روايات وقصص

سلفتي ج 2 بقلم اماني سيد

عزة بصت له بذهول وكسرة عمرها ما شافتها، الراجل اللي كانت بتستقوى بيه عليا رماها تحت رجلين أهله كأنها عشان يداري خيبته.

وقفت أنا في زاوية الصالة، مسحت دمعتي المصطنعة بطرف الطرحة، وبصيت لأبو فادي وهو بيمسح عرقه ويرتعش من الفضيحة، وعزة بتجرجر خيبتها وبتتسحب على السلم مطرودة ومفضوحة من بيت العيلة كله..

ابتسمت في سري؛ البيت رجع لي، والراجل اتقصقصت رقبته قدام الكل ومش هيقدر ينطق بحرف تاني، وعزة اندفنت حية بكيدها وطمعها، ومن غير ما أوسخ إيدي بضربة واحدة.

القعدة اتفضت وكل واحد نزل شقته وهو بيجرجر خيبته وعاره، بس الحساب الحقيقي كان لسه هيبدأ فوق، بين أربع حيطان، مطرح ما انكسرت زمان واتركنت كأني ماليش عازة.

طلعت شقتي على مهلي، خطوة ورا خطوة، دقات كعبي على السلم كانت بتدق زي الطبول، ودخلت ورا أبو فادي وقفلت الباب بالمفتاح، وحطيت المفتاح في جيبي بصوت تكة مسموعة رنت في الصالة الفاضية.

أبو فادي كان واقف في نص الصالة، وشه بهتان، عروقه نافرة، قميصه مبلول عرق كأنه كان في حلبة مصارعة. أول ما سمع صوت المفتاح بيلف في الكالون، اتلفتلي وعينيه تايهة ومفروسة، حاول يستجمع بواقي الجبروت اللي داس بيه عليا من كام أسبوع، وشخط فيا بصوت بيهتز من الغيظ:

«عاجبك الخراب اللي عملتيه تحت ده يا حنان؟! عاجبك فضيحتنا قدام أعمامي وأبويا؟! إيه شغل الحواة وقلة الأصل دي؟ بقى تطلعي فواتير وتعملي مؤامرة عشان تسودي وشي قدام العيلة كلها وتطردي الغلبانة أم الأيتام؟!».

فضلت واقفة مكاني، ساندة ضهري على الباب، مربعة إيديا، وببص له بنظرة هادية وباردة خلت ريقه ينشف. ما زعقتش، ولا رفعت صوتي بنبرة واحدة، بس رديت بكلمات متقاسة بالمسطرة:

«غلبانة؟ أم الأيتام؟ لسه برضه لسانك بينطق باسمها بعد ما شربتك المر وخلت سيرتك في الطين؟ ده أنت لسه راميها تحت قدام أهلك بالمداس عشان تنجي رقبتك من تهمة أكل مال اليتيم والمسخرة اللي كانت معمولة في بيتك.. جاي دلوقتي تستقوى عليا أنا بريشتين فاضلين في جناحك المقصوص؟».

قرب مني خطوة، عينه بتطق شرار وإيده اترفعت في الهوا كأنه هيمدها، بس ثبتت مكاني ونظرتي ليه كانت أصلب من الحجر. قلتله بصوت واطي بس حاد زي الموس:
«نزل إيدك دي يا أبو فادي.. إيدك دي ما تترفعش غير على اللي زيك. كلمة زيادة، أو حركة غبية، وهتلاقي الفواتير الأصلية اللي شايلها كشف حساب البنك بعينها في إيد عمك الكبير الصبح، ووقتها القعدة الجاية مش هتكون عتاب.. هتكون في المحكمة بتهمة تبديد مال قُصّر، وساعتها لا عزة هتنفعك ولا هتعرف تحط عينك في عين حد في البلد».

إيده اتجمدت في الهوا، عينه وسعت برعب حقيقي، ونزل إيده بالراحة وهو بيبلع ريقه بصعوبة. أدرك في اللحظة دي إنه مبقاش بيتعامل مع حنان الطيبة الساذجة اللي بتعيط في المطبخ، بقى بيتعامل مع واحدة عارفة كل ثغرة وكل ورقة وكل فضيحة تقدر تدفنه بيها في ثواني.

مشيت خطوتين ناحية ترابيزة الصالة، سحبت محفظته من جيبه بهدوء من غير ما يجرؤ يمنعني، فتحتها وطلعت منها كل الفلوس اللي معاه، ورجعتله المحفظة فاضية في إيده وقلتله:

«من اللحظة دي، البيت ده له ست واحدة.. أنا. المصروف في إيدي، مفتاح الشقة دي مفيش نملة تدخل منه غير بإذني، فادي وإخواته طلباتهم أوامر عليك وعلى أي حد، وعزة دي.. لو لمحت ضلها بس على عتبة السلم مش هرحمك ولا هرحمها. وعشان ترتاح، أنا مش طالبة طلاق، أنت هتفضل قاعد هنا، تخدم ولادك وتشتغل وتجيب القرش على الجزمة، كفارة للذل اللي عيشتهوني، وهتعيش طول عمرك هنا.. خدام لكرامتي اللي فكرت تدوس عليها».

بصلي وهو مكسور، قعد على أول كرسي قابله وحط راسه بين إيديه في صمت تام، صمت المغلوب على أمره اللي خسر كل حاجة في لحظة كبر وغرور.

فتحت باب أوضة ولادي، لقيت فادي قاعد بيبصلي ومبتسم بفخر، عينه بتلمع بعد ما سمع كل حرف من ورا الباب، وشاف أمه وهي بتسترد هيبتها وتكسر اللي كسروا خاطرها. طبطبت على كتفه وابتسمت، وخرجت وقفت في بلكونتي أتنفس الهوا النضيف، وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن البيت ده بيتي، والسما دي سمايا، وإن حق المظلوم لما بيتاخد بالعقل والدهاء، بيكوي قلب الظالم مية مرة أكتر من ألف قلم على وشه.

قعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطيت رجل على رجل وأنا باصة لشكله وهو حاطط راسه بين إيديه زي العيل التايه اللي أمه ضاعت منه في مولد.

فضلت ساكتة دقيقة كاملة، دقيقة كان صوت عقارب الساعة فيها أتقل من الجبال على قلبه. كنت بتأمله؛ الراجل اللي سنين عمري راحت في خدمته، اللي فضلت مستحملاه ومستحملة عوج لسانه وقلة أصله، اللي فضل عزة عليا وكسر بخاطري وخاطر ولاده.. الراجل ده بقى في عيني أصغر من نملة ماشية على الحيطة. حسيت بعفانة روحه، وعرفت إن القعاد في نفس الهوا اللي بيتنفسه ده خسارة في صحتي وعمري.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى