
لقمة من إيد حماتي ج2 الكاتبة نرمين عادل همام
سيف بص لها بحنان، ورد:
_ أنا مش بعمل ده عشان أعاقب أمي، ولا عشان أقطع علاقتي بيها. أنا بس بحط حدود واضحة، عشان محدش يظلمك تاني.
وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة، وأضاف:
_ وإنتِ كمان لازم تعرفي إنك مش مطالبة تستحملي الأذى عشان ترضي أي حد، حتى لو كان من أقرب الناس ليا.
ندى مسحت دموعها، وغمضت عينيها من التعب.
سيف فضل جنبها، بيتابع المحلول وبيطمن عليها كل شوية، ولأول مرة من شهور، ندى قدرت تنام وهي حاسة إن فيه حد موجود يحميها.
أما سيف، فكان لسه صاحي، وباصص من وقت للتاني ناحية يونس اللي نايم في سريره الصغير.
كان عارف إن اللي حصل مش هيتصلح بكلمتين اعتذار، وإن استعادة ثقة ندى فيه هتحتاج وقت وأفعال حقيقية.
لكن قرار واحد كان أخده خلاص، ومش هيتراجع عنه:
من النهارده، مفيش حد هيبقى له سلطة على حياة مراته وابنه أكتر منه، ومفيش حد هيقدر يستغل ثقته فيه عشان يأذيهم تاني.
_ بس إيه؟!
سميرة شاورِت بصباعها في وش ندى، وقالت باحتقار:
_ البنت اللي اتربت من غير أم، عمرها ما هتفهم الأصول، ولا هتعرف يعني إيه الراجل يتعب ويشقى عشان بيته!
ندى وطّت راسها، لكن سميرة ما اكتفتش بكده، وكملت كلامها بقسوة:
_ لولا إنك حملتي وجبتي الواد، ما كانش عيلة سيف دخلت واحدة زيك بيتها من الأساس!
لحد اللحظة دي، سيف كان بيتفرج على التسجيلات وهو بيحاول يتمالك أعصابه، لكن الكلام ده كان أكتر من إنه يستحمله.
قفل اللاب توب بعنف، وقام وقف من مكانه.
ندى مسكت إيده بسرعة وقالت بقلق:
_ سيف، إنت رايح فين؟
_ رايح لأمي، عايز أواجهها وأسألها عن الكلام ده.
ندى بصتله، وعينيها مليانة تعب وخوف، وقالت:
_ سيف، عشان خاطري، ما تعملش حاجة وإنت متعصب تندم عليها بعدين.
وقف مكانه، وبص لها شوية، وبعدها أخد نفس طويل وقعد جنبها تاني.
_ عندك حق يا حبيبتي.
فتح اللاب توب من جديد، لكن المرة دي ما رجعش يتفرج على التسجيلات. بدأ ينقل الفيديوهات المهمة على فلاشة خارجية، ويرتب كل ملف حسب التاريخ والساعة، عشان يبقى عارف كل موقف حصل إمتى بالظبط.
وبعد ما خلّص، بعت نسخة لصاحبه المحامي، وطلب منه يعرفه إزاي يحتفظ بالتسجيلات دي بشكل قانوني، وإيه الإجراءات اللي يقدر ياخدها لو احتاج يثبت اللي حصل.
ندى كانت بتراقبه في صمت، وبعد شوية سألته:
_ إنت ناوي تعمل إيه يا سيف؟
رفع عينيه وبصلها بثبات.
_ مش هسيب الموضوع يخلص بشوية زعيق وخلاص.
_ أمال عايز تعمل إيه؟
سيف مسك إيدها، وقال بنبرة حاسمة:
_ عايز أمي سميرة تتحاسب على كل كلمة قالتها ليكي، وعلى كل دمعة نزلت من عينك بسببها.
ندى ما ردتش، لكن سيف لاحظ إن إيديها لسه بتترعش.
ضغط على إيدها برفق، وأضاف:
_ بس أهم حاجة دلوقتي إنك تخفي وترجعي صحتك. الباقي سيبيه عليا.
تاني يوم الصبح
أول ما سيف وصل المستشفى، تليفونه رن. كانت أخته ميرفت.
لسه ما لحقش يقول ألو، حتى سمع صوتها عالي في ودنه:
_ إنت اتجننت يا سيف؟! إيه اللي جرالك في عقلك؟!
سيف عقد حواجبه ورد بهدوء:
_ صباح الخير الأول يا ميرفت. فيه إيه؟
_ فيه إيه؟! إنت تطرد أمك من بيتك يا راجل؟! إنت وصلت لدرجة إنك تهين الست اللي ربتك وكبرتك؟!
_ أمي هي اللي اختارت تمشي يا ميرفت، وأنا ما طردتهاش.
_ ولسه عندك عين تجادل وتكدب كمان؟! أمي اللي شالتك وربتك طول عمرها، تعمل فيها كده عشان خاطر البنت دي؟!
سيف بص ناحية أوضة ندى، ولما اتأكد إنها لسه نايمة، خرج وقف في الطرقة عشان ما يصحيهاش.
وبعدين قال لأخته بلهجة حازمة:
_ اتكلمي بأدب يا ميرفت.
_ هو أنا قلت حاجة غلط؟!
_ ندى دي مراتي يا ميرفت.
ميرفت ضحكت بسخرية وقالت:
_ وماله؟! الستات بتروح وتيجي، إنما الأم ما بتتعوضش يا حبيبي!
سيف سكت ثواني، وبعدها سألها سؤال مباشر:
_ إنتِ عارفة ندى كانت بتاكل وتشرب إزاي طول التلات شهور اللي فاتوا؟
ميرفت ردت ببرود:
_ وأنا مالي بأكلها وشربها؟!
_ ردي عليا، معلش.
ضحكت ضحكة استهزاء وقالت:
_ أمي طفحت الدم عشان تراعيها وتراعي ابنك، هي كانت مستنية إيه أكتر من كده؟!
سيف شد على الموبايل في إيده، وقال:
_ إنتِ عارفة إن أمي ما كانتش بتأكلها غير رز مسلوق وطرشي؟
ميرفت ردت بسرعة ومن غير ما تفكر:
_ وإيه يعني؟!
سيف اتسمر مكانه.
الرد طلع منها بسهولة غريبة، كأن الموضوع عادي جدًا بالنسبة لها.
سألها ببطء، وصوته بدأ يتغير:
_ إنتِ كنتِ عارفة؟
سكتت ميرفت على الناحية التانية، وبعد لحظات حاولت تغيّر كلامها بسرعة:
_ أصل… قصدي إن الست بعد الولادة المفروض تاكل أكل خفيف عشان صحتها.
لكن سيف ما سابهاش تهرب من السؤال.
_ إنتِ من شوية قولتي وإيه يعني؟! يعني كنتِ عارفة من الأول إن أمي بتعامل ندى بالطريقة دي؟
ميرفت فقدت أعصابها وزعقت:
_ أيوه، كنت عارفة! وإيه يعني لو كنت عارفة؟! هي كانت ناقصها إيد ولا رجل؟! هي أول واحدة في الدنيا تتعب وتولد يعني؟!
سيف حس بقشعريرة باردة جرت في ضهره.
ما كانش متخيل إن أخته هي كمان عارفة اللي بيحصل لمراته، ومع ذلك شايفة إن الموضوع عادي وما يستاهلش حتى إنها تعترض.
_ ميرفت!
كانت أول مرة يناديها باسمها كده، من غير ما يقول يا أختي.
ميرفت ردت بعصبية:
_ نعم؟! عايز إيه؟!
_ إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ ناسية إن ندى كانت معرضة لخطر وهي بتولد يونس؟!
_ أهو قامت وزي الفل أهي! حصل لها إيه يعني؟!
سيف قبض على الموبايل بقوة، وفضل ساكت لحظات.
وبعدين قال بصوت هادي، لكنه كان مليان خيبة أمل:
_ أنا فهمت خلاص.
_ فهمت إيه؟!
_ فهمت ليه أمي كانت بتعامل مراتي بالطريقة دي، وفهمت إنتِ كمان كنتِ واقفة فين من كل اللي حصل.
ميرفت كانت لسه هترد وتكمل زعيقها، لكن سيف قفل المكالمة في وشها.
فضل واقف في الطرقة شوية، وبعدها رجع لأوضة ندى.
كان حاسس إن الدائرة اللي حواليه بتتكشف واحدة واحدة، وإن الناس اللي كان فاكرهم أمان ليه ولبيته، كانوا عارفين إن مراته بتتعذب، ومع ذلك محدش فيهم فكر يوقف اللي بيحصل.
بعد الضهر، سيف كان لسه في المستشفى، لما باب أوضة ندى اتفتح فجأة.
دخلت سميرة الأول، ووراها ميرفت، من غير ما يتصلوا أو يستأذنوا حتى.
ندى كانت قاعدة على السرير وبتشرب مية. أول ما شافت حماتها وأخت جوزها، وشها اتغير، وإيديها مسكت الكوباية بقوة من التوتر.
سميرة أول ما شافتها، عليت صوتها وبدأت تزعق:
_ ارتحتي دلوقتي؟! مبسوطة باللي وصلتي له؟!
الممرضة اللي كانت واقفة جنب السرير رفعت راسها باستغراب، وندى حطت الكوباية على الترابيزة وقالت بهدوء:
_ طنط…
سميرة قاطعتها بعنف:
_ ما تقوليش طنط ولا زفت! إنتِ بت شاطرة أوي، بقالك سنتين بس في العيلة، وعرفتي إزاي تقلبي ابني على أمه وتخليه يهينها بالشكل ده!
ميرفت قربت من السرير، وبصت للأوضة الخاصة حواليها بقرف، وبعدها قالت:
_ والله يا ندى، أنا مش فاهمة إنتِ بتفكري إزاي! أوضة لوحدك، وممرضة مخصوص، وأكل دلع، وعايشة عيشة الملكات، وبرضه مش عاجبك وعايزة تنكدي على أمي وتفتري عليها؟!
ندى بصتلهم هما الاتنين. كانت لسه تعبانة، وجسمها ما استردش قوته، وما كانش عندها طاقة تدخل في خناقة جديدة.
قالت بهدوء:



