منوعات

غياب مراتي ج2

حكايات زهرة الربيع

قلت بلهفة وخوف وعرق سرد من جبيني: “أنا.. أنا جوزها.. طمني يا دكتور، مالها؟ هي كويسة؟”

الدكتور بص لي نظرة غريبة فيها شفقة على استغراب شديد، وقال بهدوء: “المدام تعرضت لهبوط حاد جداً في الدورة الدموية وسوء تغذية مزمن، جسمها ضعيف لأقصى درجة ومكلتش بقالها أيام، وواضح إنها نايمة في الشارع.. بس الأهم يا استاذ، إننا لازم نعمل لها الفحوصات اللازمة فوراً، لأن باين على جسمها آثار تعب وإصابات قديمة، والأغرب من كده، إننا واحنا بنكشف عليها عشان نسعفها لقينا معاها شنطة قديمة فيها أوراق ومستندات..”.

سكت الدكتور ثواني وكمل بصوت واطي: “مستندات طبية بتثبت إنها كانت محجوزة في مصحة نفسية وعصبية.. وإنها خرجت منها بطريقة غير منتظمة من سنتين تقريباً!”

هنا حسيت إن جدار الصدمات والتحمل اتهد تماماً فوق دماغي.. مراتي اللي كنت مفكر أنها هربت خوفاً مني ومن غضبي على موت بنتنا، مكنتش هاربة مجرد هروب عادي.. دي كانت هاربة لأن عقلها ودنيتها اتقلبوا جنوناً بعد الحادثة! سافرت، واتهت، وتعبت نفسياً ودخلت مصحة، وخرجت تايهة، وخلّفت بنت تانية سمّتها على اسم بنتنا الراحلة، وعاشت مرمية ومعذبة في الشارع.. وكل ده وأنا كنت في السعودية عايش على وهم أنها “خافت مني”!

وقفت مش عارف أنطق بحرف واحد، عيوني مسلطة على باب الأوضة، وحاسس إن القصة الكبيرة دي لسه مخبية أسرار أبشع وأسود بكتير من اللي سمعته.

دخلت الممرضة ومدير المستشفى ومعاهم فردين أمن، وبصوا لي بنظرات كلها جفاء وتحذير، وقام الدكتور اللي كان مشرف على حالتها وقال بحدة ونبرة رسمية: “يا استاذ سامح، الأمور معقدة جداً، النيابة والشرطة وصلوا بناءً على البلاغات القديمة اللي تخص مراتك، والمستشفى ملزمة قانونياً بتسليمها للجهات المختصة فور استقرار حالتها، لأن عليها قضايا ومحاضر متجمدة من سنين بتهمة الإهمال الجسيم والتسبب في وفاة طفلة”.

كلمات الدكتور نزلت على دماغي زي المطرقة، بصيت ورا ضهره من زجاج باب أوضة الطوارئ، لقيت عسكري شرطة وأمين شرطة واقفين مستنيين بره، والدنيا بتلف بيا أكتر وأكتر. يعني إيه؟ يعني بعد كل العذاب ده، وبعد ما لقيتها مرمية قدام عيني وهي في الموت، أهلي عايزين يدخلوها السجن أو مصحة إجبارية وهي مريضة أصلاً وفاقدة النطق من كتر الصدمة؟!

جريت على الباب وفتحته وطلعت للظابط وأنا أعصابي منهارة، مسكت فيه وبصوت كله رجاء ودموع نازلة غصب عني قلت له: “باشا.. والنبي افهمني، دي مراتي، البنت اللي ماتت دي بنتنا كلنا، وأهلي هم اللي بلغوا في وقت غيابي وهما في حالة صدمة، مراتي مريضة نفسية ومغيبة عن العالم، مش مجرمة! ارجوك استنى عليا شوية لما تفوق ونتفاهم مع النيابة، حرام عليكم ضيعتوا بيتي وعمري!”

الظابط بص لي نظرة فيها شيء من التعاطف بس رد بحزم وقانونية: “يا استاذ سامح، القانون قانون، والمحاضر القديمة دي تسجلت ضدها وهي هاربة، لازم نبلغ الجهات المختصة ونحولها للنيابة أول ما تسترد عافيتها، وبخصوص الطفلة اللي معاها دي، هتتسلم لدار رعاية لحين استكمال التحقيقات”.

ساعتها حسيت إن روحي بتتسحب مني ببطء، بصيت للبنت الصغيرة “حنين” اللي كانت قاعدة على الكرسي متمسكة بجلابيتها وبتعيط بوجع وهي بتقول: “عبي.. هو البوليس هياخد ماما؟ والنبي لا.. والنبي ما تسيبهم يا عمو!”

نزلت على ركبي قدام البنت الصغيرة، وخدتها في حضني رغم كل اللي أنا فيه، وقلت لها بصوت متهدج وغصب عني الدموع بتغرق وشي: “متخافيش يا حبيبتي.. متخافيش يا حنين، والله ما هسيبكم، أنا باباكي.. أنا اللي هحميكم مهما حصل!”

سكتت الطفلة شوية وهي بتبص لي باستغراب وخوف، لكن حضنتني بقوة كأنها لقت طوق نجاة وسط بحر الغرق. في اللحظة دي، اتحركت برجلي البطيئة وفتحت باب الأوضة اللي نايمة فيها “دنيا”، لقيتها فاقت وفتحت عينيها الباهتة وبتدور بعينيها برعب لحد ما شافتني داخل ومعايا الطفلة.

حاولت تقوم بس جسمها الخائر منعها، رفعت إيديها بتوسل وقالت بصوت مكسور ومتقطع: “سامح.. ابوس إيدك احميني.. أنا خايفة.. هما جايين ياخدوني؟ أنا والله ما قتلت بنتي.. والله ما سبتها متعمّدة!”

قربت منها بسرعة، قعدت على كرسي جنب السرير، ومسكت إيديها الباردة المرتعشة وبستها وأنا بقول بدموع حارة وصوت جاد وثابت: “محدش هيقدر يقرب منك يا دنيا.. خلاص، أنا رجعت ومش هسيبك تاني أبداً، لا إنتي ولا بنتنا حنين.. سامحيني على كل لحظة عذاب عشتيها وإنتي لوحدك وأنا مش جنبُك، حقي أنا وأهلي هطلعه، وهنرجع بيتنا مع بعض غصب عن الكل!”

فتحت “دنيا” عينيها على وسعها ودموع الفرحة والخوف اختلطت ببعض، وضغطت على إيدي بقوة كأنها بتستمد مني آخر قطرة حياة.. بس بره الأوضة، كان صوت خطوات العسكري والظابط بيقرب من الباب، وكان لسه في رحلة طويلة ومرعبة مع الحقيقة و100 سؤال عن اللي عمله أهلي في غيابي!

خرجت من الأوضة وأنا عروقي بتغلي من الغضب والوجع، وقفت في وش الظابط بكل حزم وقلت بصوت عالي نسبياً جاب آخر الممر: “يا باشا، المحاضر دي مبنية على أقوال مرسلة وأهلي هما اللي حركوها وأنا في السعودية ومكنش حد في البيت واعي للحقائق! أنا رايح معاكم النيابة حالا ومش هسيب مراتي ولا الطفلة، وهناك هقدم طلبي لإلغاء البلاغات القديمة دي لإثبات إنها كانت مريضة نفسياً ومش في وعيها وقت الحادثة، وإن أهلي كتموا الحقيقة عني!”

 

الظابط بص لي بتقدير لثباتي وقال: “تمام يا استاذ سامح، اتفضل اركب العربية معانا، والمستشفى هتبعت تقرير بالحالة النفسية والجسدية للمدام عشان يرفق بملف التحقيق، والطفلة هتكون تحت رعايتك لحد ما نشوف الإجراءات القانونية.”

ركبت العربية وأنا حاسس إن المعركة لسه في بدايتها، والمرة دي مش مع الغربة ولا مع الشغل، دي مع أهلي.. الناس اللي ربتني ودخلت بيتي وأمنتم على مراتي وبنتي! طول الطريق، “حنين” الصغيرة كانت قاعدة في حضني وراقدة برأسها على كتفي، نامت من كتر التعب والبكاء، و”دنيا” كانت في عربية الإسعاف التابعة للشرطة ومعاها ممرضة.

وصلنا النيابة العامة، ومن لحظة الدخول، حسيت إن جدار الأكاذيب اللي بناه أهلي في غيابي بيتبدد تدريجياً. دخلت قدام وكيل النيابة، وطلعت بصوت متهدج بس ثابت كل الأوراق، وتذكرة السفر القديمة، ورقم تليفوني وسجلات اتصالاتي بأهلي ومراتي، وتقرير المستشفى النفسي اللي بيثبت إن “دنيا” خرجت بطريقة غير منتظمة وإنها كانت تعاني من صدمة عصبية وهلوسة مرضية أدت لانفصالها عن الواقع.

وكيل النيابة بص للأوراق بعناية شديدة، وبعدها طلب استدعاء أمي وأخويا الكبير فوراً للتحقيق معاهم في تهمة “تضليل العدالة، وتلفيق اتهامات كيدية لمريضة نفسية، وحجب معلومات جوهرية في قضية وفاة طفلة”.

الكلمات نزلت زي الصاعقة لما سمعتها من وكيل النيابة.. مش بس مراتي اللي كانت بريئة، دي أمي وأهلي هما اللي تورطوا في مشكلة قانونية كبيرة لمجرد إنهم خافوا من فضيحة أو حبوا يخلصوا من “دنيا” بطريقتهم!

بعد ساعات طويلة من الانتظار والترقب، وصلوا أهلي للمحكمة والنيابة. دخلت أمي وأخويا وهما مرعوبين، أول ما أمي عينيها جت في عيني، وشافتني واقف وجنبي الطفلة الصغيرة “حنين” اللي شبه أختها الراحلة بالضبط، ومراتي اللي خارجة من المستشفى.. أمي انهارت وبكت بصوت عالي وقالت وهي بتعتذر: “يا ابني.. والله كنا بنعمل كده عشان مصلحتك! مراتك كانت متعبة بعد الحادثة وبتهددنا وبتخرف في الشارع، خفنا عليك وعلى مستقبل لما ترجع تلاقي بيتك خارب!”

تحدثت معها بنبرة حازمة وبدقة، وقلت بدموع متحجرة في عيني ونبرة جرحت روحي: “مصلحتي؟! مصلحتي إنكم تدفنوا حفيدتكم وتلفقوا لمراتي قضية وتطردوها في الشارع للموت؟! مصلحتي إنكم تكذبوا عليا وتقولوا طفشت وهي كانت بتموت في الشوارع؟! أنتوا ضيعتوني وضيعتوا البيت كله بأيديكم!”

وكيل النيابة أمر بتحفظ أمي وأخويا لاستكمال التحقيقات في تهم التستر والتضليل، وكتب قراره العادل بالإفراج الفوري عن “دنيا” وتسليمها ليا، وإلغاء كافة المحاضر والاتهامات الباطلة الموجهة ضدها لثبوت مرضها النفسي وقت وقوع الحادثة وعدم أهلقتها الجنائية.

طلعت من مبنى النيابة، وماسك في إيد “حنين” الصغيرة، ومستني عربية الإسعاف اللي نازل فيها “دنيا”. فتحت باب العربية، وبصيت لمراتي اللي كانت بتبص لي بدموع الندم والحب والامتنان. مدت إيدها الضعيفة وقالت بصوت همس: “لسه فاكرني يا سامح؟ لسه قادر تبص في وشي بعد كل الكوارث دي؟”

نزلت على ركبي قدام العربية، وبست إيدها قدام كل الناس، وقلت بصوت حاسم يملؤه اليقين: “إحنا دفنا الماضي يا دنيا، وبنتنا حنين اللي راحت في جنة الخلد عند ربنا، وربنا عوضنا بـ ‘حنين التانية’ وببعضنا.. هنرجع بيتنا، وهنبدأ حياة جديدة من أول وسطر جديد، ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يفرقنا تاني أبداً!”

خرجنا من مبنى النيابة وأنا حاسس إن جبال الدنيا كلها اتشالت من على كتفي، ركبت العربية ومعايا “دنيا” و”حنين الصغيرة”، وتحركنا في سكتنا للبيت القديم.. البيت اللي مكنتش متخيل في يوم إن أبوابه هترجع تفتح تاني بالشكل ده. طول الطريق، الكل كان ساكت، بس السكتة المرة دي مكنتش سكتة خوف ولا وجع، دي كانت سكتة هدوء ما بعد العاصفة، كأننا بنلم شتات روحنا اللي ضاعت في السنين اللي فاتت.

وصلنا قدام البيت، نزلت وفتحت الباب، ودخلت “دنيا” وهي سندة عليا بخطوات بطيئة، عينيها بتلف في أركان الصالة كأنها بتستوعب إنها أخيراً رجعت لمكانها الطبيعي. الطفلة “حنين” جرت في البيت بطفولة وبرائة وكأنها بتستكشف بيتها الجديد، وقفت في نص الصالة بصت لنا وقالت بفرحة طفولية: “هو ده بيتنا يا ماما؟ مش هنمشي تاني في الشارع بالليل؟”

كلمات البنت نزلت زي السهم في قلب “دنيا”، ماقدرتش تتمالك نفسها، فوقعت على ركبتها على الأرض وبكت بحرقة، نزلت جنبها وحضنتها جامد، وطبطبت على ضهرها وأنا بقول بصوت دافئ ومطمئن: “خلاص يا حبيبتي.. مفيش شحططة تاني، مفيش خوف تاني، البيت ده ليكم، ومحدش هيقدر يقرب مننا طول ما أنا عايش”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى