
روايات_مشيره_محمد
ملك الشربيني فضلت باصة لياسين وهي مش قادرة تستوعب اللي سمعته منه.
الولد كان ماسك إيدها بإيده الضعيفة، وعينه مليانة رعب، وكأنه شاف حاجة أكبر من سنه بكتير.
همست له وهي بتحاول تهديه:
— ياسين، حبيبي، اهدى بس. تقصد إيه بالراجل اللي جاي مع باباك؟ إنت تعرفه؟
ياسين حاول يرد، لكن الألم كان أقوى منه، وبدأ نفسه يتقطع.
ملك اتوترت، وقربت منه وهي بتقول:
— خلاص يا حبيبي، مش لازم تتكلم دلوقتي. خليك معايا، المساعدة جاية، ومش هسيبك.
في اللحظة دي، باب العربية السودا اتفتح، ونزل منه راجل طويل لابس بدلة غامقة، وورا منه نزل مراد الدمنهوري بنفسه.
كان وشه شاحب، وشعره مش مترتب زي كل مرة، والكرافتة مفكوكة من رقبته، وكأنه خرج من اجتماع مهم من غير ما يفكر حتى يقفل الباب وراه.
أول ما شاف ابنه على الأرض، جري عليه.
— يا ياسين! يا حبيبي!
نزل على ركبته جنب الولد، ومد إيده ناحيته، لكن ياسين اتراجع فجأة وهو بيصرخ بألم.
— لا يا بابا! لأ!
مراد سحب إيده في صدمة.
— مالك يا ابني؟ أنا أبوك!
ياسين كان بيترعش، وباصص ناحية الراجل اللي نزل من العربية التانية.
ملك لاحظت النظرة دي، فبصت للراجل الغريب، وبعدها بصت لمراد.
الراجل كان اسمه شريف، مدير مكتب مراد، واللي كانت ملك شافته كذا مرة في المطعم.
شريف قرب بسرعة وقال:
— يا فندم، الحمد لله إننا لقيناه. لازم ناخده المستشفى فورًا.
مراد رد بعصبية:
— الإسعاف في الطريق.
شريف بص حواليه بتوتر، وبعدها قال:
— الإسعاف هتضيع وقت. العربية موجودة، وأنا ممكن أوصله بنفسي.
ياسين أول ما سمع صوته، مسك في كم ملك وبدأ يهز راسه بعنف.
— لأ… لأ يا بابا، مش هو!
مراد بص لابنه بصدمة.
— مش هو مين يا ياسين؟
الولد فتح بقه عشان يتكلم، لكن شريف دخل في الكلام بسرعة:
— يا فندم، الولد مصدوم ومش في وعيه. طبيعي يكون مش مركز. خلينا نتصرف بسرعة بدل ما نضيع وقت.
ملك رفعت راسها وبصت له بحدة.
— هو مش في وعيه، بس واضح إنه خايف منك إنت بالذات!
شريف لف ناحيتها بغيظ.
— وإنتِ مين عشان تتكلمي بالطريقة دي؟
ملك ما اتراجعتش.
— أنا اللي لقيت ابن أستاذ مراد مرمي على الأرض، وأنا اللي طلبت له الإسعاف، وأنا اللي فضلت جنبه لحد ما أبوه وصل. ولو مش عاجبك كلامي، استنى لما الولد يتكلم بنفسه.
مراد رفع إيده لشريف عشان يسكت، وبعدها قرب من ملك وقال:
— إنتِ عندك حق. أنا مش هسمح لحد يضغط عليه.
بص لابنه وحاول يتكلم بهدوء:
— يا ياسين، أنا مش هعمل أي حاجة إنت مش عايزها. بس لازم نعرف مين اللي أذاك.
ياسين بص لأبوه، وعينه دمعت.
— بابا… شريف كان معاهم.
مراد اتسمر مكانه.
لف ببطء ناحية مدير مكتبه، اللي ضحك ضحكة قصيرة متوترة.
— يا فندم، حضرتك هتصدق كلام طفل تعبان ومش قادر يركز؟ أنا بقالي مع حضرتك سبع سنين، وعمري ما خذلتك.
مراد ما ردش.
كان باصص له وكأنه بيشوفه لأول مرة.
وفجأة، صوت الإسعاف ظهر من آخر الشارع، وملك قامت تبعد شوية عشان تسيب المسعفين يشتغلوا.
واحد منهم نزل بسرعة، وبدأ يفحص ياسين، وبعدها طلب من اللي حواليه يبعدوا.
— لو سمحتم، وسعوا شوية. الولد محتاج يتنقل المستشفى فورًا.
مراد حاول يركب مع ابنه، لكن شريف قرب منه وقال:
— يا فندم، أنا هاجي وراكم بالعربية، لازم حضرتك تهدى.
مراد بص له نظرة طويلة.
— إنت مش هتيجي معانا يا شريف.
شريف اتفاجئ.
— نعم؟
— سمعتني. خليك هنا لحد ما أرجع.
شريف حاول يبتسم.
— زي ما تحب يا فندم.
لكن ملك لاحظت إنه أول ما مراد لف ضهره، طلع تليفونه بسرعة وكتب رسالة.
ما كانتش عارفة بعتها لمين، لكنها شافت على شاشة تليفونه كلمة واحدة قبل ما يقفلها:
«الخطة فشلت».
قلبها دق بعنف.
هي كانت محتاجة تبلغ مراد، لكن ما كانش معاها دليل، وما كانتش عايزة تتهم حد من غير ما تكون متأكدة.
ركبت عربية الإسعاف جنب ياسين، ومراد ركب معاهم.
طول الطريق، كان ماسك إيد ابنه وبيتكلم معاه بصوت مكسور:
— سامحني يا حبيبي. سامحني إني ما كنتش جنبك.
ياسين فتح عينه بالعافية وقال:
— أنا حاولت أكلمك.
مراد قرب منه.
— كلمتني إزاي يا ابني؟
— من تليفون المدرسة… بس محدش رد.
مراد عقد حاجبيه.
— المدرسة قالت لي إنك خرجت مع السواق الساعة اتنين.
ياسين هز راسه ببطء.
— أنا ما خرجتش معاه. أنا خرجت مع عمو شريف.
مراد حس كأن حد ضربه على صدره.
— شريف؟!
— قال لي إنك مستنيني في الشركة، وإن في مفاجأة ليا. ركبت معاه، لكنه ما ودانيش الشركة.
ملك كانت سامعة كل كلمة، وحست إن الصورة بدأت تتجمع قدامها.
ياسين كمل بصوت متقطع:
— وداني مخزن قديم. كان فيه راجل تاني مستنيه. قالوا لي إنك لازم تمضي على ورق، وإنك لو ما مضيتش، مش هشوفك تاني.
مراد ضغط على إيد ابنه برفق.
— ورق إيه يا حبيبي؟
— ما أعرفش. شريف قال لهم إني لازم أفضل ساكت. حاولت أهرب، فضربوني.
دموع مراد نزلت لأول مرة قدام ملك.
الراجل اللي كانت الناس بتخاف من مجرد صوته، كان دلوقتي أب عاجز، بيحاول يفهم إزاي أقرب شخص ليه قدر ياخد ابنه ويأذيه.
وصلت الإسعاف المستشفى، ونقلوا ياسين على سرير الفحص.
الدكاترة طلبوا من مراد يستنى بره لحد ما يخلصوا الكشف والأشعة.
مراد وقف في الممر، وحط إيده على راسه.
ملك كانت واقفة بعيد، هدومها متبهدلة، وكم البلوزة بتاعتها متسخ، وشعرها خرج من تحت الطرحة بسبب التوتر.
مراد بص لها وقال:
— ملك.
قربت منه.
— نعم يا فندم؟
— إنتِ أنقذتي ابني الليلة دي.
هزت راسها.
— أي حد مكاني كان هيعمل كده.
— لأ. مش أي حد كان هيقف قدام شريف بالطريقة دي.
ملك سكتت شوية، وبعدها قالت:
— يا فندم، أنا شفت شريف وهو بيبعت رسالة قبل ما نمشي. كان كاتب فيها إن الخطة فشلت.
مراد رفع عينه ليها بسرعة.
— إنتِ متأكدة من اللي شفتيه؟
— أيوه. بس ما أعرفش بعتها لمين.
مراد طلع تليفونه واتصل بشخص اسمه اللواء المتقاعد عادل منصور، وهو مستشار أمني كان بيثق فيه من سنين.
أول ما عادل رد، مراد قال له:
— عادل، محتاجك حالًا. ابني اتعرض للاعتداء، وعندي شك إن في حد من أقرب الناس ليا متورط.
عادل سأله بجدية:
— إنت فين؟
— مستشفى النور التخصصي.
— ما تتحركش من مكانك. أنا جاي، وهنتصرف بالقانون.
بعد حوالي نص ساعة، الدكتور خرج من غرفة الكشف.
مراد جري عليه.
— ابني عامل إيه يا دكتور؟
الدكتور طمنه إن ياسين واعي، وإن عنده كدمات وإصابات محتاجة متابعة، لكن حالته مستقرة حاليًا، وهيفضل تحت الملاحظة لحد ما يتأكدوا إنه مش محتاج تدخل إضافي.
مراد غمض عينه براحة، وكأنه كان حابس نفسه طول الوقت.
— الحمد لله… الحمد لله يا رب.
ملك وقفت بعيد وهي بتسمع الكلام، وفجأة حست بدوخة.
كانت من الصبح ما كلتش غير لقمة صغيرة، وفضلت طول الليل واقفة على رجليها.
مراد لاحظ إنها بتترنح، فسندها من غير ما يقرب منها أكتر من اللازم.
— إنتِ كويسة؟
ملك حاولت تبتسم.
— أيوه يا فندم، بس أنا محتاجة أقعد دقيقة.


