روايات وقصص

لقمه من ايد حماتي ج3

الكاتبه نرمين عادل همام

الحاج أحمد كمل:

_ ولما سيف رفض واتجوز ندى، إنتِ اعتبرتي إن ندى هي السبب في كسرة كلامك قدام صاحبتك. ومن يومها، وإنتِ شايلة منها، وبتعامليها كأنها عملت فيكي حاجة.

سيف بص لأمه بذهول وسألها:

_ الكلام ده صح يا أمي؟

سميرة دارت وشها بعيد عنه، وبعد لحظات قالت:

_ عيلة هدى ناس تقيلة وغنية، وكانوا ممكن يفتحوا لك أبواب كتير.

سيف ضحك ضحكة مليانة مرارة وقال:

_ آه، عشان كده بقى!

سميرة رفعت راسها وقالت:

_ إنت مش فاهم! لو كنت اتجوزت هدى، كان زمانك في مكان تاني خالص دلوقتي!

سيف قاطعها بصوت حاد:

_ يا أمي، أنا عمري ما احتجت أتجوز واحدة عشان أنجح في شغلي أو أبني مستقبلي! أنا حبيت ندى عشان هي ندى، مش عشان عيلتها غنية ولا فقيرة. وما كانش ليكي أي حق تنتقمي منها وتظلميها لمجرد إني ما عملتش اللي إنتِ كنتِ عايزاه!

سميرة جسمها اترعش، وسيف سألها بمرارة:

_ سؤال واحد يا أمي. لو كنت اتجوزت هدى بنت صاحبتك، كنتِ هتأكليها رز حاف وطرشي بعد الولادة؟!

سميرة ما ردتش.

_ كنتِ هتقولي لها إنها بنت ما اتربتش، وإنها ما تستاهلش تبقى مرات ابنك؟!

الأوضة سكتت تمامًا.

سيف ابتسم ابتسامة مكسورة وقال:

_ خلاص، أنا فهمت دلوقتي. الموضوع مش إنك ما كنتيش عارفة تراعي واحدة لسه والدة. الموضوع إنك ما كنتيش عايزة تراعي ندى بالذات، عشان من يوم ما اتجوزتها وإنتِ كارهَاها.

سميرة عيطت وقالت:

_ يا سيف، أنا أمك!

سيف هز راسه وقال:

_ ما تبرريش تاني يا أمي. ممكن ما تحبيش ندى، لكن ده ما يديكيش الحق تظلميها أو تأذيها.

قام وقف، وبص لأبوه وقال:

_ أنا ماشي يا أبا، هروح لمراتي وابني.

الحاج أحمد هز راسه وقال:

_ روح يا ابني، ربنا يبارك لك فيهم.

سيف خرج، لكن سميرة نادت عليه بصوت مخنوق:

_ يا سيف! يعني إنت خلاص مش عايز أمك تاني؟!

سيف لف وبص لها، والغضب اللي كان في عينيه اتحول لخيبة أمل كبيرة.

قال بهدوء:

_ أنا لسه ابنك يا أمي، وهفضل ابنك. لكن مش هبقى زوج فاشل وأظلم مراتي عشان أرضيكي.

وبعدها مشي وسابهم.

بداية جديدة لندى

بعد أسبوعين من العلاج في المستشفى، صحة ندى اتحسنت بشكل ملحوظ.

بقت تاكل كويس، واللون بدأ يرجع لوشها، والدوخة خفّت. وبعد المتابعة والفحوصات، الدكتور سمح لها ترجع البيت مع الاستمرار في العلاج والاهتمام بالتغذية والراحة.

سيف كمان غيّر نظام حياته. بقى ينظم مواعيد شغله عشان يخلص بدري ويرجع يقعد مع مراته وابنه، وجابوا مربية شاطرة ومحترمة تساعد ندى في رعاية يونس، خصوصًا بالليل.

ولأول مرة من تلات شهور، ندى نامت وهي مطمنة، من غير ما تخاف إن حد يصحيها على صوت زعيق أو إهانة.

بقت تاكل لما تجوع، وترتاح لما تتعب، وتشيل ابنها لما صحتها تسمح لها.

وفي صباح يوم، كان سيف بيلبس عشان ينزل الشغل، ندى نادته:

_ سيف، عايزة أتكلم معاك في موضوع.

حط شنطته على الكرسي وقال:

_ اتفضلي يا حبيبتي، سامعك.

ندى بصتله وقالت:

_ أنا عايزة أرجع أشتغل.

سيف اتفاجئ شوية وسألها:

_ دلوقتي؟!

_ مش فورًا طبعًا. أنا لسه محتاجة أسترد صحتي، بس عايزة أبدأ أجهز نفسي، وأول ما أبقى كويسة ويونس ينتظم شوية، أنزل الشغل.

سيف ابتسم وقعد جنبها.

_ يا ندى، لو عايزة تقعدي في البيت، أنا معاكي وهشيل مسؤوليتك إنتِ ويونس. ولو عايزة ترجعي شغلك، أنا في ضهرك وهساعدك. القرار قرارك إنتِ، ومحدش من حقه يجبرك على حاجة.

ندى بصتله وضحكت وقالت:

_ إنت اتغيرت أوي يا سيف.

ابتسم وقال:

_ بحاول أبقى الراجل اللي إنتِ تستاهليه.

ندى كانت قبل الولادة شغالة محاسبة في شركة متوسطة، وكانت معروفة بين زمايلها بدقتها وشطارتها في الشغل.

فقررت تتواصل مع صاحبتها سارة، اللي كانت شغالة رئيسة حسابات في شركة كويسة.

أول ما سارة عرفت إن ندى ناوية ترجع للشغل، فرحت جدًا وقالت لها:

_ ندى! إنتِ جيتي في وقتك! إحنا عندنا مكان فاضي لمحاسب عام في الشركة، والمرتب بيبدأ من تسعة آلاف جنيه!

ندى فرحت بالخبر، وحست إن قدامها فرصة تبدأ من جديد، وترجع لحياتها اللي كانت بتحبها قبل ما كل المشاكل دي تحصل.

قفلت مع سارة، وبصت لسيف اللي كان واقف عند الباب مستعد ينزل.

ابتسمت وقالت:

_ شكلها كده بداية جديدة يا سيف.

سيف ابتسم لها ورد:

_ بداية جديدة فعلًا يا حبيبتي، بس المرة دي هنبدأها وإحنا إيدينا في إيد بعض.

وبص ناحية يونس اللي كان نايم في سريره، وبعدها رجع بص لندى.

كان عارف إن اللي حصل مش هيتنسي بسهولة، وإن الثقة اللي اتكسرت محتاجة وقت عشان ترجع. لكنه كان مصمم يثبت لها كل يوم إن بيتهما هيبقى مكان آمن ليها ولابنهم.

لأن الحب مش مجرد كلام حلو، ولا فلوس بتتصرف على البيت. الحب الحقيقي إنك تحافظ على كرامة اللي بتحبه، وتسمعه لما يتوجع، وتصدقه لما يستنجد بيك، وما تسيبوش يواجه الدنيا لوحده.

سارة كملت:
ظبطي نفسك وتعالي.

قفلت، وفضلت ثواني باصة للتليفون، وهي بتفتكر كلام حماتها سميرة: البت اللي ما بتشتغلش بتبقى عالة على غيرها، ولو سيبتي ابني هتتشحتي!

ندى ابتسمت بثقة، وهزت راسها كأنها بتقول لنفسها إنها مش هتسمح للكلام ده يهزها. تلات شهور من الإهانة والقهر مش هيمحوا سنين تعبها وشقاها وتعليمها. هي لسه ندى، البنت المتعلمة والقوية اللي بنت نفسها بنفسها، ومش معنى إنها وقعت في فترة صعبة إنها خلاص انتهت.

فتحت اللابتوب، وبدأت تراجع السيرة الذاتية بتاعتها وتظبطها. ولما خلصت وبصت لاسمها المكتوب في أول الصفحة، ابتسمت ابتسامة واسعة من قلبها. حسّت إنها بتسترد جزء من نفسها كانت فاكرة إنها ضاع منها.

دي حياتها، وهي اللي من حقها تختار تعيشها إزاي.

في بيت ميرفت، الدنيا كانت مقلوبة فوق دماغها.

جوزها سيد رفض تمامًا إنه يبيع العربية الجديدة، وقال لها إن فلوس أخواتها مش لعبة، وإن اللي اتاخد من غير حق لازم يرجع لصاحبه. لكن الحاج أحمد ما سابش الموضوع يعدّي، وطلب ميرفت وسيد يقعدوا معاه، وقال لهم بلهجة حاسمة:

قدامكم شهر واحد بالظبط، ترجعوا فيه الـ 23 ألف جنيه لسيف، يا إما العربية دي تتباع ونخلص من الموضوع!

ميرفت حاولت تتكلم وتبرر، وسيد حاول يقنع الحاج أحمد إنه يديهم فرصة، لكن الراجل كان مصمم على موقفه، ومفيش كلام هينفع معاه المرة دي.

وبعد محاولات وخناقات كتير، اضطروا في الآخر يبيعوا العربية الجديدة. ولأنها كانت اترخصت وخرجت من المعرض، باعوها بسعر أقل من تمنها، وخسروا فيها مبلغ مش قليل.

ميرفت كانت بتتقطع من الغيظ. مش قادرة تستوعب إن العربية اللي كانت فرحانة بيها ومتباهية قدام الناس بيها راحت منها بسبب اللي حصل.

مسكت التليفون واتصلت بأمها سميرة، وأول ما سمعت صوتها انفجرت في العياط.

يا أمي، أنا مقهورة! تخيلي، بعنا العربية بسبب ندى!

لكن المرة دي، سميرة ما اندفعتش زي كل مرة تدافع عن بنتها وتتهم مرات ابنها إنها السبب في كل حاجة.

سكتت، وفضلت تسمع عياط ميرفت، وهي قدام عينيها صورة ندى وهي دايخة وتعبانة، وصوت سيف وهو بيسألها السؤال اللي فضل يطاردها من يومها:

لو كانت دي هدى، كنتِ هتعملي معاها كده؟

سميرة أخدت نفس طويل، وقالت لبنتها بصوت واطي ومليان انكسار:

يا ميرفت، الفلوس دي ما كانش من حقك تاخديها من الأساس… وأنا اللي غلطت لما اديتهالك.

ميرفت سكتت فجأة، وكأن أمها صدمتها بكلامها.

حتى إنتِ يا أمي؟! إنتِ كمان بقيتي في صف ندى؟!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى