منوعات

تحت مسمي الحب ج2

الكاتبه نرمين عادل همام

ما طلع الأوضة، وقف عند الباب يراقبني وبصلي بتوجس وشك.

أنتِ رايحة فين؟

رايحة بيت بابا.

سلوى، الحركة دي مالهاش أي لازمة وشغل طفولي ملوش معنى.

أنا أدرى إيه اللي له لازمة دلوقتي يا مصطفى.

 

ما قربش مني. فضّل واقف على عتبة الباب، كأن في خط وهمي مرسوم على الأرض خايف يخطيه ويوصل لي. لف دماغه مرة ناحية الشباك ومرة ناحية وشي، ولما اتكلم أخيراً صوته كان متغير خالص: بقى أهدى، ومكسور ومكسي بضعف غريب.

فكري في رنا يا سلوى..

أنا مابفكرش غير فيها.. ده كل اللي بعمله طول الأسبوع ده!

أنتِ فاكرة يعني إنهم هناك هيدوكي الدوا على طباطب؟ هيحطولك البلاستر على الجرح ويمشوا ويسبوكي.. محدش هيهتم بيكي وبصحتك زي ما أنا اهتميت ونظمتلك دنيتك.

لا يا مصطفى.. بس محدش هناك هيحاول يخبي كشكولي ولا يقفل على دوايا في شنطة عدة ويهددني في أمومتي!

 

شيلت رنا في كرسي الحمل بتاعها ومسكت الشنطة. نزلت على السلم ببطء، خطوة خطوة، وإيدي مسنودة على السور والجرح بيشد عليا. لما مريت من جنبه، مد إيده.. مش عشان يمنعني، بس عشان يشيل الشنطة عني. رفضت وزقيت إيده بالراحة. سحب إيده لورا بكسرة.

 

عند باب الشقة برة، قال الجملة اللي فضلت ترن في ودني طول الطريق في التاكسي زي الصدى:

أنتِ هترجعي يا سلوى.

 

ما رديتش عليه. مكنتش عارفة هل هو بجد متوقع إني هرجع، ولا ده مجرد كلام بيصبر بيه نفسه ويغطي بيه على خيبته وخلاصه.

 

الموقف انتهى بنفس الطريقة اللي بتنتهي بيها كل مناقشاتنا: هو يخرج ويسيب الأوضة، وأنا أقعد أسأل نفسي هو أنا اللي مأفورة ومش قادرة أوصل فكرتي صح؟ بس المرة دي، مسكت الموبايل وسجلت الملاحظة الغلط دي في نوتس الموبايل عندي، مع الأدوية اللي أخدتها فعلاً. بدأت بيوم السبت وراجعت الأيام بحذر شديد، وأي حاجة مش متأكّدة منها كنت بكتب جنبها غير مؤكدة. مكنتش عايزة أتبلى عليه أو ألف أدلة لمجرد إني غاضبة ومقهورة.

كان في مواقف زمان سجلتها في دماغي من غير ما أفهمها وقتها: في عيد الجواز، مصطفى سأل بنت عمته لو عندها مسكنات متبقية من جراحة سنانها. ضحكت وقالت له يروح لدكتور يكتبله. في يناير اللي فات، رجع من عند الدكتور وهو متغاظ وغضبان ورفض تماماً يقولي الدكتور قال إيه. ومرة، وأحنا بنشيل زينة رمضان والعيد في الصناديق، لقيت كيس صيدلية فارغ في جيب جاكيت الشغل بتاعه ملوش اسم ولا روشتة، وقاللي ساعتها دي زبالة قديمة اترمت في الجيب. الحاجات دي مكنتش بتثبت حاجة قطعية.. ووقتها مكنتش عوزاها تثبت

صباح الخميس، 11 يونيو، مصطفى كان حنين ولطيف معايا تاني. جابلي الشوفان للسرير ومسك رنا عقبال ما أكلت. دفى كوباية المية عشان عارف إني بحبها دافية. حتى إنه قال إنه متأسف إنه كان نبرته حادة إمبارح بالليل.

أنا بس خايف أفقد السيطرة على الأمور والبيت يكركب ومأعرفش ألمّه، اعترفلي بصوت هادي.

بصيت في وشّه بحيرة وضيعان.

أنا كمان خايفة يا مصطفى.

باس قورتي بحنية مفرطة:

يبقى سيبيني أنا أتولى موضوع الدوا بالكامل.. مش ينفع نكون خايفين إحنا الاتنين.

كان استنتاج غريب جداً لدرجة إني ما عرفتش أرد أقول إيه!

الساعة 10 الصبح، عيادة النسا والتوليد اتصلت بيا عشان الرسالة اللي بعتها على الأبلكيشن. كنت قاعدة لوحدي مع الموبايل ورنا نايمة في سريرها. الممرضة سألتني أسئلة عن الوجع، والجرح، ودرجة الحرارة، ولو في أعراض غريبة. جاوبتها بحذر شديد. ولما سألتني لو قادرة أتوصل لكل الأدوية اللي في ورقة الخروج، صوتي اتهز واتخنق بالدموع.

مش من غير إذن جوزي..

الممرضة سكتت لحظة طويلة. قالتلي ما استناش الزيارة المنزلية بتاعة بكره لو الوجع زاد أو ظهرت أي أعراض تقلق، وشرحتلي إزاي أتواصل مع الفريق فوراً في الحالات الطارئة. وبعدين سألتني سؤال نزل عليا زي الصاعقة يهد الجبال:

هل أنتِ حاسة بالأمان في بيتك؟

بصيت لرنا، وهي نايمة مش فاهمة أي حاجة ولا عارفة إن أمها بتواجه سؤال مش عارفة تجاوب عليه إزاي.

ما أظنش إنه هيضربني يعني، قلت لها.

أنا مسألتكيش عن الضرب بس يا سلوى.

بلعت ريقي بصعوبة وعيني على الباب.

أنا محتاجة أتكلم مع الممرضة اللي جاية بكره.. أظن إني هقدر أعمل كده.

ممرضة العيادة قالت إنها هتبلغ الفريق الطبي بالتفاصيل وتكتب نوت إن سلوى محتاجة تتكلم في سرية ومحادثة خاصة. ولأول مرة طول الأسبوع، حسيت إن في حد بيسمعني وبيستجيب لكلامي من غير ما يغلطني أو يعدلي مشاعري!

اول ما قفلت السكة، قعدت ساكتة تماماً ومش بتتحرك. وبعد 20 دقيقة بالضبط، مصطفى دخل الأوضة، ومسك في إيده الكشكول السلك…

هو الدكتور اتصل بيكي ولا إيه؟

فممكن ساعتها يقرروا إنك غير مؤهلة ونفسيتك مش مظبوطة عشان تقعدي لوحدك مع رنا.

الدم اتقطع وتجمد في عروقي أول ما قال الجملة دي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى