
جاب لها كرسي، وطلب من الممرضة تجيب لها مية.
بعد ما شربت، مراد قعد قدامها وقال:
— ليه كنتِ في الشغل لحد الوقت ده؟ مش المطعم بيقفل بدري؟
ملك نزلت عينها.
— كان عندنا شغل زيادة، وأنا كنت محتاجة فلوس.
— محتاجة فلوس ليه؟
ملك اترددت، لكنها ما كانتش بتحب تحكي ظروفها لأي حد.
— أمي تعبانة، وعندها ورم، والعلاج غالي. وأنا اللي بصرف عليها وعلى نفسي.
مراد سكت.
— وأبوكي؟
— متوفي من خمس سنين. ومن وقتها وأنا بحاول أقف على رجلي.
— وإنتِ كنتِ بتدرسي تمريض؟
ملك ابتسمت بحزن.
— كنت. بس لما أمي تعبت، اضطريت أسيب المعهد وأشتغل.
مراد بص لها طويلًا، وبعدين قال:
— إنتِ مش بس أنقذتي ابني، إنتِ فكرتيني إن لسه فيه ناس بتعمل الصح حتى لو حياتها صعبة.
ملك ردت بهدوء:
— أنا ما عملتش حاجة تستاهل كل الكلام ده. أنا بس ما قدرتش أمشي وأسيبه.
وقبل ما مراد يرد، دخل اللواء عادل منصور الممر.
كان راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه هادية، لكنه بيتكلم بدقة وبيلاحظ كل حاجة.
قرب من مراد وقال:
— فهمني من الأول.
مراد حكى له اللي حصل، وبعدها أشار لملك.
— هي اللي لقت ياسين، وهي اللي سمعت منه إن شريف متورط.
عادل بص لملك وقال:
— تقدري تحكي لي كل اللي حصل بالتفصيل؟
ملك حكت له كل حاجة، من لحظة ما لقت ياسين لحد رسالة شريف.
عادل سمع من غير ما يقاطعها، وبعدها قال:
— إحنا مش هنوجه اتهام لحد من غير دليل. بس لازم نتحرك بسرعة، لأن لو فيه حد فعلًا بيحاول يضغط على أستاذ مراد من خلال ابنه، ممكن يحاول يتخلص من أي دليل.
مراد قال بغضب:
— أنا هجيب شريف حالا وأخليه يعترف!
عادل رد بحزم:
— لأ. أي تصرف متهور ممكن يضيع القضية، ويخلي اللي وراه يهرب. إحنا هنبلغ الشرطة، وهنجمع الأدلة بطريقة قانونية.
مراد كان واضح إنه بيقاوم غضبه بالعافية، لكنه وافق.
وفي اللحظة دي، باب غرفة ياسين اتفتح، وخرجت الممرضة وقالت إن الولد عايز يشوف أبوه.
مراد دخل بسرعة، وملك فضلت واقفة بره مع عادل.
بعد دقائق، عادل خرج وقال:
— ياسين قال إن فيه راجل تاني كان موجود في المخزن، وإنه سمعهم بيتكلموا عن مستندات تخص شركات والده.
ملك افتكرت حاجة فجأة.
— استنى يا فندم!
عادل بص لها.
— في إيه؟
— لما ياسين كان واقع، كان بيحاول يقول لي حاجة عن باباه. وبعدها قال إنهم مستنيينه في البيت. يمكن الموضوع مش مجرد خطف.
عادل فكر للحظة.
— عندك حق. لازم نعرف إيه المستندات اللي بيتكلم عنها.
مراد خرج من الغرفة بعد ما طمن على ابنه، وقال:
— فيه صفقة كبيرة كنت هوقّعها بكرة الصبح. صفقة بيع جزء من أسهم الشركة لمجموعة استثمارية. شريف هو اللي كان مسؤول عن تجهيز العقود.
عادل سأله:
— هل فيه أي خلافات مالية مؤخرًا؟
مراد سكت شوية، وبعدين قال:
— من حوالي شهرين، اكتشفت إن فيه تحويلات مالية غريبة من حسابات إحدى الشركات التابعة لينا. المبالغ كانت كبيرة، لكن كل مرة كنت أطلب مراجعة الحسابات، شريف يقول لي إن فيه خطأ في النظام وإن الموضوع هيتحل.
عادل ضيق عينه.
— وإنت صدقته؟
مراد رد بمرارة:
— كان معايا من سبع سنين. كنت معتبره أخويا.
ملك قالت بهدوء:
— ساعات يا فندم، أكتر حد بنثق فيه بيكون هو أكتر حد عارف يدخل لنا منين.
مراد بص لها، وما ردش.
كان عارف إن كلامها صح.
الخيط اللي كشف كل حاجة
في صباح اليوم التالي، بدأت التحقيقات الرسمية.
الشرطة راجعت كاميرات المدرسة، وظهر فيها إن ياسين خرج مع شريف بعد ما قال للموظفين إنه جاي ياخده بتكليف من والده.
وبمراجعة تسجيلات كاميرات الطرق، قدروا يحددوا العربية اللي نقلته للمخزن.
أما شريف، فكان اختفى من الليلة اللي حصلت فيها الواقعة.
تليفونه مقفول، وعربيته متروكة قدام بيته، وجيرانه قالوا إنه ما رجعش.
مراد كان قاعد في مكتبه، قدامه ملفات الشركة، ووشه مليان غضب وندم.
ملك كانت هناك، لأنها راحت تطمن على ياسين قبل ما ترجع للمطعم.
الولد كان اتحسن نسبيًا، والدكتور سمح له يقعد مع أبوه شوية تحت الملاحظة.
مراد قال لملك:
— أنا عارف إنك عندك شغل وظروف، ومش عايز أعطلك، بس ياسين متعلق بيكي وطلب إنك تيجي.
ملك ابتسمت.
— ده حبيبي، وطبيعي أطمن عليه.
دخلت غرفة ياسين، لقته قاعد على السرير، ووشه لسه فيه كدمات خفيفة.
أول ما شافها، ابتسم.
— أبلة ملك!
قربت منه وقالت:
— إيه يا بطل؟ عامل إيه النهارده؟
— أحسن. بابا قال لي إنك فضلتي جنبي طول الليل.
ملك قعدت على الكرسي جنبه.
— كنت هسيبك إزاي يا ياسين؟
الولد بص للأرض، وبعدها قال:
— أنا خايف يا أبلة ملك.
— من إيه يا حبيبي؟
— خايف شريف يرجع يأذيني، أو يأذي بابا.
ملك مسكت إيده وقالت:
— بص يا ياسين، اللي عمله غلط، والقانون هيحاسبه. وإنت مش مسؤول عن أي حاجة حصلت. إنت طفل، ومن حقك تعيش بأمان وتروح مدرستك وتلعب وتضحك زي أي طفل.
ياسين دمعت عينه.
— بس أنا سمعتهم وهما بيتكلموا. الراجل التاني قال لشريف إن بابا لو مضاش على العقود، كل حاجة هتبوظ. وشريف قال له إن وجودي هيخلي بابا يوافق على أي حاجة.
ملك حسّت بغصة في قلبها.
— وإنت فاكر شكل الراجل التاني؟
ياسين هز راسه.
— أيوه. كان عنده علامة كبيرة جنب عينه، وكان لابس ساعة فضية.
ملك ما علقتش، لكنها حفظت الوصف.
بعد ما خرجت من غرفة ياسين، قابلت عادل في الممر، وحكت له اللي قاله الولد.
عادل قال:
— الوصف ده ممكن يساعدنا. فيه كاميرات في المخزن، ولو التسجيلات موجودة، هنقدر نحدد هويته.
وبالفعل، بعد مراجعة الأدلة، ظهرت صورة الراجل اللي كان مع شريف، واتضح إنه اسمه فؤاد السيوفي، رجل أعمال كان بينه وبين مراد خلاف قديم بسبب صفقة تجارية فشلت من سنين.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الملفات المالية.
المراجعة كشفت إن فيه مبالغ كبيرة خرجت من حسابات شركات مراد على مدار شهور، واتحولت لشركات وسيطة، وبعدها اختفت في حسابات مرتبطة بفؤاد.
وكان شريف هو الشخص اللي وافق على أغلب التحويلات.
الهدف ما كانش مجرد سرقة فلوس.
فؤاد كان عايز يضعف مجموعة شركات مراد، ويجبره يبيع أسهمه بسعر أقل من قيمتها، وبعدها يستحوذ على جزء كبير من الشركة.
وشريف كان بيساعده مقابل مبلغ ضخم ووعد بمنصب كبير بعد إتمام الصفقة.
لكن لما مراد بدأ يشك في الحسابات، خافوا إن كل حاجة تنكشف.
فقرروا يستخدموا ياسين للضغط عليه عشان يوقّع العقود من غير ما يراجعها.
ولما الولد حاول يهرب من المخزن، اتعرض للاعتداء، واتساب في الشارع الخلفي بعد ما اتأكدوا إن مراد مش هيقدر يوصل له بسهولة.
كانوا فاكرين إنهم كده هيخلوا مراد يوافق على الصفقة بأي تمن.
لكنهم ما حسبوش حساب الجرسونة اللي قررت تقف وتساعد طفل غريب بدل ما تكمل طريقها.
المواجهة
بعد يومين من التحقيقات، الشرطة قدرت تحدد مكان شريف من خلال معلومات ظهرت في مراجعة التحويلات المالية، وتم ضبطه هو وفؤاد السيوفي، واتحررت محاضر بالوقائع، وبدأت إجراءات التحقيق والمحاكمة.
مراد كان حاضر في جلسة التحقيق، وملك راحت بناءً على طلب رسمي عشان تدلي بأقوالها عن اللي شافته ليلة الحادث.
شريف أول ما شافها، بص لها بغضب.



