روايات وقصص

لقمه من ايد حماتي ج3

الكاتبه نرمين عادل همام

وأول ما شافت ندى داخلة وهي شيك ومرتاحة، ووشها منور وصحتها باينة عليها، ما قدرتش تمسك لسانها.

بصت لها وقالت بنبرة فيها تريقة:

سمعت إنك رجعتي تشتغلي؟

ندى هزت راسها بهدوء:

أيوه.

ميرفت كملت وهي بتحاول تعرف منها تفاصيل أكتر:

والشغل عامل إيه معاكي؟

ندى ابتسمت وقالت:

زي الفل، الحمد لله.

ميرفت رسمت ابتسامة صفرا على وشها وقالت:

بس الشغل مع وجود عيال صغيرة بيبقى متعب أوي. مش عارفة هتقدري توازني بين البيت والشغل لحد إمتى!

سيف كان لسه هيرد عليها، لكن ندى سبقته، وبصت لميرفت بابتسامة هادية وقالت:

هو فعلًا مش سهل، بس الحمد لله الشغل مناسب لخبرتي، والشركة معاملتهم ممتازة، وموفرين لي كل اللي محتاجاه عشان أقدر أعمل شغلي كويس.

ميرفت رفعت حواجبها وسألتها بتقليل:

طب أكيد المرتب مش قد كده يعني؟

قبل ما ندى ترد، الحاج أحمد بص لبنته وقال بحزم:

وإنتِ مالك بمرتب مرات أخوكي يا ميرفت؟ إيه الأسئلة دي؟

ميرفت اتلخبطت، وحاولت تضحك عشان تغطي إحراجها.

يا بابا، أنا بس بطمن عليها!

الحاج أحمد هز راسه وقال:

اطمني عليها من غير ما تحرجيها ولا تتدخلي في حاجات تخصها.

ميرفت سكتت، وهي حاسة إن العيلة كلها بقت واخدة بالها من تصرفاتها.

وفي اللحظة دي، تليفون ندى رن برسالة جديدة. فتحتها، ولقت سارة صاحبتها في الشركة باعتالها صورة القرار الرسمي بترقيتها، واللي بيأكد إنها هتستلم منصب رئيسة قسم المحاسبة مع بداية السنة الجديدة.

ندى اتفاجئت، وطلعت منها شهقة خفيفة من الفرحة.

سيف، اللي كان قاعد جنبها، خد باله وسألها:

فيه إيه يا حبيبتي؟

ندى ادته التليفون وقالت له:

القرار وصل أهو!

سيف مسك التليفون وقرا الرسالة، وبعدها ضحك من قلبه وقال لها:

ألف مبروك يا رئيسة القسم!

الحاج أحمد بص لهم باستغراب وابتسامة:

خير يا جماعة؟ فيه إيه؟ إيه الخبر الحلو ده؟

سيف رفع صوته بفخر وقال:

ندى اترقت وبقت رئيسة قسم المحاسبة كله في الشركة!

الحاج أحمد فرح، وضحك من قلبه، وصفق بإيده وهو بيقول:

عفارم عليكي يا بنتي! الله ينور! ألف مبروك، تستاهلي كل خير!

سميرة بصت لندى باستغراب واضح، وسألتها:

بجد يا ندى؟

ندى ابتسمت وهزت راسها:

أيوه يا طنط، الحمد لله.

الحاج أحمد رفع كوباية العصير وقال بفرحة:

يلا يا جماعة، كلنا نهني ندى على ترقيتها! ربنا يوفقك يا بنتي ويفتحها في وشك دايمًا.

سيف رفع كوباية العصير هو كمان، وكان فرحان بمراته كأنه هو اللي اترقى. وسميرة رفعت كوبايتها وباركت لندى، رغم إن ملامحها كانت بتقول إنها لسه بتحاول تستوعب التغيير الكبير اللي حصل فيها.

أما ميرفت، ففضلت قاعدة مكانها مش عارفة تقول إيه.

كانت داخلة تتريق على شغل ندى وتقلل منها قدام العيلة، وفجأة لقت نفسها بتسمع خبر ترقيتها، والكل بيبارك لها ويفرح بنجاحها.

سيد نغزها في دراعها وقال لها بصوت واطي:

ما تقومي تباركيلها يا ميرفت!

ميرفت رفعت كوبايتها بالعافية، وقالت من بين سنانها:

مبروك.

ندى ردت بابتسامة هادية:

الله يبارك فيكي.

ما اتمنظرتش عليها، وما حاولتش ترد لها الإهانة بإهانة، ولا استغلت الفرصة عشان تحسسها إنها أقل منها.

والغريب إن هدوء ندى ده كان أكتر حاجة بتغيظ ميرفت.

لأنها بدأت تفهم إن ندى مش محتاجة تدخل معاها في خناقات ولا تثبت لها أي حاجة بالكلام. نجاحها لوحده كان كفاية، واحترامها لنفسها كان أقوى من أي رد.

ندى عرفت إنها مش محتاجة تكسب كل خناقة عشان تبقى قوية؛ ساعات إنك تعيش حياتك باحترام وتنجح من غير ما ترد الإساءة بالإساءة، بيكون أقوى رد ممكن.

بعد الأكل، سميرة نادت على ندى وهي في طريقها للصالة.

ندى، تعالي معايا المطبخ شوية، عايزة أقول لك حاجة.

ندى وقفت وبصت لها:

خير يا طنط؟

سميرة دخلت المطبخ، وفتحت درج كانت مخبية فيه علبة صغيرة. طلعتها وفتحتها، فبانت جواها غويشة دهب تقيلة.

مدت العلبة ناحية ندى وقالت لها:

دي هدية مني ليكي يا ندى.

ندى بصت للغويشة، وبعدها رفعت عينيها لحماتها، لكنها ما مدتّش إيدها تاخدها. زقت العلبة برفق ناحية سميرة وقالت:

شكرًا يا طنط، بس مش هقدر أقبلها.

سميرة اتفاجئت، وسألتها:

ليه يا بنتي؟ دي غويشة دهب، وأنا جايباها مخصوص عشانك.

ندى ردت بهدوء:

أنا مش ناقصني دهب ولا مجوهرات يا طنط.

سميرة حاولت تشرح لها:

يا ندى، أنا كنت عايزة…

ندى قاطعتها برفق، من غير ما تعلي صوتها:

إنتِ مش محتاجة تجيبي لي هدية عشان تعوضي اللي فات يا طنط. أنا مش عايزة منك دهب ولا فلوس.

وبصت في عينيها وقالت بوضوح:

أنا كل اللي بتمنّاه إننا نحترم حدود بعض من هنا ورايح، ونقدر نتعامل مع بعض من غير ما حد يجرح التاني.

سميرة نزلت عينيها للأرض، وهزت راسها بكسرة.

فاهمة يا بنتي… فاهمة.

ندى ابتسمت ابتسامة بسيطة، وقالت:

عن إذنك بقى، أطلع أقعد مع يونس بره.

وخرجت من المطبخ، وسابت سميرة واقفة مكانها، باصة للعلبة اللي لسه مفتوحة قدامها.

الغويشة الدهب فضلت في مكانها، وسميرة بدأت تفهم إن فيه حاجات مهما كانت غالية، مش ممكن تتعوض بالفلوس. الثقة لما بتتكسر، مش بتتصلح بهدية، ولا باعتذار واحد، ولا بكلمتين حلوين.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى