روايات وقصص

لقمه من ايد حماتي ج2

الكاتبه نرمين عادل همام

_ إنتوا عايزين مني إيه يا ميرفت؟

ميرفت ضحكت بسخرية، وطلعت موبايلها:

_ لسه بتسألي؟! إنتِ عارفة إن أمي امبارح رجعت البيت وهي منهارة، وفضلت تعيط طول الليل بسببك؟!

ندى ما ردتش.

ميرفت قربت منها أكتر وقالت:

_ دلوقتي هتتصلي بسيف، وهتقولي له إن اللي حصل كله كان سوء تفاهم، وإن أمي ما عملتش حاجة غلط!

ندى رفعت عينيها وبصتلها بثبات:

_ بس اللي حصل ما كانش سوء تفاهم.

الابتسامة اختفت من على وش ميرفت.

_ نعم؟! بتقولي إيه؟!

ندى رفعت راسها، ورغم إن صوتها ما كانش عالي، كل كلمة قالتها كانت واضحة:

_ بقول إن كل اللي حصل حقيقي، وموجود، ومتسجل كمان.

سميرة اتعصبت وزعقت:

_ إنتِ بتتبلي عليا يا قليلة الأدب؟!

ندى بصتلها وقالت:

_ أنا مش بتبلى على حد. أنا استحملت الإهانة والجوع تلات شهور كاملين، وكنت بسكت عشان البيت يمشي، وعشان سيف ما يزعلش من أمه. لكن أنا خلاص، مش هستحمل تاني.

ميرفت ابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت:

_ أهو الوش الحقيقي بان! إنتِ فاكرة إن عشان سيف واقف في ضهرك، هتقدري تركبي وتفرضي نفسك علينا؟! إنتِ فاكرة إننا خايفين منك؟!

ندى هزت راسها وقالت:

_ أنا مش عايزة أفرض نفسي على حد، ولا عايزة أخد مكان حد. أنا كل اللي عايزاه أعيش بني آدمة طبيعية، آكل لقمة نضيفة، وأهتم بابني، وأتعافى من العملية اللي عملتها. هو ده كتير عليا؟!

الأوضة سكتت فجأة.

سميرة كانت مش مصدقة إن ندى بقت ترد عليها بالشكل ده. طول الفترة اللي فاتت، كانت أول ما تعلي صوتها، ندى توطي راسها وتسكت، وأحيانًا تعتذر حتى لو ما عملتش حاجة غلط.

لكن المرة دي، ندى ما كانتش مستعدة ترجع لنفس الدائرة تاني.

وفي اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح، وسيف دخل.

بص لأمه، وبعدها لأخته، وسألهم ببرود:

_ إنتوا جيتوا هنا ليه؟

ميرفت جريت عليه وقالت:

_ سيف! كويس إنك جيت في وقتك! اسمع مراتك المحترمة بتقول إيه عن أمك!

سيف ما ردش عليها، ومشي لحد السرير وبص لندى:

_ إنتِ كويسة يا حبيبتي؟

ندى هزت راسها وقالت:

_ أنا كويسة.

سيف بص للممرضة وقال:

_ معلش، ممكن تاخدي يونس الأوضة اللي جنبنا شوية؟ عايز أتكلم معاهم.

الممرضة شالت يونس بالراحة وخرجت بيه.

سيف لف لأمه وأخته وقال:

_ يلا نتكلم بره الأوضة، عشان ندى ترتاح.

سميرة عقدت إيديها قدام صدرها وقالت بعناد:

_ مش خارجة بره! الموضوع ده لازم يتصفى هنا والنهارده!

سيف هز راسه بهدوء:

_ تمام، زي ما تحبي.

طلع موبايله من جيبه، وفتح التسجيلات قدامهم.

_ عايزة تصفي إيه الأول يا أمي؟ نتكلم في الشوربة اللي رميتيها في الزبالة؟ ولا الرز الحاف والطرشي اللي كنتِ بتأكليهم لندى؟ ولا نتكلم في كلامك لما قولتلها إنها بنت ما اتربتش، وإنها ما تستاهلش تدخل عيلتنا؟!

وش سميرة اصفر في لحظة، وميرفت بصت له بصدمة.

_ إنت بتقول إيه يا سيف؟!

سيف بص لأخته وقال:

_ الفيديوهات معايا يا ميرفت.

الاتنين سكتوا في نفس اللحظة.

فتح سيف تسجيل من المطبخ، وورّاهم الفيديو اللي فيه سميرة بتشد الروشتة من إيد ندى وترميها في الزبالة، وهي بتقول لها إنها بتطلب أكل كتير وإنها مش هتفضل تصرف عليها.

الصوت كان واضح، والصورة ما فيهاش أي مجال للشك.

سميرة جريت عليه وقالت بعصبية:

_ اقفل الموبايل ده حالًا!

سيف رجع خطوة لورا وسألها:

_ خايفة من إيه يا أمي؟

_ إنت مالكش حق تسجلني في السر!

_ دي كاميرات الشقة اللي متثبتة من زمان، وإنتِ عارفة إنها موجودة. وأنا ما ركبتهاش مخصوص عشانك، لكن لما اكتشفت إن مراتي تعبانة بالشكل ده، كان لازم أعرف الحقيقة.

وبعدين بص لها وقال:

_ ومعايا تسجيلات تانية كتير. تحبي نتفرج عليها كلها سوا؟

ميرفت دخلت بينهم بسرعة وقالت:

_ خلاص يا سيف! الموضوع بسيط ومش مستاهل كل اللي إنت عامله ده!

سيف لف ناحيتها ببطء:

_ موضوع بسيط؟!

_ أيوه! أمي قالت كلمتين وهي متعصبة، وإنت مكبّر الموضوع أوي!

سيف سألها:

_ وموضوع إنها تجوّع مراتي وما تأكلهاش كويس، ده كمان بسيط؟!

ميرفت اتلخبطت، وما عرفتش ترد.

سيف كمل وصوته بقى أشد:

_ الدكتور أكد إن ندى عندها أنيميا حادة وسوء تغذية، وإنها محتاجة علاج ومتابعة. مراتي كانت بتدوخ ومش قادرة تقف على رجليها، وجرح القيصرية كان لسه بيوجعها، وبدل ما أمي تساعدها، كانت بتزعق لها وتتهمها بالدلع! ده في نظرك موضوع بسيط؟!

ميرفت فضلت ساكتة.

سيف بص لها وقال:

_ إنتِ كمان خلفتي وولدتي يا ميرفت. لو حماتك عملت فيكي ربع اللي أمي عملته في ندى، كنتِ هتقولي إن الموضوع بسيط؟

ميرفت اتعصبت وقالت:

_ ما تقارنش ظروفي بظروفها!

سيف رد عليها فورًا:

_ ليه ما أقارنش؟ عشان إنتِ بنت أمي وهي مش بنتها؟! عشان إنتِ من عيلتنا وندى جاية من بره؟!

ميرفت فتحت بقها، لكنها ما لقتش رد.

سيف بص لأمه وأخته، وقال بحسم:

_ اسمعوني كويس. ندى محتاجة ترتاح، ومن النهارده مفيش حد فيكم يدخل الأوضة دي أو يتدخل في حياتنا من غير إذنها. وأي زيارة لازم تبقى بموافقتها، مش لمجرد إنكم شايفين إن من حقكم تيجوا في أي وقت.

سميرة انفجرت في العياط والولولة:

_ ابني عايز يقطع مع أمه عشان خاطر واحدة غريبة! بعد كل اللي عملته عشانك يا سيف، ده جزائي؟!

سيف بص لها بثبات وقال:

_ أنا ما قلتش إني هقطع معاكي يا أمي. إنتِ أمي، وليكي مكانتك، لكن ده ما يديكيش الحق إنك تأذي مراتي. أنا بحمي بيتي، وده واجبي كراجل وجوز وأب.

سميرة فضلت تعيط، وميرفت واقفة جنبها مش عارفة تعمل إيه.

أما ندى، فكانت قاعدة على السرير بتسمع كلام سيف، ولأول مرة من شهور، حست إنها مش مضطرة تدافع عن نفسها لوحدها.

بعد تلات أيام، سيف قرر يراجع كل التحويلات اللي أمه سميرة كانت بتعملها من الفلوس اللي بيبعتها لها مخصوص عشان رعاية ندى.

في الأول، سميرة رفضت تمامًا إنها توريه أي حسابات، وقالت له إن مالوش دعوة بفلوسها وإنه مش من حقه يراجع وراها.

لكن لما سيف أكد لها إنه مش هيبعت أي مبالغ إضافية تاني من غير ما يعرف الفلوس بتتصرف في إيه، اضطرت تبعت له صور التحويلات.

سيف فتح الصور واحدة واحدة، وبدأ يراجعها.

أول ما وصل لكشف حساب الشهر اللي فات، وشه اتغير.

يوم خمسة في الشهر، تحويل خمسة آلاف جنيه لميرفت.

يوم اتناشر، تحويل تلاتة آلاف جنيه.

ويوم عشرين، تحويل ألفين جنيه.

يعني عشرة آلاف جنيه في شهر واحد اتحولوا لحساب أخته!

سيف رجع راجع الشهر اللي قبله، فلقى سبعة آلاف جنيه اتحولوا لميرفت.

أما الشهر اللي قبله، فكان فيه تحويلات بمجموع ستة آلاف جنيه.

جمع المبالغ على الآلة الحاسبة، وبص للرقم اللي ظهر قدامه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى