع عينه في وشي من الخزي والعار. سألته بصوت هادي وببرود أثار جنونه:

ـ ندمان على إيه يا أحمد؟ ندمان إنك طردتني أنا وأمي، ولا ندمان إن المحل اللي أبويا سابهولي طلع فيه ثروة وورق رسمي؟

أحمد رفع راسه بسرعة، ووشه احمر من الكسوف وقال بتلجلج:

ـ لا يا سلمى.. والله أبدًا! أنا مكنتش أعرف موضوع المحل ده غير قريب.. محمود أخوكي هو اللي جالي الشغل وقعد يسخني، وقالي إنكم خفيتوا عني سر كبير، وإني ضيعت من إيدي ورقة وفرصة عمر.. بس والله العظيم أنا ما بهمیني فلوس ولا محل، أنا كل همي إنتي وابني اللي جاي!

ضحكت بسخرية واضحة، وضربت كف على كف وقلت بصوت حاسم:

ـ تصدق صعبت عليا؟ تصدق إنك راجل طيب وبتسمع كلام حماتي وأخويا أوي؟ بس للأسف يا أحمد، اللعبة اتكشفت، وكمان القناع طار خالص. محمود أخويا طمعان في حلالي، وأنت وجوز أمك.. قصدي أمك نوال، طمعانين في المحل اللي أبويا كتبهولي عشان يسترني أنا وابني، وفاكرين إنكم لما تيجوا بكلمتين حلوين ودموع تماسيح هرجع أقول أهلاً وسهلاً؟

حماتي نوال اتجننت، وقفت قدامي بزعيق ونبرة حادة:

ـ إنتِ بتكلمي جوزك وأم جوزك كده؟! إنتِ نسيتي إنك مطلقة، ومفيش راجل يلمس شعرة من راسك، ولا حتة عيل هيتكتب باسم مين لو ما رضيش يرجعك؟! فوقي لنفسك يا سلمى، إنتِ ست قاعدة مع أمها المشلولة، ومن غير ظهر ولا سند، وبكرة تولدي وتذوقي مر العزوبية والبهدلة!

قبل ما أرد عليها، حسيت بصوت كرسي أمي بيتحرك ببطء وثبات من جوه الأوضة.

الحاجة فاطمة طلعت من الأوضة، وشها كله عزة وشموخ، وبصت لنوال وأحمد وقالت بصوت صارم هز أركان الشقة:

ـ إنتِ قليلة الأدب يا نوال، وجوزك.. قصدي ابنك طلع أرجل منه مفيش! بنتي مش لوحدها، بنتي وراها رب العباد، وورانا إحنا.. اخرجوا من بيتي بره، ومن غير مطرود! شرف بنتي ومحلها وميراثها أطهر من أي قرش غشيم جاي من طمعكم!

أحمد بص لأمه وقال بصوت مهزوز:

ـ يلا يا أمي.. خلينا نمشي.. إحنا غلطنا من الأول وغلطنا لما جينا هنا.

نوال بصتلي بغل وقالت وهي بتجر ابنها وراها:

ـ هتشوفي يا سلمى، والله ما هسيبك تهني بالقرش ده، والمحل ده هاخده بإجراء رسمي، وهتشوفي مين اللي هيضحك في الآخر!

خبطوا الباب وراهم، ووقعت دمعة حارة من عيني، بس بسرعة مسحتها، وجريت على أمي، حضنتها جامد وأنا بقول:

ـ متخافيش يا أمي، إحنا كسبنا أهم معركة، وهي إننا عرفنا معادن الناس عريانة قدامنا من غير رتوش.

تاني يوم، الدنيا بدأت تتغير تمامًا.. جالي اتصال من محامي شاطر ومعروف في المنطقة، زميل قديم لأخويا محمود بس بيتقي الله، وقالي:

ـ مدام سلمى، أنا عرفت باللي محمود عمله، وبكل بلاوي العيلة دي.. محمود ونهى رفعوا بالفعل طلب مستعجل في الجهة المختصة، بيطالبوا فيها بمراجعة العقد العرفي للمحل، وبيع الشقة مع إجراء يخص تصرفات الوالدة.. بس اطمني، أنا مستعد امسك الموضوع من غير أتعاب، لأن الحق معاكي، وعقد الوالد موثق في الشهر العقاري وبصيغ قانونية صحيحة مفيهاش غلطة!

مرت الشهور، وكنت في الشهر التاسع، بطني كبرت، والتعب زاد، بس روحي كانت أقوى من أي وقت فات. كنت بشتغل من البيت أعمل شغل تطريز وخياطة كنت بعلمه زمان، ومستورة بفضل ربنا وبمعاش أمي وبالمحل اللي أجّرته لمستثمر أمين بقرشين حلال بيكفونا وزيادة. ويوم الولادة.. حسيت بوجع الفراق والمخاض معًا.

أمي فضلت تدعيلي وهي مقعدورة على كرسيها، ومحمود ونهى وأحمد كانوا في ضيق من كتر الغيظ والخسارة، لأن الجهة المختصة في أول جلسة رفضت طلب محمود، وثبت صحة ملكية المحل والشقة بالكامل لصالحي ولصالح الحاجة فاطمة!

دخلت المستشفى، وفتحت عيني بعد العملية، ولقيت الدكتور بيبتسم ويقولي:

ـ مبروك يا مدام سلمى، جالك ولد زي القمر، صحته زي الفل!

بصيت للطفل الصغير اللي نايم في اللفة جنب سريري، مسكت إيديه الصغيرة جدًا، ونزلت دمعة فرحة حقيقية على خدي. افتكرت كلام أحمد يوم الطلاق: “يوم ما تحتاجي حد يقف جنبك، ما تلوميش غير نفسك!”.. وبصيت لقلبي وقلت لنفسي بصوت عالي:

ـ أنا ما احتاجتش حد غير ربنا وأمي.. وابني ده هيكون سند وعوض عن كل دمعة نزلت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى