
جلست بجواره، وشعرت أنني فعلت ما يمليه عليَّ قلبي، وأنني حاولت إنقاذ علاقتنا جميعًا. في المساء، صعدت يسريّة إلى شقتنا، وكانت تبدو مختلفة عن الأيام الماضية؛ فقد هدأت ملامحها، ولم تعد تلك النظرة الغاضبة تملأ عينيها.
وحين فتحت لها الباب، وقفت أمامي لحظات قبل أن تقول بصوت خافت:- ممكن أدخل يا أمل؟ابتسمت لها وتنحيت جانبًا، فدخلت وجلست في غرفة المعيشة، بينما ذهبت لأحضر لها شيئًا تشربه، لكنها أوقفتني قائلة:- استني يا أمل، أنا جاية عشان أتكلم معاكي ومع حامد.
خرج حامد من الغرفة، وجلس أمامها، فخفضت يسريّة رأسها قليلًا، ثم قالت:- أنا جاية أعتذرلك يا حامد، وأعتذر لأمل كمان. أنا عارفة إني غلطت في حقكم، وإن كلامي يومها كان قاسي، خصوصًا لما خيرتك بيني وبينها. مكنش من حقي أعمل كده، ولا من حقي أطلب منك تظلم مراتك عشان تراضيني.
ظل حامد صامتًا، فتابعت وهي تحاول حبس دموعها:- أنا مش هكدب عليك وأقولك إني مكنتش بغير، أنا فعلًا كنت بغير، وكنت بخاف إنك تبعد عني وعن ولادي،
خصوصًا بعد ما بقيت أشوفك مهتم بأمل أكتر، وكنت بنسى إنها تعبت بسببي، وإنها فضلت واقفة جنبي حتى وهي مش قادرة تقف على رجليها.
كنت بشوف اللي ناقصني، ومش بشوف كل اللي هي عملته عشاني. ثم التفتت إليَّ، وأمسكت بيدي قائلة:- سامحيني يا أمل. والله ما كنت أقصد أجرحك، بس أنا غلطت لما اعتبرت طيبتك حق مكتسب ليا، ولما نسيت إنك إنتِ اللي اخترتيني لحامد، وإنك عمرك ما حاولتي تاخدي مكاني.
أنا عارفة إن مهما اعتذرتلك مش هوفيكي حقك، بس أتمنى إنك تسامحيني ونرجع زي الأول. تأثرت بكلماتها، واحتضنتها وأنا أقول:- خلاص يا يسريّة، الموضوع انتهى. أنا مسامحاكي، ومش عايزة نفتحه تاني. إحنا أهل، والمفروض نكون سند لبعض، مش سبب تعب لبعض.
أما حامد، فقد تنهد طويلًا، ثم قال:- وأنا كمان مسامحك يا يسريّة، بس عايزك تفهمي حاجة مهمة؛ أنا بحبك وبحب أمل، وكل واحدة فيكم ليها مكانتها وحقوقها، وولادي مالهمش ذنب في أي خلاف يحصل بينا.
أنا مش عايز أعيش طول عمري بحاول أرضي واحدة على حساب التانية، ولا عايز أي واحدة فيكم تحس إنها مضطرة تنافس التانية عشان تاخد حقها. هزت يسريّة رأسها موافقة، وقالت:- عندك حق، وأنا أوعدك إني مش هكرر اللي حصل تاني.
مد حامد يده إليها، فصافحته، ثم ابتسمنا جميعًا، وكأن تلك المصافحة أنهت فترة طويلة من التوتر بيننا. ومنذ اليوم، عادت علاقتنا تدريجيًا إلى طبيعتها. كنت أذهب إلى يسريّة، وأساعدها في أعمال المنزل ورعاية الطفلين، لكنني هذه المرة كنت أكثر حرصًا على صحتي، ولم أعد أرهق نفسي إلى الحد الذي يجعلني عاجزة عن الحركة.
وإذا شعرت بالتعب، كنت أستريح دون أن ألوم نفسي، ويسريّة نفسها أصبحت ترفض أن أتحمل كل شيء وحدي. كانت تقول لي أحيانًا وهي تنتزع الملعقة من يدي:- خلاص يا أمل، اقعدي إنتِ، أنا هكمل. مش هفضل طول عمري معتمدة عليكي في كل حاجة.
فأضحك وأقول لها:- أهو ده الكلام، عايزين نتعاون، مش واحدة فينا تشيل الدنيا كلها على كتفها. ومع مرور السنوات، كبر رزق وأخته، وأصبحت حياتنا أكثر استقرارًا. اعتاد الطفلان وجودي إلى جوارهما، فقد كنت أشاركهما اللعب، وأحكي لهما القصص قبل النوم، وأساعدهما حين يمرض أحدهما أو يحتاج إلى شيء.
لم أكن أتعامل معهما باعتبارهما طفلي زوجة أخرى، بل كنت أحبهما بصدق، وأفرح لكل خطوة يخطوانها في حياتهما. كان رزق إذا عاد من المدرسة يبحث عني قبل أن يبحث عن أي شخص آخر، يركض نحوي حاملًا كتبه، ويقول بحماس:- يا أمل، بصي أنا جبت كام النهارده!
فأحتضنه وأقبّل رأسه، وأجلس معه لأرى درجاته، وأشجعه إذا أحسن، وأساعده إذا أخفق. أما أخته، فكانت لا تهدأ حتى تجلس في حجري، وتطلب مني أن أمشط شعرها أو أختار لها ملابسها، وإذا ذهبت إلى منزلنا، ظلت تسألني متى سأصعد إليهما مرة أخرى.
ومع الوقت، أصبح الطفلان يناديانني «ماما أمل» دون أن يطلب منهما أحد ذلك. خرجت الكلمة من قلبيهما الصغيرين بعفوية، لأنهما وجدا عندي الحنان والاحتواء، ولأنني كنت دائمًا أحرص على ألا يشعر أي منهما بأنه أقل حبًا أو اهتمامًا من الآخر.
في البداية، كانت يسريّة تتأثر حين تسمعهما يناديانني بهذا الاسم، لكنني كنت أحرص على أن أؤكد لها أنني لا أريد أن آخذ مكانها، وأنهما يعرفان جيدًا أنها أمهما التي حملتهما وتعبت من أجلهما. وذات يوم، كنت أجلس معهما في منزل يسريّة، حين ركضت الصغيرة نحوي واحتضنتني قائلة:- ماما أمل، أنا بحبك أوي!
قبلتها وضممتها إلى صدري، ثم نظرت إلى يسريّة التي كانت تراقبنا بابتسامة هادئة، فوجدتها تقول:- ربنا يخليكي لينا يا أمل. أنا زمان كنت بخاف إن ولادي يحبّوكي أكتر مني، لكن دلوقتي فهمت إن حبك ليهم عمره ما كان بياخد مني حاجه، بالعكس، إنتِ زودتي الحب اللي في حياتهم.
نظرت إليها بامتنان، وقلت:- وإنتِ أمهم يا يسريّة، ومكانك عمره ما هياخده حد. أنا بس بحبهم، وعايزاهم يكبروا وهم حاسين إن حواليهم ناس كتير بتحبهم وبتخاف عليهم. ابتسمت، ثم جلست بجواري، وأخذنا نتحدث بينما كان الطفلان يلعبان أمامنا.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن العائلة لا تقوم على الأسماء وحدها، ولا على من أنجب ومن لم ينجب، بل تقوم على المودة والرحمة، وعلى القلوب التي تتسع للحب دون أن تحاول انتزاع مكان أحد. أما حامد، فقد ظل يقدرني ويعاملني بحب، وأصبح أكثر حرصًا على ألا يتركني أتحمل ما يفوق طاقتي، بينما تعلمت يسريّة أن وجودي في حياته ليس تهديدًا لمكانتها، وأن العدل لا يعني أن تتساوى كل اللحظات، بل أن يحصل كل إنسان على حقه دون أن يُظلم غيره.
وهكذا عادت الحياة إلى هدوئها، ولم أعد أنظر إلى حرماني من الإنجاب باعتباره نهاية الأمومة في حياتي؛ فقد رزقني الله بمحبة طفلين لم أحملهما في رحمي، لكنني حملتهما في قلبي، وكانا كلما ركضا نحوي وهما يناديانني «ماما أمل»، أشعر أن الله عوضني عن شيء افتقدته بأشياء أخرى لم أكن أتخيل يومًا أنها ستملأ حياتي بكل هذا الدفء.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


