
مونيكا كانت قاعدة ثابتة، لكن إيديها كانت بتتحرك بعصبية فوق شنطتها.
وفي لحظة، المحامي عرض صورة من الإيميل اللي بعتته لنادين، وفيه طلب حذف النسخة القديمة من الملف الرئيسي.
القاضي سأل عن سبب الطلب، ومين اللي وافق عليه.
محامي الشركة قال إن الرسالة ممكن تكون متعلقة بإجراءات تنظيمية عادية، وإن معناها لازم يتفهم في سياقه.
لكن الأستاذ فؤاد رد إننا مش بنطلب الحكم بناءً على رسالة واحدة، وإنما بنطلب فحص مجموعة من الأدلة المتوافقة، وإن الفحص الفني الأولي كشف عن اختلافات تستحق تحقيقًا أوسع.
استمرت الجلسة ساعات.
وفي نهايتها، المحكمة قررت استكمال فحص الأدلة الجديدة، وطلبت مستندات إضافية من الجهات المعنية، وحددت موعدًا لاحقًا لاستكمال النظر في الطلب.
خرجت من القاعة وأنا مش عارفة أفرح ولا أخاف.
مونيكا عدت من جنبي، ووقفت للحظة.
قالت من غير ما تبص لي:
«لسه الموضوع مخلصش.»
رديت بهدوء:
«أنا عارفة. بس لأول مرة، الحقيقة بقت جوه المحكمة، مش محبوسة معايا.»
بصت لي، وللحظة شفت في عينيها خوفًا حقيقيًا.
وبعدين مشيت.
مرت شهور من المراجعات والإجراءات.
كانت فيه أيام أحس فيها إننا مش بنتقدم، وأيام تانية يظهر فيها مستند جديد يفتح بابًا مختلفًا.
الخبير المحاسبي قدم تقريرًا أكثر تفصيلًا عن مسار التحويلات، وأوضح وجود معاملات اتسجلت على إنها تمت بموافقتي، رغم إن البيانات المتاحة لم تثبت بشكل موثوق إني صاحبة التعليمات.
وفي الوقت نفسه، ظهرت مستندات إضافية مرتبطة بصلاحيات الدخول للنظام الإلكتروني للشركة، واتطلب التحقق منها من خلال الجهات المختصة.
الأستاذ فؤاد كان دايمًا بيحذرني من القفز للاستنتاجات.
«إحنا مش بنحاول نثبت إن مونيكا وتريفور وحشين. إحنا بنحاول نثبت الوقائع. لو الوقائع أثبتت إن في حد عدل أو ضلل التحقيق، المسؤولية هتتحدد بناءً على الأدلة.»
كنت بهز راسي، رغم إن قلبي كان عايز يصرخ إنهم فعلًا دمروا حياتي.
لكنني بدأت أفهم إن الحقيقة القانونية لازم تكون أدق من الغضب.
وفي يوم، نادين اتصلت بيا.
قالت إنها كانت بتراجع إيميلاتها القديمة، ولقت رسالة تانية مرتبطة بملفات التحويلات، كانت محتفظة بيها على حسابها الشخصي من غير ما تقصد.
بعتتها للمحامي، اللي طلب منها تحتفظ بالنسخة الأصلية، وما تعدلش فيها أي حاجة.
الرسالة كانت بتوضح إن تريفور طلب منها تجهيز تقريرين مختلفين، واحد للمراجعة الداخلية، وواحد «للاستخدام الخارجي».
لكنها لم تكن كافية وحدها لإثبات الغرض من الاختلاف.
لما شفت الرسالة، حسيت إن قلبي اتقبض.
كنت فاهمة دلوقتي إن اللي حصل مش مجرد قرار مفاجئ من أختي وجوزها.
كان فيه سلسلة من القرارات الصغيرة، كل شخص فيها قرر يسكت أو ينفذ أو يغمض عينه، لحد ما السلسلة دي وصلت بيا للحجز.
في الوقت ده، حصلت حاجة غير متوقعة.
أوبال وقعت في البيت، واتنقلت للمستشفى.
كنت معاها طول الليل، قاعدة جنب سريرها، وماسكة إيدها.
لما فاقت الصبح، أول حاجة سألتني عنها كانت القضية.
«وصلتم لفين؟»
حاولت أضحك.
«حتى وإنتِ في المستشفى، مش بتنسي.»
ابتسمت بتعب.
«مش عايزاكي ترجعي تتنازلي عن حقك عشان تتعبي.»
قلت لها:
«أنا تعبت فعلًا يا أوبال. ساعات بحس إني عايزة أسيب كل حاجة وأعيش في مكان محدش يعرفني فيه.»
مسكت إيدي بقوة رغم ضعفها.
«ولو عملتي كده، مش هتلومي نفسك؟»
سكت.
قالت:
«أنا مش عايزاكي تفضلي تحاربي طول عمرك. عايزاكي تستردي حقك، وبعدها تعيشي. فيه فرق كبير بين إنك تدافعي عن نفسك، وبين إنك تخلي اللي ظلمك يفضل عايش جواكي كل يوم.»
عيني دمعت.
«أنا خايفة أخسر كل حاجة تاني.»
«إنتِ خسرتي حاجات كتير فعلًا. بس لسه عندك نفسك. محدش يقدر ياخدها منك إلا لو إنتِ سلمتيها له.»
قعدت جنبها لحد ما نامت تاني.
وفي اللحظة دي، وعدت نفسي إن حتى لو القضية أخدت سنين، مش هخليها تسرق مني الحياة كلها.
بعد فترة، اتحدد موعد جديد لاستكمال النظر في طلب إعادة النظر.
المرة دي، كانت الأدلة أكتر، والتقرير الفني اكتمل، وشهادة خالد ونادين اتوثقت من خلال الإجراءات القانونية.
في الجلسة، اتعرضت نتائج المراجعة بصورة مفصلة، واتوضح إن بعض المستندات اللي استُخدمت لإسناد التحويلات ليا كانت بتحتوي على اختلافات جوهرية عن السجلات الأصلية.
واتعرض كمان ما يفيد إن بعض المعاملات تمت في أوقات لم أكن فيها قادرة على الوصول إلى النظام المستخدم، وفقًا للبيانات المتاحة، وإن مسألة صلاحيات الدخول محتاجة تقييمًا فنيًا مرتبطًا بكل معاملة.
محامي مونيكا وتريفور اعترض على بعض الاستنتاجات، وقال إن التقرير لا يثبت بمفرده مسؤولية موكليه.
الأستاذ فؤاد وافق إن التقرير وحده لا يحدد المسؤولية النهائية، لكنه شدد على إن مجموع الأدلة الجديدة يغير الصورة اللي اتعرضت في المحاكمة الأولى، ويبرر مراجعة الحكم.
القاضي سألني إذا كنت عايزة أقول حاجة.
وقفت.
إيدي كانت بتترعش، لكن صوتي خرج واضح.
«أنا مش واقفة هنا عشان أطلب شفقة من حد. أنا عايزة فرصة عادلة أقدر أثبت فيها إني مكنتش الشخص اللي اتقال إني هو. أربع سنين قضيتهم وأنا بحاول أفهم إزاي أختي قدرت تبص في عيني وتقول كلام مش حقيقي عني. أنا مش هقدر أرجع السنين دي، ولا هقدر أرجع أبويا للحياة، لكن أتمنى إن محدش تاني يضيع عمره بسبب مستندات محدش راجعها كويس.»
قعدت.
مونيكا كانت بتبص لي.
المرة دي، مفيش ابتسامة على وشها.
القاضي أعلن إن القرار مش هيصدر في نفس اليوم، وإن المحكمة هتراجع كل المستندات والشهادات قبل ما تصدر قرارها.
خرجنا.
كنت حاسة بخليط غريب من الخوف والراحة.
على الأقل، المرة دي، مكنش فيه حد بيطلب مني أسكت.
بعد أيام، كنت في بيت أوبال بجهز الغدا، لما تليفوني رن.
كان الأستاذ فؤاد.
«مريم، القرار صدر.»
إيدي وقفت فوق الحلة.
«قول لي.»
«المحكمة وافقت على إعادة فتح الإجراءات في ضوء الأدلة الجديدة، وقررت إحالة النقاط المتعلقة بالمستندات والتحويلات لمزيد من التحقيق، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمراجعة الحكم.»
غمضت عيني.
«يعني إيه بالنسبة لي؟»
«يعني إننا دخلنا مرحلة جديدة. القرار مش معناه إن القضية انتهت، لكنه معناه إن الأدلة الجديدة اتاخدت بجدية، وإن فيه أساس قانوني لاستكمال مراجعة إدانتك.»
حطيت إيدي على الترابيزة عشان ما أقعش.
كنت مستنية حكم نهائي، لكن اللي حصل كان أكبر من أي خطوة كنت أتخيلها بعد خروجي من الحجز.
أوبال خرجت من أوضتها على صوتي.
لما شافت دموعي، سألتني:
«إيه اللي حصل؟»
حضنتها.
«فتحوا القضية من جديد يا أوبال.»
فضلت ساكتة لحظة، وبعدها حضنتني بقوة.
«الحمد لله يا بنتي. الحمد لله.»
عيطت في حضنها زي طفلة.
لأول مرة من أربع سنين، حسيت إن الدنيا مش كلها أبواب مقفولة.
لكن مونيكا ما استسلمتش.
بعد أيام، تريفور قدم بلاغًا مضادًا، اتهمني فيه بمحاولة تشويه سمعة الشركة والتأثير على الشهود.
الأستاذ فؤاد اتعامل مع البلاغ رسميًا، وقدم ما يثبت إن التواصل مع الشهود تم من خلال الإجراءات القانونية، وإن المستندات اتقدمت للجهات المختصة، مش على وسائل التواصل.
ورغم إن البلاغ ما غيرش مسار مراجعة القضية، إلا إنه كان تذكيرًا واضحًا إن المعركة لسه طويلة.
في مساء يوم، وأنا راجعة من شراء حاجات للبيت، لقيت مونيكا واقفة عند البوابة.
كانت لوحدها.
أول ما شافتني، قالت:
«عايزة أتكلم معاكي.»
وقفت على مسافة منها.
«لو عندك كلام، قولي للمحامين.»
«أنا أختك يا مريم.»
بصيت لها، وحسيت إن الجملة دي بقت غريبة على ودني.
«إنتِ افتكرتي إنك أختي دلوقتي؟»
دموع ظهرت في عينيها، لكني ما كنتش عارفة إذا كانت دموع ندم ولا خوف.
«أنا كنت تحت ضغط. تريفور قال لي إن الشركة هتنهار لو اعترفنا بالمشاكل اللي في الحسابات. قال لي إن كل حاجة ممكن تتصلح بعدين.»
«فقررتي تخليني أنا أدفع الثمن؟»
هزت راسها بسرعة.
«أنا مكنتش متخيلة إنك هتاخدي أربع سنين.»
ضحكت بمرارة.
«إنتِ كنتِ واقفة في المحكمة يا مونيكا. سمعتي الحكم. سمعتي القاضي وهو بيقول إني هدخل الحجز. وكنتي تقدري تقولي الحقيقة في أي لحظة.»
غطت وشها بإيديها.
«أنا خفت.»




