
— إنتِ السبب في كل اللي حصل!
ملك بصت له بثبات.
— أنا السبب؟ أنا اللي لقيت طفل مرمي ومصاب، ولا إنت اللي كنت جزء من اللي حصل له؟
شريف صرخ:
— إنتِ ما تعرفيش حاجة! إنتِ مجرد جرسونة!
الكلمة وجعت ملك، لكنها ما بينتش ده.
ردت بهدوء:
— أيوه، أنا جرسونة. وبشتغل عشان أعيش بالحلال، وبساعد الناس لما أقدر. وده مش عيب. العيب إنك تستغل ثقة راجل فيك، وتستخدم ابنه عشان تحقق مصلحتك.
شريف سكت للحظة، وبعدها حاول يلف وشه بعيد عنها.
مراد كان واقف في آخر القاعة، سامع كل كلمة.
ولأول مرة، ما حسش بالغضب بس، لكنه حس بالخجل.
كان قضى سنين طويلة بيقيس الناس بالملابس والمناصب والفلوس، وكان فاكر إن اللي حواليه مخلصين له لأنهم بيشتغلوا معاه.
لكن البنت اللي كان أحيانًا بيعدي من جنبها من غير ما يسألها حتى عن حالها، كانت أكتر إنسانة تصرفت بشجاعة في اللحظة اللي كل حاجة فيها كانت بتنهار.
بعد انتهاء الجلسة، مراد قرب من ملك وقال:
— أنا آسف.
ملك استغربت.
— على إيه يا فندم؟
— على كل مرة شفتك فيها بتتعبي في الشغل، وما سألتش نفسك إنتِ بتواجهي إيه بره المكان ده. وعلى كل مرة اعتبرت إن اللي بيخدم الناس أقل منهم.
ملك سكتت، وبعدين قالت:
— أنا مش مستنية اعتذار يا فندم. أنا بس كنت عايزة ياسين يبقى كويس.
مراد هز راسه.
— وده اللي خلاني أحترمك. إنتِ ما طلبتيش مني حاجة، ولا استغلّيتي اللي حصل عشان تاخدي مصلحة.
وبعدها مد لها ظرف.
ملك بصت له بتردد.
— إيه ده؟
— مكافأة ليكي، تقديرًا للي عملتيه.
ملك رجعت الظرف ناحيته من غير ما تفتحه.
— متشكرة يا فندم، بس أنا ما عملتش ده عشان الفلوس.
مراد قال:
— أنا عارف. وعلشان كده مش هفرض عليكي حاجة. لكن فيه حاجة تانية عايز أعرضها عليكي، ولو رفضتيها مش هزعل.
ملك رفعت عينها له.
— إيه هي؟
— إنتِ قلتي إنك كنتِ بتدرسي تمريض واضطريتي تسيبي المعهد بسبب ظروف والدتك. أنا عايز أساعدك ترجعي تكملي تعليمك، وأتحمل مصاريف علاج والدتك من خلال جهة طبية مناسبة. ده مش مقابل إنقاذ ابني، ده لأنك تستحقي فرصة تكملي حياتك.
ملك حسّت إن عينيها دمعت.
كانت طول عمرها بتخبي تعبها، وبتحاول تبان قوية حتى وهي مش قادرة تشتري لنفسها حاجة بسيطة.
لكنها ما كانتش عايزة تقبل أي مساعدة من غير ما تكون واضحة.
قالت له:
— يا فندم، أنا مش عايزة صدقة.
مراد رد فورًا:
— ولا أنا بعرض عليكي صدقة. فيه فرق بين إن حد يشفق عليكي، وإنه يديكي فرصة تقفي على رجلك. لو وافقتي، المساعدة هتكون بشكل واضح ومحترم، وممكن تكملي دراستك وتشتغلي في مجال التمريض لما تتخرجي.
ملك سكتت طويلًا.
وبعدين قالت بصوت واطي:
— أنا نفسي أرجع أكمل. نفسي ألبس البالطو الأبيض وأشتغل في مستشفى بدل ما أفضل واقفة طول اليوم، وأرجع البيت مش قادرة أحرك رجلي.
مراد ابتسم.
— يبقى نفكر في الموضوع صح، ونعمل كل حاجة بالطريقة اللي تريحك.
ملك وافقت على دراسة الخيارات، وطلبت إن أي مصاريف أو مساعدات تتوثق بشكل واضح، وإنها تفضل مسؤولة عن قراراتها ومستقبلها.
مراد احترم طلبها.
لكن الحكاية ما انتهتش عند كده.
لأن بعد أسبوع، حصلت مفاجأة محدش كان متوقعها.
السر اللي كان مخبيه ياسين
مراد كان قاعد مع ابنه في البيت، بعد ما الدكتور سمح له يرجع ويكمل فترة التعافي وسط أسرته.
ياسين كان أحسن، لكن لسه بيتوتر كل ما يسمع صوت عربية تقف قدام البيت.
مراد قعد جنبه وقال:
— يا حبيبي، أنا عارف إن اللي حصل كان صعب، ومش هضغط عليك تحكي أي حاجة مش عايز تحكيها. بس لو فيه حاجة تانية مضايقاك، أنا موجود.
ياسين فضل ساكت شوية، وبعدها دخل أوضته ورجع بكيس صغير.
طلع منه فلاشة إلكترونية قديمة.
مراد استغرب.
— إيه دي يا ياسين؟
الولد قال:
— أنا لقيتها في المخزن قبل ما يضربوني. كانت واقعة جنب المكتب، وخدتها معايا وأنا بحاول أهرب.
مراد مسك الفلاشة.
— وإنت تعرف اللي عليها؟
— لأ، بس سمعت شريف بيقول لفؤاد إن كل الأدلة موجودة عليها، وإن لو الفلاشة وصلت لك، كل حاجة هتخلص.
مراد بص لابنه بصدمة.
كان ياسين احتفظ بدليل ممكن يثبت تفاصيل أكتر عن التلاعب المالي، من غير ما يفهم أهميته.
مراد ما حاولش يفتحها بنفسه أو يغير محتواها، لكنه سلّمها للجهات المختصة، واتعملت الإجراءات الفنية اللازمة لفحصها.
وبعد مراجعة الملفات الموجودة عليها، ظهرت مراسلات ومستندات إضافية دعمت التحقيقات، وكشفت تفاصيل عن التحويلات المالية والخطة اللي كانت بتتجهز للضغط على مراد.
الدليل ده كان مهم في القضية، وساعد المحققين يربطوا بين الأطراف المختلفة.
مراد رجع البيت في الليلة دي، وقعد قدام ابنه وهو مش عارف يقول إيه.
ياسين سأله:
— بابا، هما هيدخلوا السجن؟
مراد رد بصدق:
— ده قرار المحكمة بعد ما تسمع كل الأدلة يا حبيبي. لكن المهم إن الحقيقة ظهرت، وإن محدش هيقدر يضغط علينا بنفس الطريقة دي.
ياسين سكت شوية، وبعدها قال:
— بابا، أنا كنت فاكر إن الناس اللي بتلبس بدل غالية وعندها فلوس كتير لازم تكون كويسة.
مراد ابتسم بحزن.
— وأنا كمان كنت فاكر كده أوقات. بس الحقيقة إن الإنسان مش بيتقاس بفلوسه ولا بلبسه ولا بمنصبه. بيتقاس باللي بيعمله لما يقدر يختار بين الصح والغلط.
ياسين ابتسم لأول مرة من قلبه.
— زي أبلة ملك؟
مراد هز راسه.
— بالظبط زي أبلة ملك.
بعد شهور
عدت شهور على الليلة اللي غيرت حياة ملك وياسين ومراد.
القضية استمرت في مسارها القانوني، واتقدمت الأدلة للمحكمة، واتحاسب المتورطون وفقًا لما ثبت عليهم من اتهامات وأحكام.
مراد راجع نظام الإدارة والرقابة المالية في شركاته، وغيّر طريقة تعامله مع الموظفين، وبقى يحرص على إن القرارات المهمة ما تبقاش في إيد شخص واحد مهما كانت ثقته فيه.
أما ملك، فبدأت مرحلة جديدة في حياتها.
أمها تلقت العلاج المناسب، وبدأت حالتها تتحسن تدريجيًا، وملك قدرت ترجع تكمل تعليمها في التمريض بعد ما رتبت ظروفها.
ما سابتش شغلها فجأة، لكنها بدأت تقلل ساعات العمل بالتدريج، لحد ما قدرت توازن بين الدراسة ورعاية أمها.
وفي يوم، وهي خارجة من المحاضرة، لقت عربية واقفة بعيد عن البوابة، ونزل منها ياسين.
كان لابس هدوم عادية، ووشه رجع لطبيعته تقريبًا، وابتسامته رجعت تاني.
جري ناحيتها وهو بينادي:
— أبلة ملك!
ملك ضحكت.
— إيه يا ياسين؟ إنت جيت هنا ليه؟ مش المفروض تكون في المدرسة؟
قال لها بفخر:
— أنا خلصت امتحانات النهارده، وبابا قال لي أعدي عليكي أسلم.
مراد نزل من العربية، وسلم عليها.
— إزيك يا ملك؟ عاملة إيه في الدراسة؟
ابتسمت.



