
أنت تقصد إيه بكلامك ده؟
أقصد إن الناس دول بيجوا يكتبوا تقارير رسمية وقانونية. هيقروا إن الأم مش عارفة توصل لدواها، وإنها منفعلة وعصبية، ومابتنامش ودماغها مش فيها. أنتِ مدركة المنظر ده قدامهم وعلى الورق بيبقى عامل إزاي وبيطير حضانة البيبي إزاي؟
كان بيطلع الكلمات بصوت هادي جداً، وببطء شديد، كأنه بيشرح لي فكرة صعبة ومعقدة بحنية وأدب. بس اللي وصلني وسمعته أنا كان حاجة تانية خالص! كان بيقولي بمنتهى الصراحة والتهديد إن شكوتي ومحاولتي للتعافي ممكن تتقلب س\لاح ضد أُمومتي ويتاخد بيها بنتي مني في أي وقت. وكان بيقول كمان — من غير ما ينطقها بصريح العبارة — إنه فاهم وعارف كويس التقارير دي بتتسرب وبتستخدم إزاي في المحاكم.
هو أنت بتهددني يا مصطفى؟ سألته وأنا بترعش وجسمي بتفضفض منه الروح.
أنا بحميكي، قالها وهو بيثبت نظراته ببرود في عيني. وده بالضبط اللي بحاول أعمله من أول يوم.
بصيت للكشكول السلك اللي في إيده. افتكرت أخته نادين، وافتكرت أمي الحاجة ماجدة، وبابا الأستاذ كمال. افتكرت عزومة عيد الجواز وتلميحه لبنت عمته عن المسكنات، وافتكرت الميعاد بتاع الدكتور اللي رجع منه متغاظ ورفض تماماً يقولي في إيه، والكيس الفاضي بتاع الصيدلية اللي كان في جيب الجاكيت بتاع الشغل. كل اللحظات المتناثرة دي كانت قاعدة في مكان ما ورا عيني، مستنية بس إن يجي الوقت اللي أجمع فيه البازل عشان الصورة الكبيرة تكمل وتوضح قدامي بالكامل.
أنا عايزة أشوف علبة الدوا والروشتة، قلت له بإصرار وحسم لأول مرة. العلبة نفسها.. ودلوقتي يا مصطفى.
لا.
هي تحت في شنطة العدة اللي في العربية أو المخزن.. صح؟
أيوه.. وهتفضل هناك، في الأمان.
قمنا للمغسلة والحمام بعد المحادثة دي وإحنا ساكتين تماماً. ساعدني وشالني زي المرات اللي فاتت، بإيد حنينة جداً وبطريقة تخلي أي حد يبص علينا من برة يحلف إننا سمنة على عسل ومفيش أي حاجة غلط بتحصل في البيت ده! ولما رجعت للسرير، قعدت على حرفه من غير ما أمدد، عيني رايحة جاية على سرير رنا وخايفة أغمض.
كان يوم الجمعة، 12 يونيو 2026.
الممرضة المتابعة وصلت الساعة 10 الصبح في عربية بيضا. كانت معرّفة نفسها باسم الست نادية. كانت ست خمسينية، رفيعة، شعرها الأبيض لمّاه لورا بوقار وهيبة، وشايلة شنطة جلد سودا ودوسيه أوراق. قبل ما تدخل العمارة، شفتها من شباك المطبخ بتدردش كلمتين مع السواق. وبعدين طلعت السلم بخطوة واثقة.
مصطفى فتح لها الباب. كان لابس قميص أزرق مكوي وزي الفل، وشايل رنا بين إيديه بكبرياء وكأنها جزء من الهيبة والزي الرسمي بتاعه.
اتفضلي يا أستاذة نادية. أنا مصطفى هلال، زوج سلوى. إحنا مجهزين كل حاجة ومتستفين تمام.
الست نادية ابتسمت بوقار وهدوء وما مدتش إيدها تسلم.
أنا حابة أتكلم مع سلوى الأول لو سمحت.. لوحدنا من غير مقاطعة.
مصطفى وقف لحظة خاطفة اتجمد فيها وشه. الابتسامة على وشّه ما اتغيرتش، بس في حاجة ورا عينيه اتهزت وشاطت شرار.
أكيد طبعاً.. هي فوق في غرفة النوم. أطلعلك رنا معاها ولا أخليني بيها هنا؟
هقعد معاها ومع البيبي فوق، لو سمحت.
كنت قاعدة في السرير لما الست نادية طلعت. مسكت كرسي خشب من كراسي السفرة وحطته جنب سريري من غير ما تستأذن. قعدت، وبصت في عيني على طول.. من غير ابتسامات مزيفة، ومن غير نظرة شفقة رخيصة تكسرني.
أنا اسمي نادية، وأنا الممرضة المسؤولة عن متابعة تعافيكِ بعد القيصرية. قبل ما نبدأ أي حاجة، حابة تقوليلي كل حاجة، وكل كلمة هتقوليها هنا سرية بينّا وأمانة. ولو حسيت إنك في أي خطر، أنا ملزمة قانوناً ومهنياً إني أتصرف وناخد موقف.. فاهماني يا سلوى؟
هزيت رأسي. وفي ساعتها انفجرت في العياط.. مكنش عياط بصوت عالي وصريخ، بس كان دموع نازلة زي المطر ومش قادرة أوقفها، وأنا بهمس لها بالحكاية كلها من الأول: علبة الدوا المتقفلة، وشنطة العدة، والكشكول السلك، والحبايتين اللي بالعدد، والليلة اللي سابني فيها بتألم وما أدانيش حاجة، والجملة المرعبة اللي كتبها عني في الهامش وإدمان إيه اللي اتهمني بيه.
الست نادية كانت بتسمع من غير ما تقطعني خالص. كانت بتكتب في أجيندتها الخاصة بخط صغير ومترتب. ولماخلصت كلامي، سألتني سؤال واحد بس بصوت ثابت وزي السيف:
ينفع ننزل المخزن أو العربية نشوف شنطة العدة دي دلوقتي؟
مصطفى كان تحت في المطبخ. سمعت صوت التلفزيون في الصالة، وبعدين خطواته على السلم لما نادية نزلت وطلبت منه تشوف علبة الدوا والروشتة بالكامل.
أنا مش فاهم! قالها مصطفى بنبرة استنكار وزعيق مكتوم. هو الكلام ده ضروري ومطلوب؟
ده إجراء روتيني ومتبّع في شرف المهنة، قالتها الست نادية بنبرة هادية ومستقيمة. لازم أتأكد بنفسي من الأدوية الفاضلة، والكميات، وتواريخ الصرف مع الروشتة المكتوبة. تقدر حضرتك تحضر معانا طبعاً.



