
فضلت الجملة دي معايا.
وبدأت فعلًا أتعلم.
بقيت أخرج أتمشى في الجنينة من غير ما أخاف من صوت عربية في الشارع.
بقيت أقدر أنام ساعات طويلة من غير ما أصحى مفزوعة.
وبقيت لما أشوف حد بيبص لي باستغراب، أفكر إن رأيه مش لازم يبقى هو الحقيقة الوحيدة عني.
أما مونيكا، فالعلاقة بينا فضلت معقدة.
هي قدمت اعتذار رسمي، واعترفت بأجزاء من اللي حصل، لكن التحقيقات المتعلقة بالتحويلات ومسؤولية كل شخص استمرت في مسارها القانوني، وكل طرف كان لازم يتحاسب على أساس الأدلة الخاصة بيه.
أنا ما حاولتش أضغط عشان تحصل على عقوبة معينة، وما حاولتش أستخدم القضية عشان أنتقم منها.
كنت عايزة العدالة تاخد مجراها، وبس.
بعد شهور، بعتت لي خطابًا بخط إيدها.
كان طويلًا، وبتحكي فيه عن خوفها، وعن قراراتها، وعن الأيام اللي كانت بتنام فيها وهي عارفة إن فيه حاجات ما قالتهاش.
في آخر الخطاب، كتبت:
«أنا مش متوقعة إنك تسامحيني. لكني مش هطلب منك تفضلي تكرهيني طول عمرك عشان أرتاح أنا. أنا اللي لازم أعيش مع اللي عملته.»
قريت الخطاب، وطيته، وحطيته في درج بعيد عن عيني.
ما رديتش وقتها.
مش لأني كنت عايزة أعاقبها بالصمت، لكن لأني كنت محتاجة أعرف إذا كان ممكن أسامحها من غير ما أرجع أثق فيها.
وبعد وقت طويل، بعت لها رسالة قصيرة.
«أنا مش هقدر أنسى اللي حصل، لكني مش عايزة أعيش بقية عمري أسيرة للغضب. أتمنى إنك تتعلمي من اللي حصل، وكل واحدة فينا تكمل حياتها من غير ما تظلم التانية تاني.»
ما وعدتهاش إني هرجع أختها زي زمان.
لأن الحقيقة إننا مش هنرجع زي زمان أبدًا.
بعض العلاقات لما بتتكسر، ممكن تتصلح، لكن مش بالضرورة ترجع بنفس الشكل.
في عيد ميلاد أوبال، عملت لها مفاجأة صغيرة في المكتبة.
جبت كعكة، وزينت المكان بزهور بسيطة، وعزمت كام ست من الجيران اللي بقوا ييجوا يشتروا الكتب ويقعدوا يتكلموا معاها.
لما شافت الزينة، ضحكت وقالت:
«كل ده عشاني؟ أنا كبرت على أعياد الميلاد دي.»
رديت:
«إنتِ اللي علمتيني إن الواحد مش بيكبر على الفرحة.»
قعدنا وسط الناس، وأوبال حكت لهم عن أول مرة فتحت فيها مكتبة صغيرة مع جوزها، وعن الكتب اللي كانت بتخبيها في صناديق عشان ما تضيعش وقت النقل.
في آخر اليوم، بعد ما كل الناس مشيت، طلعت لها هدية صغيرة.
كانت صورة مؤطرة لينا مع بعض، اتصورت يوم افتتاح المكتبة.
بصت للصورة، ودموعها لمعت في عينيها.
«أنا عمري ما توقعت إن بنت غريبة تدخل بيتي وتبقى أقرب لي من ناس أعرفهم من سنين.»
حضنتها وقلت:
«وإنتِ عمرك ما هتعرفي إنك أنقذتيني قد إيه.»
هزت راسها.
«إنتِ اللي أنقذتي نفسك يا مريم. أنا بس فتحت لك الباب.»
مرت سنة كاملة على اليوم اللي خرجت فيه من الحجز.
في نفس اليوم، صحيت بدري، ووقفت في الجنينة اللي ورا البيت.
كانت الشمس طالعة بهدوء، والندى على الزرع، والهواء بارد.
افتكرت أول ليلة نمت فيها هنا، لما كنت بخاف أقفل الباب، وخايفة أصدق إن فيه مكان ممكن أعيش فيه من غير ما حد يقرر مصيري.
افتكرت مونيكا وهي بترمي الفلوس على رجلي.
افتكرت الحجز.
افتكرت بابا.
وافتكرت أوبال وهي بتقولي إن الماضي مش هو اللي هيحدد مستقبلي.
دخلت البيت، ولقيت أوبال قاعدة في المطبخ بتجهز الشاي.
قالت لي:
«مالك؟ واقفة بره من بدري ليه؟»
قعدت جنبها.
«كنت بفكر في السنة اللي فاتت.»
ابتسمت.
«وإيه رأيك؟»
«حاسّة إني عشت عمرين في سنة واحدة.»
حطت قدامي كوباية الشاي.
«طب قوليلي، لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي قابلتيني فيه، كنتِ هتحكيلي الحقيقة من أول لحظة؟»
فكرت شوية.
«أيوه. بس مش عشان كنت عايزة أبرر نفسي. عشان كنت محتاجة حد يسمعني من غير ما يحكم عليا.»
أوبال هزت راسها.
«وده اللي كل إنسان محتاجه ساعات.»
بعد الفطار، فتحت المكتبة، وبدأت أرتب الكتب الجديدة.
في وسط صندوق كتب قديمة، لقيت رواية صغيرة غلافها ممزق، وداخلها ورقة مكتوب عليها بخط إيد شخص مجهول:
«لو وصلت لآخر الصفحة، افتكر إنك لسه تقدر تبدأ صفحة جديدة.»
ضحكت وأنا بقرأ الجملة.
حطيت الورقة في درج المكتب، جنب صورة بابا.
وبعدين رفعت رأسي لما سمعت جرس الباب.
كانت بنت صغيرة واقفة بره، ماسكة كتابًا قديمًا.
سألتني بخجل:
«هو ينفع أشتغل هنا بعد المدرسة؟ أنا محتاجة أساعد ماما، ومش عايزة أسيب دراستي.»
بصيت لها، وشفت في عينيها نفس الخوف اللي كان في عيني وأنا بدور على شغل بعد الحجز.
سألتها عن سنها ودراستها، وبعد ما فهمت ظروفها، قلت لها إننا ممكن نلاقي طريقة مناسبة تساعدها من غير ما تأثر على تعليمها، وإنها تقدر تيجي تقعد تقرأ وتتعلم لحد ما نرتب الأمور.
وشها نور.
«بجد؟»
ابتسمت.
«بجد.»
لما مشيت، وقفت أوبال جنبي وقالت:
«واضح إن المكتبة دي هتبقى أكبر من مجرد مكان للكتب.»
بصيت للرفوف، وللأوضة اللي بدأت فيها حياتي من جديد، وقلت:
«يمكن عشان كل واحد فينا محتاج مكان يحس فيه إنه مش متهم طول الوقت.»
أوبال حطت إيدها على كتفي.
«وأهو لقيتي المكان ده.»
في المساء، رجعت أوضتي وفتحت الدرج اللي فيه صورة بابا.
حطيت جنبها صورة أوبال، وفضلت أبص للصورتين.
قلت بصوت واطي:
«أنا لسه هنا يا بابا. خسرت سنين، لكني مرجعتش مكسورة زي ما كانوا متوقعين. وأنا مش هقضي بقية عمري أحاول أثبت للناس إني أستحق أعيش.»
قفلت الدرج، وطفيت النور.
وقبل ما أنام، سمعت صوت الباب الخارجي بيتقفل.
زمان، كان الصوت ده بيخليني أفزع وأقوم من مكاني، وأفتكر أبواب الحجز وهي بتتقفل ورايا.
لكن الليلة دي، ابتسمت.
لأني أخيرًا فهمت إن مش كل باب بيتقفل معناه إنك اتحبست.
في أبواب بتتقفل عشان تحميك من ناس أذوك، وفي أبواب بتتفتح عشان تديك فرصة تبدأ من جديد.
وأنا، بعد أربع سنين من الظلم، وسبعين يوم من الخوف، وشهور طويلة من البحث عن الحقيقة، كنت أخيرًا واقفة في المكان اللي اخترته بإرادتي.
مكان محدش فيه بيهددني.
ولا بيشتري سكوتي.
ولا بيحدد قيمتي على أساس ماضيّ.
وفي الصباح التالي، وصلتني رسالة من الأستاذ فؤاد بيبلغني إن الإجراءات المتعلقة بالتعويض عن فترة حجزي بدأت، وإنه هيحتاج مني بعض الأوراق لاستكمال الطلب.
قريت الرسالة، وقفلت الموبايل، ورجعت أساعد أوبال في ترتيب الكتب.
المرة دي، ما كنتش مستنية فلوس عشان أحس إني كسبت.
كنت مستنية اليوم اللي أقدر فيه أبص لنفسي في المراية من غير ما أشوف الحجز في عيني.
واليوم ده كان بدأ بالفعل.
أما مونيكا، ففضلت جزءًا من ماضيّ، مش مستقبل حياتي.
وأما أنا، فقررت أعيش.
مش عشان أثبت لها إنها خسرت.
ولا عشان أخلي الناس تندم إنها صدقت الاتهام.
لكن عشان البنت اللي دخلت الحجز وهي فاكرة إن حياتها انتهت، كانت تستحق تعرف إن الظلم ممكن يأخر الإنسان، لكنه مش لازم يكون آخر الحكاية.
وفي آخر ليلة من السنة، وأنا بقفل المكتبة، لقيت أوبال حاطة كتابًا جديدًا على مكتبي.
على الصفحة الأولى كتبت لي:
«إلى مريم، اللي دخلت بيتي وهي فاقدة كل حاجة، وخرجت من الحكاية وهي عارفة إن كرامتها عمرها ما كانت في إيد حد غيرها.»
حضنتها، ودموعي نزلت على الكتاب.
وبعدين رفعت رأسي وقلت لها:
«أنا كنت فاكرة إنك أنقذتيني لما شغلتيني عندك.»
ابتسمت.
«وأنا كنت فاكرة إني بساعدك إنتِ بس.»
سألتها:



