
في اللحظة دي، علياء عملت حاجة ما حدش يتوقعها أبداً… اتمالكت نفسها بصعوبة، وقربت خطوتين بثبات غريب من كارم، وقالت بصوت هادي جداً، بس واصل لكل زاوية في الشقة:
“أولاً يا كارم، أنت فاهم الموضوع غلط خالص ومكبره زيادة عن اللزوم… ثانياً، أنت جاي فاكر إنك بتكسرني أو بتهيني قدام الناس؟ أنت للأسف بتتوهم… لأن البنت اللي بتقول إنك بتحبها دي، أنا أعرفها قبلك بكتير!”
كارم اتسمر مكانه، وابتسامة التحدي اختفت من وشّه تدريجياً.
علياء كملت كلامها وهي بتشاور على نورهان بكل هدوء:
“نورهان مش مجرد زميلتك في الشركة يا كارم… نورهان تبقى صاحبة عمري من أيام المدرسة، وهي اللي جابتلك الوظيفة دي أصلاً لما كلمت بابا وبابا اتدخل بعلاقاته عشان يتعين واحد مستهتر زيك فيها! ونورهان كانت عارفة كل كلمة وكل وعد بين عيلتنا، وكانت داخله حياتك بترتيب مني أنا ونورهان عشان نكشف حقيقتك ونشوف هل أنت راجل تتحمل المسؤولية وتستاهل تشيل اسم العيلة، ولا مجرد شخص طايش!”
هنا نورهان سحبت إيدها من إيد كارم وقالت له ببرود:
“آسفة يا كارم… علياء حكت لي عن طريقة كلامك عن أهلك وعن استهتارك، ومكناش مصدقين إنك ممكن توصل إنك تستغلني عشان تطعن أهلك وكلمتهم قدام الناس. أنا مش لعبة في إيدك.”
كارم وشّه جاب ألوان، وبقى يبص لنورهان ولعلياء بذهول مش طبيعي، حاسس إن الأرض بتلف بيه، والنفس بدأ يضيق في صدره من الصدمة.
علياء كملت كلامها بنظرة قوية:
“والأهم من ده كله يا ابن عمي… عشان ترتاح خالص وتفوق لنفسك، بابا مكانش بيمشّي كل العرسان عشان خاطر عينك، بابا كان بيمشّيهم عشان أنا اللي كنت برفضهم، ولما وافقت عليك مؤقتاً، وافقت عشان أريح أبويا وأرضيه، مش عشان أنت الفارس اللي كنت بحلم بيه! وعشان تطمن أكتر… الشبكة اللي في الصالون دي مش بتاعتك أصلاً، والعريس الحقيقي للخطوبة دي موجود وسطنا دلوقتي!”
في اللحظة دي، دخل من باب الشقة شاب هيئته محترمة، وابتسم لأخويا سالم وسلم عليه بكل احترام… علياء بصلت لكارم اللي كان جسمه بيتنفض من كثرة المفاجأة، وقالت له:
“أعرفك بـ مهندس حازم، العريس اللي أنا اخترته بنفسي وشرطت عليه نعلن خطوبتنا النهاردة قدام العيلة كلها، عشان نقطع الشك باليقين…”
كارم بقى واقف زي الصنم، عينيه رايحة جاية بين علياء، ونورهان، والحضور اللي بدأوا يتهامسوا وينظرون إليه بنظرات عتاب بعد ما كان فاكر إنه هو المسيطر!
وقبل ما كارم ينطق بكلمة، وقف أخويا سالم من مكانه، وبص لكارم بصة حادة، وقال بصوت هز الصالة:
“استنى عندك يا كارم… اللعبة مخلصتش لحد هنا، عشان في حاجة تانية أنت لازم تعرفها النهاردة!”
سكت المكان كله، وعيون الحضور اتجهت لـ “سالم” وهو بياخد خطوتين ناحية كارم اللي كان واقف زي المذبوح، وقال بصوت جهوري:
“يا جماعة، محمود أخويا طوال عمره راجل أصيل… ولما علياء اتولدت، أنا ومحمود اتعاهدنا نربد عيالنا على الأصول. بس لما كارم كبر ودخل الكلية، بدا يظهر عليه طيش واستهتار، ومن أربع سنين، كارم تورط في مشكلة كبيرة في شغله القديم، وكان هيتحبس فيها بسبب طيشه وتسرعه!”
كارم وشّه اصفر زي الميت، وقال وهو بيرجع خطوة لورا:
“عمي… أنت… أنت عرفت الموضوع ده منين؟”
سالم ابتسم ابتسامة مكسورة وقال:
“عايز تعرف عرفت منين؟ أنا اللي دفعت الفلوس من جيبي وخلصت القضية دي من غير ما أبوك يعرف عشان قلبه ما يتكسرش عليك! أنا اللي دخلت بعلاقاتي ووقفت زي الجبل عشان أستر عليك وأحميك من السجن، وكان شرطي الوحيد أن أضمنك بكلمتي ووعودي.”
المكان كله شهق، وأنا كنت حاسس إن قلبي هيقف… بصيت لابني بذهول وقلت له بصوت بيتنفض:
“أنت يا كارم؟ كنت هتدخل السجن وأخويا يداري عليك ويدفع من معاه وأنا يا غافل ليك الله؟!”
سالم كمل كلامه وبص لكارم:
“ولما لقيتك بتمشي مع صحبة سوء، اتفقت مع علياء ونورهان، إننا نجيبلك شغل نظيف في الشركة اللي فيها نورهان عشان نراقب سلوكك ونشوف هل طمر فيك الخير والستر اللي سترناهولك! وعلياء هي اللي اقترحت عليا القصة دي كلها عشان تفوقك قبل ما تضيع نفسك.”
كارم بصلهم بثلاثتهم… بصل لعلياء اللي واقفة جنب المهندس حازم بكل كبرياء، وبصل لنورهان، وبصل لأبوه وليا. الكبرياء والغرور اللي كان داخل بيهم الصالة انهاروا تماماً، وحس بمدى صغره وحقارته قدام العيلة اللي سترته طوال السنين اللي فاتت.
كارم بدأ يتنفس بصعوبة، ووقع على الأرض على ركبه قدام المعازيم، وبدأت دموعه تنزل لأول مرة من سنين، وقال بصوت مكسور ومخنوق:
“أنا… أنا آسف… والله ما كنت أعرف… أنا طلعت شخص غبي…”
علياء قربت منه وقفت فوق رأسه، وقالت له بصوت صارم:
“الأسف ده تقوله لنفسك يا كارم… تقوله لضميرك. أنت ما كسرتنيش ولا كسرت بابا، أنت كشفت نفسك بس، ووريت الناس كلها الفرق بين اللي اتربى على الأصول وصانها، وبين اللي عاش فاكر إن العالم بيلف حواليه.”
في اللحظة دي، المهندس حازم قرب ومسك إيد سالم أخويا وقال بابتسامة راقية:
“يا عم سالم، الشرف ليّا إني أدخل البيت ده وأطلب إيد الدكتورة علياء، بيت الأصول والعز اللي بيصون ولاده.”
سالم ابتسم بحب وضم حازم، وانطلقت الزغاريد في الشقة من القرايب والستات، والمكان اللي كان مليان توتر بقى مليان فرحة، وكارم قاعد على الأرض وسطهم.
أنا مشيت ناحية ابني، وقعدت جنبه على ركبتي، ومسكت وشّه بإيدي التنتين، وقلت له بوجع هادئ:
“قوم يا كارم… قوم أقف على حيلك، بس اخرج من البيت ده دلوقتي… اخرج عشان تتعلم يعني إيه أصول، وتعرف إن الكلمة عقد، وإن اللي يبيع أهله عشان شوية غرور، بيصحى يلاقي نفسه أفقر خلق الله.”
كارم قام بالعافية، وبص حواليه، ولقى نورهان سابته وخرجت، والعيلة كلها ملتفة حول علياء وحازم يباركولهم… خرج كارم من باب الشقة يجر رجليه، وهو حاسس إن العالم كله انهد فوق رأسه، متعلمًا درساً لن ينساه طوال حياته.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




