روايات وقصص

سلفتي ج 2 بقلم اماني سيد

ابتسمت.. ابتسامة هادية طلعت من بين شفايفي على مهلها، مش ابتسامة قهرة، لأ، ابتسامة الواحدة اللي استوعبت اللعبة وعرفت إن العياط والزعيم مابيجبوش غير الخراب على دماغ صاحبه.

بصيت لعزة من فوق لتحت، ومن عزة لأبو فادي اللي كان مستني مني صويت يلم العمارة عشان يمسك فيه حجة ويطردني بشنطة هدومي زي ما هدد. نزلت عيني في الأرض بمسكنة متفصلة على المقاس، وحطيت إيدي على صدري كأني بنهج من الخضة، وبلعت ريقي بصوت مسموع وقلت بنبرة مكسورة تخرس الحجر:

«حقك عليا يا أبو فادي.. الشيطان كان راكبني، وأنا عقلي خف من التعب وضغط العيال.. حقك عليا يا عزة يا أختي، متآخذنيش، أنا اتعميت عن الخير اللي بتعمليه معانا ومشوفتش غير وسوسة إبليس. أصل مين يقف الوقفة دي في الزمن ده غير الأصيلة؟».

الكلمتين نزلوا عليهم زي المية الساقعة. أبو فادي ريقه نشف وبص لعزة بانتصار أعمى كأنه كسرني للأبد، وعزة ارتاحت ونفشت ريشها أكتر، بانت في عينيها لمعة الغرور لما شافتني قدامها مفرومة وبطلب السماح، وقالت بتعالي: «أهو ده الكلام العقل يا حنان، إحنا في الأول والآخر أهل، ومفيش واحدة تخرب على بيتها بإيدها».

من الليلة دي، حنان القديمة ماتت ودفنتها تحت بلاط الشقة، وطلعت حنان تانية خالص.. بتسمع، وتطاطي، وتبتسم، وتطبخ السم على نار هادية أوي.

أول خيط مسكته كان الغرور؛ لأن اللي يدخل البيت بحيلة وشياكة مابيقعش غير لما يحس إنه امتلك كل حاجة ومبقاش عليه رقيب. بدأت أنسحب خطوة خطوة، بس بذكاء. بدل ما أشتكي من شيلتها لمصروف البيت، بقيت أنا اللي أرمي في حجرها كل بلاوي المصاريف: «يا عزة، ده أنور جوزك وعيلته كلها شاهدين بشطارتك، وحياة الغاليين خدي أنتِ كشف الدروس والجمعيات ومصاريف الشتا بتاعة الولاد دي ودبريها، أصل أنا إيدي مخرومة وهضيع شقا الراجل».

لبستها في وش المدفع المالي، وبدل ما كانت بتنزل تجيب شوية خضار وتعمل بيهم بطلة وتوفر ملاليم، بقت متورطة في عجز المصاريف الحقيقي، وفي نفس الوقت بدأت أنيم أبو فادي في العسل: «شوفت عزة؟ شايلة عنا الهم إزاي، حتى فادي لما عاز مصاريف الامتحان روحت قولتلها هي تتصرف، الست دي مبروكة البيت».

خلتها هي اللي في وش كل زنقة فلوس، وكل ما البيت يتخنق مادياً، عينيها هي اللي تتكسر قصاده، وبدل ما كان بيشوفها ملاك التوفير، ابتدى يدوق لأول مرة مرار قراراتها لما الفلوس تقصر والطلبات تزيد وهي مش عارفة تسد، ومبقتش أنا في الصورة خالص، أنا بقيت الملاك الوديع اللي بيسمع الكلام وبيطبطب عليه لما يرجع مفروس من ضيقة الحال.

بس اللعبة الكبيرة مكنتش في الفلوس.. اللعبة كانت في الحتة اللي عزة بتلعب عليها: عين الراجل وقلبه.

عزة كانت متعودة تتدلع وتتمسكن قدامه على حسي، وأنا دايماً طالعة مهدودة ومتبهدلة وريحة بصل وتوم وعرق. قلبت الآية في ثانية؛ رفعت إيدي عن كل شغل البيت التقيل بحجة إني تعبانة وعضمي واجعني والدكتور مانعني، وبقيت كل ما تطلع عزة تتفزلك في المطبخ، أسيبها وأقولها بصوت واطي: «البيت بيتك يا حبيبتي، ربنا يجعله في ميزان حسناتك»، وأدخل أنا أروق على حالي.

بقيت أستنى ميعاد رجوع أبو فادي وأنا متستفة، لابسة أنضف ما عندي، ريحتي مسك، هادية ورايقة ومبتسمة ولساني بينقط سكر، وهو يدخل يلاقي عزة هي اللي واقفة عرقانة في المطبخ، مهدودة وطافحة الكوتة، وشعرها منكوش من صهد الحلل وريحتها تقلية، وتطلع تزعق وتتأفف من التعب وتقوله: «أنا شقيت النهاردة ومحدش حاسس بيا!».

بقى يدخل يلاقي النكد والتعب والشكوى في وش عزة، والروقان والهدوء والدلع والحضن الدافي عندي أنا. نظرة الإعجاب والانبهار اللي كانت في عينيه ليها بدأت تتهز، وبدأت أشوف في عينيه الزهق لما عزة تفتح بؤها تشتكي أو تتدخل، بينما أنا أقوله بهمس ونعومة: «معلش يا حبيبي، الست تعبت برضه، ادخل أنت ارتاح وسيبك من دوشة الحريم».

كنت بسحب البساط من تحت رجليها خيط خيط، مش بالخناق، لأ.. بالسم المتغطي بالعسل، لحد ما جه اليوم اللي وقعت فيه برجليها في الفخ اللي فضلتهولها على مهل.

عزة أرملة، يعني لا وراها راجل هيجي يحاسبها، ولا في سفرية تتقفل.. بس الأرملة في بيت العيلة ليها نقطة ضعف أشد وأخطر من أي راجل: ورث ولادها الأيتام، وكلام حماها وحماتها، وسمعتها اللي على شفا حفرة قصاد العيلة كلها.

انسحبت من قدامهم الليلة دي وأنا ببلع السم، رسمت على وشي دور الزوجة المكسورة اللي استسلمت تماماً وسلمت الراية. وتاني يوم الصبح، بدأت أنفذ الخطة على نار أهدى من دبيب النمل.

أول حركة كانت إني سحبت رجليها لبير الطمع والغفلة. بقيت أقول لأبو فادي قدامها: «عزة دي بركة البيت ومالهاش غيرنا بعد المرحوم أخوك، وبدل ما تتعب في مصاريفنا، ما تاخد هي كمان توكيل ولا تفويض تدير بيه إيجارات الدكاكين ومعاش ولادها الأيتام، وتضم ده على ده وتعمل هي القرشين وتدبرنا كلنا؟».

عزة عينيها لمعت بالطمع، وشافت إن الدنيا خلاص دانت ليها، وبدل ما كانت بتتحكم في شوية خضار، بقت تتصرف في مال الأيتام مع فلوس أبو فادي، وتشتري وتبيع وتكتب كشوفات على هواها. وأنا كنت مراقبة، وبحرص شديد، كل مليم بيطلع من فلوس عيال المرحوم بيتسجل فين وبيروح فين.

وفي نفس الوقت، كنت بشحن أبو فادي من غير ما يحس؛ أروق نفسي، ألبس وأتعطر وأقعد جنبه بهدوء، وأسيب عزة تطلع مهدودة من مشاوير السوق وحسابات الدكاكين وشعرها منكوش وريحتها عرق وتأفف، وأقوله بنعومة: «معلش يا حبيبي، أصل الأرملة برضه شيلتها تقيلة وبتغير من الست اللي جوزها عايش، حقها تفش غلها فينا.. استحملها، إحنا ملناش غيرها».

الكلمة كانت بتنزل زي الدبوس في نفوخه، تخليه يبصلها بنظرة تانية خالص.. بدل ما كان شايفها الست اللي ملهاش مثيل، ابتدى يشوف واحدة طماعة، متسلطة، وريحتها نكد على طول الخط.

لحد ما جت اللحظة الكبيرة.. يوم الجمعة، يوم القعدة العائلية الكبيرة في بيت العيلة تحت، في شقة حماتي، بحضور أعمام العيال وكبار العيلة اللي بيجوا يقرأوا الفاتحة للمرحوم ويشوفوا أمور التركة.

قبل القعدة بساعة، دخلت على عزة شقتها، ورميت في ودنها فكرة مسمومة بابتسامة بريئة: «يا عزة، النهاردة الأعمام متجمعين تحت وناويين يسألوا على إيراد دكاكين ولادك وحساب المعاش، أبو فادي قال لي إنه شال الفلوس معاه عشان يبروزك قدامهم ويقول إنك ست مدبرة وبتوفري.. انزلي أنتِ خدي صدر المجلس واقعدي جنبه وخليه يسلمهم الكشف بنفسه عشان يرفع راسك».

عزة شافت في ده تتويج لملكها، نزلت لابسة ومزوقة وقعدت في صدر الصالة جنب أبو فادي، وبدأت تتكلم بالأصول والتدبير وإنها شايلاه وشايلة البيت.

وسط الكلام والناس قاعدة، دخلت أنا بصينية الشاي، حطيتها على الترابيزة بكل أدب، وبصيت لحمايا ولأعمام العيال، ونزلت دمعتين متفصلين بالمللي وقلت بصوت واطي ومبحوح كأني خايفة:

«ربنا يديم لمتكم يا حاج.. بس يا ريت تفصلوا حساباتنا عن حسابات الأيتام، عشان أنا خايفة من ربنا، مش قادرة أشوف فلوس ولاد المرحوم بتتصرف على كماليات شقتنا وفوق ده كله الناس في الشارع برا عمالة تلوك في سيرتنا».

الصالة كلها سكتت، الفناجين ثبتت في الإيدين، وحمايا بصلي بحدة: «بتقولي إيه يا حنان؟ مال أيتام إيه وسيرة إيه؟!».

أبو فادي وشه جاب ألوان الطيف وعروقه نفرت: «أنتِ اتجننتي يا ولية؟ اخرسي!».

لكن أنا ما خفتش، طلعت ورقة الحسابات اللي عزة كاتباها بإيدها، ومعاها فواتير طلبات الشقة والذهب اللي اشترته لنفسها الأسبوع اللي فات، ورميتها على حجر حمايا:

«دي حسابات الست عزة.. بتسحب من إيجار الأيتام تصرف على كيفها، وتقول لأبو فادي ده من شطارتي، وفوق ده كله الناس بتاكل في وشنا عشان طالعة نازلة على شقتي بمفتاحها في غيابك يا أبو فادي وفي وجودك، وبتدير الراجل والبيت كأنه جوزها مش سلفها، لحد ما الجيران افتكروا إنكم متجوزين في السر من كتر ما هي مسيطرة على القرش وعليه!».

الكلمة نزلت زي الصاعقة في قلب الصالة.

أعمام العيال ولعوا، وحمايا خبط عكازه في الأرض خرم البلاط، وبص لعزة باحتقار يقطع النفس: «بقى بتاكلي مال عيالك الأيتام؟ ومقضياها مشي بطال وقعدة في شقة سلفك لحد ما فضحتونا في المنطقة وسيرتكم بقت على لسان اللي يسوى واللي ميسواش؟!».

عزة وقفت تصرخ وتلطم: «والله كدابة! ده أبو فادي هو اللي قايلي وهو اللي بيطلب مني وهو اللي..».

بص حمايا لأبو فادي وسأله بنبرة غل: «الكلام ده صحيح يا مقصوف الرقبة؟ سايب مراتك وتخلي أرملة أخوك تديرك وتتحكم فيك وفي مال عيالها وتجيبلك العار؟!».

أبو فادي في اللحظة دي اتعرى تماماً، لقى نفسه متورط في أكل مال أيتام، وشبهة علاقة مشبوهة مع أرملة أخوه قصاد أهله وكبار عيلته.. ومن خوفه وجبنه، رماها في ثانية واحدة عشان ينجي رقبته، صرخ في وش عزة وقالها: «أنتِ طماعة وخرابة بيوت! أنا كنت مآمنك عشان خاطر المرحوم اتاري عينك فارغة وبتستغلي طيبتي؟! اطلعي برا واعتبري المفتاح ده مكسور، ورجلك ما تعتبش شقتي تاني، وحساب الأيتام يرجع بالمليم للرجالة هنا!».

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى