روايات وقصص

ولنا ف الحب حياة ج1

الكاتبه نرمين عادل همام

«أنا مش عايزة أشوف واحدة تانية بتضيع لوحدها لمجرد إن الناس قررت تحكم عليها قبل ما تسمعها.»

مديت إيدي ومسكت إيدها.

«أنا مش عارفة أرد لك الجميل ده إزاي.»

ضغطت على إيدي وقالت:

«مترديش الجميل. بس لما الحقيقة تظهر، متخليش الظلم اللي اتعرضتي له يخليكي تظلمي حد تاني.»

الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الليل.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت تليفون أوبال.

كانت واقفة في الصالة، بتتكلم بصوت واطي، ولما شافتني قربت مني وقالت:

«المحامي هيقابلك الساعة اتناشر.»

لبست هدومي بسرعة، وجهزت كل اللي كنت فاكرة إني محتفظة بيه من أيام الشركة.

كان معايا دفتر صغير قديم، فيه أرقام حسابات وأسماء موظفين وتواريخ تحويلات. الدفتر ده كان آخر حاجة قدرت أخرج بيها من حياتي القديمة قبل ما الجهات تاخد كل حاجة.

وصلنا لمكتب الأستاذ فؤاد، وكان راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض ونظارته سميكة، بيتكلم بهدوء لكن نظرته دقيقة.

قعد قدامي وقال:

«عايز أسمع منك كل حاجة من البداية. ومش عايزك تخبي أي تفصيلة، حتى لو حسيتي إنها صغيرة أو ملهاش لازمة.»

بدأت أحكي.

حكيت له عن الشركة، وعن أول يوم فتحت فيه مكتب صغير في مبنى قديم، وعن الساعات اللي قضيتها وأنا براجع الحسابات بنفسي، وعن الموظفين اللي كانوا بييجوا الصبح يلاقوني سبقاهم، وعن أول عقد كبير قدرت أمضيه مع مجموعة عيادات.

شركة «باكيي للمستلزمات الطبية» كانت حلمي.

بدأتها بإمكانيات محدودة جدًا، لكن مع الوقت قدرت أوصلها لمرحلة إنها بقت بتورد مستلزمات طبية لعيادات ومراكز علاجية في أكتر من مدينة.

مونيكا كانت مسؤولة عن الإدارة، وتريفور كان بيدير المبيعات والعقود.

كنت بثق فيهم ثقة عمياء.

كنت بقول لنفسي إن أختي هي أكتر واحدة تستحق تكون جنبي، وإن تريفور، باعتباره جوزها، هيحافظ على الشركة عشان مستقبلهم ومستقبلنا كلنا.

لكن قبل الأزمة بحوالي ست شهور، بدأت ألاحظ تحويلات مالية مش مفهومة.

مبالغ صغيرة في البداية، وبعدها مبالغ أكبر.

لما سألت مونيكا، قالت إن دي مصاريف تشغيل وإن المحاسب هيظبطها في التقارير النهائية.

ولما سألت تريفور، اتعصب وقال إني مش فاهمة ضغط المبيعات وإن شغلي إني أسيب له الإدارة وأركز في تطوير الشركة.

أنا غلطت لما سكت.

كنت فاكرة إن الحفاظ على العيلة أهم من التدقيق في كل تفصيلة، ومكنتش عايزة أخلق خلافات بيني وبين أختي.

لحد ما في صباح يوم عادي، وصلت الجهات لمكتبي.

اتقال لي إن في تحويلات مالية اتعملت بأوامر باسمي، وإن الشركة قدمت مستندات بتثبت إني سحبت مبالغ كبيرة من حساباتها لحسابات خاصة.

حاولت أشرح إن الإمضاءات مش كلها بتاعتي، وإن في معاملات حصلت وأنا كنت مسافرة، لكن كل حاجة كانت متجهزة بطريقة تخلي كلامي يبدو كأنه محاولة للهروب من المسؤولية.

تريفور شهد ضدي.

ومونيكا قدمت مستندات قالت إنها كانت بتحتفظ بيها عشان تحمي الشركة من تصرفاتي.

وفي المحكمة، وقفت أختي قدام القاضي، وحلفت إنها كانت بتحاول تنقذ الشركة مني.

لما بصيت لها، لقيتها بتتجنب عيني.

في اليوم اللي صدر فيه الحكم، كنت مستنية منها تقول كلمة واحدة تنقذني.

لكنها فضلت ساكتة.

الأستاذ فؤاد كان بيسجل ملاحظات طول ما أنا بتكلم.

ولما خلصت، قفل الدفتر وقال:

«أنا مش هقدر أوعدك إننا هنقدر نغير الحكم، لكن في حاجة مهمة. لو عندك أدلة أصلية أو مستندات تثبت إن التحقيق اعتمد على بيانات ناقصة أو معدلة، ممكن ندرس الطرق القانونية المتاحة لمراجعة القضية.»

سألته:

«وإنت مصدقني؟»

بص لي مباشرة.

«أنا مصدق إنك بتحكي روايتك بصدق. لكن المحكمة مش بتشتغل بالتصديق. المحكمة محتاجة دليل.»

الكلام وجعني، لكنه كان منطقي.

طلعت الدفتر القديم وحطيته قدامه.

قعد يقلب صفحاته، وفجأة وقف عند تاريخ معين.

«التحويل ده حصل قبل القبض عليك بكام يوم؟»

«أيوه.»

«وإنتِ متأكدة إنك مكنتيش موجودة في المكتب وقتها؟»

«كنت في مستشفى مع بابا. كان تعبان جدًا، وفضلت معاه طول اليوم.»

رفع عينيه.

«عندك ما يثبت ده؟»

افتكرت إن بابا كان بيتعالج في مستشفى خاص، وإن أختي كانت عارفة إني كنت معاه.

لكن الأهم إني كنت محتفظة بإيصال قديم من المستشفى، كان في ملف أوراقي الشخصية.

«ممكن يكون عند أمي نسخة من سجلات الزيارة.»

«كويس. هنبدأ من هنا.»

قبل ما نمشي، سألته إذا كان ممكن نروح لمقر الشركة.

هز راسه.

«مش دلوقتي. من غير إذن قانوني، دخولك أو محاولتك الحصول على مستندات من المكان ممكن يتفسر ضدك. إحنا هنمشي خطوة خطوة.»

خرجت من المكتب وأنا حاسة لأول مرة إن في حد بيبص للقضية باعتبارها قضية، مش باعتباري أنا مسيئة وخلاص.

لكن أول ما رجعت بيت أوبال، لقيت عربية رمادي واقفة قدام البيت.

نفس العربية اللي شوفتها قبل كده.

وقفت عند البوابة وبصيت لها.

الزجاج كان غامق، ومقدرتش أشوف اللي جواها.

طلعت الموبايل وصورت رقم اللوحة، وبعدها دخلت بسرعة.

أوبال كانت في المطبخ.

لما حكيت لها، ملامحها اتغيرت.

«مريم، من النهارده مش عايزاكي تواجهي أي حد لوحدك. لو العربية دي رجعت، هنبلغ الجهات ونخلي كل حاجة موثقة.»

«تفتكري مونيكا هي اللي باعتاهم؟»

«أنا معرفش. وعشان كده مش هنتهم حد من غير دليل.»

في اللحظة دي، رن جرس الباب.

أوبال راحت تفتح، وأنا وقفت وراها.

كان راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وماسك ظرف بني.

سأل عني بالاسم.

أوبال رفضت تدخله، وطلبت منه يعرف نفسه الأول.

قال إنه مندوب من مكتب محاماة، وإن عنده إخطار رسمي متعلق بقضية الشركة.

مد الظرف ناحيتها.

أوبال أخدته، لكنه طلب مني أمضي على ورقة استلام.

افتكرت نصيحة الأستاذ فؤاد، ورفضت أمضي قبل ما المحامي يراجع الأوراق.

الراجل بص لي بحدة، وبعدين قال:

«إنتِ بتصعبي الأمور على نفسك يا مدام مريم.»

ردت أوبال بصرامة:

«وإنت بتصعبها على نفسك لما تتكلم بالطريقة دي في بيت مش بيتك.»

الراجل مشي، وأوبال قفلت الباب.

اتصلت بالأستاذ فؤاد، وبعتت له صور الأوراق بعد ما صورتها بالموبايل.

بعد ساعة، اتصل بينا.

«دي مش مجرد مطالبة مالية. فيه طلب لإلزامك بعدم التواصل مع موظفين سابقين في الشركة، وفيه تحذير من نشر أي معلومات تخص النزاع.»

سألته بقلق:

«يعني إيه؟»

«يعني لازم نتعامل بحذر. مفيش أي منشورات، مفيش تحذيرات، ومفيش مواجهات مباشرة. أي خطوة لازم تبقى من خلال القنوات القانونية.»

قفلت المكالمة وأنا حاسة إن مونيكا بتحاول تقفل كل الأبواب اللي ممكن أوصل منها للحقيقة.

لكنها نسيت حاجة واحدة.

إن أنا كنت عارفة الشركة من أول حجر اتحط فيها لحد آخر فاتورة اتدفعت.

وإن في ناس اشتغلت معايا سنين طويلة، مستحيل كلهم يكونوا صدقوا الحكاية اللي اتقالت عني.

بعد يومين، قررت أبدأ أدور على الموظفين القدامى، لكن بمساعدة الأستاذ فؤاد.

أول اسم كان خالد منصور، المحاسب اللي اشتغل معايا من بداية الشركة.

كنت فاكرة إنه هيكون أول واحد يصدقني، لكنه لما رد على التليفون، صوته كان متوتر.

«مريم؟»

«أيوه يا خالد. أنا محتاجة أتكلم معاك.»

سكت لحظات، وبعدين قال:

«أنا آسف. مش هقدر أساعدك.»

«حتى لو بس تسمعني؟»

«أنا سمعت كلام كتير، ومش عايز أدخل نفسي في مشاكل.»

«خالد، إنت كنت عارفني. إنت اللي كنت بتراجع الحسابات معايا كل شهر. عمرك شفتني أأخذ جنيه واحد؟»

سمعت أنفاسه من الناحية التانية.

«الموضوع أكبر مني يا مريم.»

«إيه اللي أكبر منك؟»

لكنه قفل.

فضلت باصة للموبايل، وأنا حاسة إن قلبي بيتعصر.

في اليوم اللي بعده، اتصل بيا رقم غريب.

رديت، فسمعت صوت ست بتتكلم بسرعة.

«أنا نادين. كنت شغالة في الحسابات عندكم.»

نادين كانت موظفة صغيرة، لسه متخرجة لما اشتغلت معانا، وكانت بتتعلم مني كل يوم حاجة جديدة.

قالت:

«أنا معرفش إذا كنتِ فاكراني ولا لأ، بس أنا فاكرة كل حاجة حصلت قبل ما تتقبضي.»

قعدت على طرف السرير.

«فاكرة إيه يا نادين؟»

«في أسبوع قبل القبض عليكي، تريفور طلب مني أرجع أراجع ملفات تحويلات قديمة، وقال إن في أخطاء لازم تتصلح قبل المراجعة السنوية. ولما سألت عن موافقتك، قال إنك عارفة.»

«وإنتِ عملتي إيه؟»

«نفذت اللي طلبه مني، لكن بعد يومين لقيت ملفين بنفس الرقم، وكل واحد فيهم فيه بيانات مختلفة.»

حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.

«عندك النسخ؟»

«لأ، الملفات كانت على نظام الشركة، لكني احتفظت بإيميل قديم فيه طلب تريفور بتعديل البيانات.»

سكتت لحظة، وبعدها أضافت:

«بس أنا خايفة يا مريم. أنا عندي بنت صغيرة، ومش مستعدة أخسر شغلي.»

قلت لها بهدوء:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى