روايات وقصص

لقمه من ايد حماتي ج3

الكاتبه نرمين عادل همام

سميرة ردت عليها بتعب:

أنا مش في صف حد يا بنتي، بس أنا بدأت أفهم إني ظلمت البت، وإن اللي عملته معاها ما كانش يرضي ربنا.

ميرفت ما استحملتش تسمع أكتر من كده، وقفلت السكة في وش أمها بعصبية.

سميرة فضلت باصة للتليفون بعد ما بنتها قفلت، وحست بفراغ كبير جواها. بنتها اللي طول عمرها بتدلعها وتديها فلوس، أول ما خسرت العربية وفلوسها راحت، قلبت عليها وما فكرتش حتى تسمعها.

أما ابنها اللي كانت فاكرة إنه عاق وناكر للجميل، فكان لسه بيسأل عليها وعلى صحة أبوه، وبيطمن عليهم من وقت للتاني، لكنه في نفس الوقت حط حدود واضحة، ومبقاش يسمح لحد يظلم مراته أو يقلل منها.

ولأول مرة، سميرة بدأت تفهم إن المشكلة ما كانتش في ندى، لكن في الطريقة اللي هي نفسها كانت بتتعامل بيها معاها.

بعد شهر، سميرة قررت تتصل بسيف.

أول ما رد عليها، قالت له بتردد:

يا سيف، كنت عايزة أطلب منك طلب.

خير يا أمي؟

أنا… ممكن أشوف ندى؟ أنا عايزة أقعد معاها وأعتذر لها عن اللي حصل.

سيف سكت لحظة، وبعدين قال بهدوء:

هسألها الأول يا أمي، واللي هي توافق عليه هنعمله.

بعد ما قفل، راح لندى وحكالها إن أمه عايزة تيجي تزورها وتعتذر لها.

ندى فكرت شوية، وبعدين وافقت. هي مش عايزة تفضل شايلة جواها وجع طول عمرها، ولا عايزة الخلاف ده يفضل مفتوح بينهم للأبد. لكنها في نفس الوقت كانت عارفة إن الاعتذار لوحده مش كفاية عشان كل حاجة ترجع زي الأول.

في اليوم المحدد، سميرة جت الشقة.

أول ما دخلت الصالة، لقت ندى قاعدة مستنياها. كانت لابسة فستان لونه زاهي، ووشها رجع له نضارته، وصحتها اتحسنت بشكل واضح. مابقتش الست التعبانة اللي كانت بتعاني ومش قادرة تقف على رجليها بعد الولادة.

سميرة قعدت قدامها، وفضلت تحرك إيديها بتوتر، قبل ما تجمع شجاعتها وتتكلم بصوت بيرتعش:

أنا جاية أعتذر لك يا ندى. أنا غلطت في حقك، وكلامي معاكي كان قاسي، وما كانش ينفع أعمل فيكي كده، خصوصًا وإنتِ لسه والدة وتعبانة.

ندى بصت لها بهدوء، وقالت:

يا طنط، إنتِ عارفة أنا كنت خايفة من إيه أكتر حاجة في الفترة دي؟

سميرة رفعت عينيها وبصت لها، من غير ما ترد.

ندى كملت:

كنت بخاف أدوخ وأنا شايلة يونس، فيقع مني ويحصل له حاجة. كنت تعبانة لدرجة إني ساعات ما كنتش قادرة أقف على رجلي، وكل اللي كنت محتاجاه إن حد يساعدني شوية لحد ما أقدر أقف على حيلي. لكن كل ما كنت أطلب منك مساعدة، كنتِ تقولي إني بتمثل الدلع!

دموع سميرة نزلت على خدودها، وما قدرتش ترفع عينيها في وش ندى.

ندى كملت كلامها بصوت ثابت:

أنا مقدرة إنك جيتي واعتذرتي يا طنط، وده شيء أنا بحترمه. لكن إنّي أسامح وأنسى كل اللي حصل، دي حاجة محتاجة وقت. أنا مش عايزة يونس يكبر في بيت فيه كره وخناق، ولا عايزاه يتربى على فكرة إن القرايب من حقهم يوجعوا بعض ويظلموا بعض لمجرد إنهم أهل.

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

من هنا ورايح، أنا وسيف اللي هنربي يونس ونقرر إيه اللي يناسبه. ولو احتجنا مساعدة، هنطلبها بنفسنا. ومش هسيب يونس لوحده معاكي غير لما الثقة بينا ترجع من جديد.

سميرة اتجمدت مكانها. واضح إن الكلام وجعها، لكنها المرة دي ما اعترضتش وما حاولتش تفرض رأيها.

هزت راسها بكسرة وقالت:

فاهمة يا بنتي… فاهمة.

سيف كان قاعد معاهم طول الوقت، لكنه ما تدخلش في الكلام. كان عارف إن دي حدود ندى، وإن من حقها تحطها بعد كل اللي شافته واتعرضت له.

هو مش مطلوب منه يفرض عليها تسامح قبل ما تكون مستعدة، ولا يطلب منها تتصرف كأن شيئًا لم يكن لمجرد إن اللي ظلمها هي أمه.

المهم عنده إن ندى تحس بالأمان في بيتها، وإن محدش يقدر يرجع يوجعها بنفس الطريقة تاني.

بعد تلات شهور كمان، جه أول يوم لندى في شغلها الجديد بشكل رسمي.

وقفت قدام المراية، لابسة قميص أبيض شيك وبنطلون أسود أنيق، وبتظبط شكلها قبل ما تنزل. كانت رجعت تهتم بنفسها، وبقت تحس إنها بتسترد حياتها خطوة بخطوة.

سيف كان واقف عند باب الأوضة، شايل يونس على إيده، وبيبص لها بابتسامة واسعة.

قال لها:

أنا مراتي زي القمر النهارده!

ندى ضحكت وهي بتاخد شنطتها:

بلاش معاكسات بقى، عشان ما أتأخرش من أول يوم!

سيف ضحك، وقرب منها وباسها على راسها، وبعدها ناولها يونس عشان تبوسه قبل ما تنزل.

في الشغل، ندى أثبتت كفاءتها من أول فترة. كانت مركزة في كل تفصيلة، وبتراجع الحسابات بدقة، وخبرتها القديمة ساعدتها تلاحظ أخطاء وتكرار في تسجيل بعض العمليات المالية.

وخلال تلات شهور بس، قدرت تكتشف أخطاء كانت ممكن تكلف الشركة مبالغ كبيرة، ولحقت تصلحها قبل موعد التفتيش والمراجعة.

مدير الشركة كان مبسوط جدًا من شغلها، وفي اجتماع مع الموظفين، أشاد بمجهودها قدام الكل، وأعلن إنه قرر يرشحها إنها تبقى مسؤولة عن فريق المحاسبة، مع زيادة مرتبها لـ 12 ألف جنيه في الشهر.

ندى خرجت من الاجتماع وهي مش مصدقة نفسها من الفرحة. أول ما لقت فرصة، مسكت تليفونها واتصلت بسيف.

سيف رد عليها، فقالت له بحماس:

سيف! أنا اترقيت ومرتبي زاد!

سيف كان في اجتماع هو كمان، لكن أول ما سمع الخبر، وقف كلامه مع الموجودين للحظة، وقال لها بفرحة واضحة:

ألف مبروك يا حبيبتي! أنا فخور بيكي أوي! كنت عارف إنك هتقدري تثبتي نفسك. الليلة دي لازم نحتفل، وناكل أحلى أكلة بتحبيها!

ندى ضحكت من الفرحة، وقالت له إنها هتكلمه لما تخلص شغل.

سيف قفل المكالمة، ولسه الابتسامة على وشه، لقى السكرتير اللي كان قريب منه سمع جزء من الكلام، فجري يبارك له.

سيف هز راسه بفخر وقال:

شاطرة وموهوبة أوي، وتستاهل كل خير.

كان فخور بمراته، مش بس عشان نجحت في شغلها، لكن لأنها قدرت تقوم من الفترة الصعبة اللي مرت بيها، وترجع تبني حياتها من جديد.

والحقيقة إن الست لما تلاقي جوزها واقف في ضهرها، بيحترمها وبيحافظ على كرامتها، وبيشجعها بدل ما يكسرها، بتقدر تستعيد قوتها وتواجه الدنيا وهي مطمنة إن فيه حد سندها، مش حد بيحاربها.

في آخر السنة، الحاج أحمد قرر يعمل عزومة عائلية كبيرة، ويجمع العيلة كلها في البيت.

سيف وندى خدوا يونس وراحوا، وكانت سميرة مجهزة أصناف أكل كتير، وعايزة كل حاجة تطلع مظبوطة.

لكن المرة دي، تصرفاتها كانت مختلفة.

بدل ما تقرر كل حاجة لوحدها زي زمان، اتصلت بندى قبل العزومة بيومين، وسألتها بأدب:

بصي يا ندى، أنا بحضر الأكل للعزومة، فكنت عايزة أعرف لو فيه حاجة إنتِ مش بتقدري تاكليها دلوقتي بسبب تعبك القديم أو الأنيميا، وكمان يونس بيحب ياكل إيه؟

ندى استغربت في البداية من طريقة كلام حماتها، لكنها ردت عليها بذوق وقالت لها إيه الأكل اللي يناسبها، وإيه الحاجات اللي يونس بيحبها.

ما بالغتش في الحنية، وما اتعاملتش بجفاء أو قسوة. كانت بتتكلم باحترام، لكن في نفس الوقت محافظة على المسافة اللي تريحها وتحميها من إنها تتعرض لنفس الأذى مرة تانية.

ولما وصلوا بيت الحاج أحمد، لقوا العيلة كلها متجمعة، والأكل متحضر، والكل مستنيهم.

قعدوا على السفرة، وكانت ميرفت قاعدة جنب جوزها سيد. من بعد حكاية العربية والفلوس اللي اضطرت ترجعها، علاقتها بسيف بقت أهدى من الأول، لكنها لسه شايلة جواها غل من ندى.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى