
أنا ما شفتش قدامي.. الشيطان عمى عيني، والخوف من إن سميرة تمشي وتسيبني طير عقلي وقبل ما بنتي تكمل كلامها، أيدي اترفعت وضربتها بالقلم على وشها!
أول قلم يلمس وش بنتي في حياتها..
البنت وقعت على الأرض من الصدمة. وانا صرخت فيها : “ادخلي أوضتك وما أشوفش وشك تاني يا قليلة الأدب!”.
سميرة وقتها هديت، وابتسمت ابتسامة نصر، وجات حضنتني وقالتلي: “كده انت راجلي وسندي”. ومامشيتش. بس أنا في اللحظة دي، ولما بنتي قامت من على الأرض وبصتلي.. شفت في عينيها كسرة.. كسرة عمري ما شفتها منها ومشيت ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح.
فضلت بنتي جوة الأوضة تلت أيام بلياليهم.
لا خرجت، ولا فتحت الباب، ولا قطمت لقمة، ولا راحت جامعتها. كنت أعدي أسمع صوت المية شغال في الحمام ويرجع يسكت، أقول في نفسي: “بكرة تروق، بكرة تتعدل، “.
في اليوم الرابع، ضميري تعبني وحسيت بتقل في صدري مش طبيعي. قلت خلاص لازم أدخل للبنت أطيب خاطرها بكلمتين وأجيب لها أكل.
سميرة كانت قاعدة تتفرج على التلفزيون ومقضياها ضحك، وأنا مشيت بخطوات تقيلة ناحية أوضتها. خبطت على الباب.. محدش رد.
“يا بنتي.. افتحي يا حبيبتي، أنا بابا”.
برضه مردتش.
حاولت ألف أكرة الباب فتفتح على طول دخلت الأوضة.. واللي شفته جوة كان مصيبه صدمة قسمت ضهري نصين !!!!
لقيت الأوضة فاضية تماماً من أي حركة، وشباكها مفتوح والهواء البارد بيدخل منه. على السرير… مكنش فيه غير شهادة ميلادها، وصورة مامتها الله يرحمها، وورقة صغيرة مكتوبة بخط إيدها المرتعش:
«يا بابا… أنا مش زعلانة منك إنك ضربتني، ولا زعلانة إنك فضلتها عليا… أنا زعلانة عشان كنت سندي، ولقيتك في لحظة كسرتني. أمي كانت دايماً بتقولي إني حتة منها، ودلوقتي أنا رايحة لها، عشان مفيش مكان ليا معاكم. سامحني… يمكن لما أموت ترتاح وتعيش مبسوط مع مراتك».
جريت على الشباك بجنون، وبصيت لتحت… الشارع كان هادي جداً، والناس متجمعين بعيد شوية حوالين سور العمارة الخلفي.
البيت كله اتقلب في ثواني. جريت على تحت زي المذعور، ورجلي ما كانتش شايلاني، وسميرة نزلت ورايا وهي بتبرر لنفسها وبتقول: “أنا… أنا ما عملتلهاش حاجة، دي هي اللي دلوعة وبتستعطفك!”.
مسمعتش منها حرف واحد. لما وصلت تحت، لقيت الإسعاف والناس… بنتي كانت طايرة من فوق، وسايبالي وجع عمري كله.
أخدتها في حضني للمرة الأخيرة، وكان جسمها لسه دافي، بس روحها كانت طلعت لخالقها… وطلعت معها كل ذرة أمل في حياتي. الأيام اللي بعد كده كانت كابوس طويل ومقبرة حية. سميرة حاولت تقعد معايا في الأول وتقولي “البقاء لله، معلش قدر الله وما شاء فعل”، بس بصيت لها نظرة حسستها إن الموت هيمشي في البيت كله. في نفس الأسبوع، طردتها برا البيت من غير ما أخد رأيها في كلمة، ورجعت لأهلها مذلولة، ورميت وراها طلقاتها التلاتة.
بقيت لوحدي في الشقة الواسعة… قاعدة على الكنبة جنب أوضتها المتقفلة، لا معايا “حب عمري” ولا معايا حتة مني اللي ضيعتها بغبائي. كل اللي كسبته من طماعي وضعفي هو الندم الأبدي… بقيت أصحى كل يوم على صوت صدى صوتها وهي بتقولي “ليه يا بابا؟”، ومفيش رد أقوله غير الدموع اللي بتنزل تاكل في روحي لحد ما أموت وراها.
الجزء الثالث: ما بعد السقوط
جنازة بنتي ما كانتش مجرد تشييع لجثمان، دي كانت تشييع لروحي وأيامي وكل حاجة حلوة عشتها. الشارع كله كان مقهور، والناس كانت بتبصلي بنظرات مفيهاش حتى عتاب، نظرات شفقة تذبح الواحد أضمن من ألف سيف. أعمامها وخوالها جم، وقفوا معاي في الشارع كأنهم بيودعوا ريحة أختهم وأمهم، بس من غير ما واحد فيهم ينطق بكلمة معايا. نظرة عيونهم كانت بتقول: “إنت اللي قتلتها بيدك.. إنت اللي بعتها عشان ست رخيصة”.
خلص العزا، والناس مشيست، ورجعت الشقة.
الشقة اللي كانت يوم مليانة بحسها، بصوت ضحكتها، بصوت كتبها وهي بتذاكر، بقت قبر واسع. دخلت أوضتها… ريحتها لسه متعلقة في الحيطان، على الهدوم، على وسادتها اللي سابت عليها دمعة أخيرة. فتحت الدرج وطلعنا مذكراتها القديمة. قعدت على الأرض حاضن الكراسة، وبدأت أقرأ كلام نزل على قلبي زي السكاكين:
“اليوم بابا زعقلي عشانها للمرة الألف.. مش زعلانة، بس مستغرببة، هو إزاي نسى أمي بالسرعة دي؟ إزاي وافق إن واحدة تانية تهيني في بيتي؟ يا رب، لو الوجود هنا بقى تقيل عليا، خدني عندك، أرتاح من القهرة دي، ومن أبويا اللي مبقاش شايفني.”
قعدت أيام وليالي مش بعرف النوم. الأكل طعمه مر، المية تقيلة في زوري، والعقل الباطن ما بينامش.. كل ثانية الشريط بينعاد قدامي: ضحكة سميرة وهي منتصرة، قلمي اللي نزل على وش بنتي، بقعة الدم على الأسفلت، وورقتها الأخيرة اللي بتقول فيها “أنا رايحة لأمي”.
سميرة حاولت ترجع، بعتت ناس تكلمني عشان نتفاهم، وعشان “نكمل حياتنا” بعد ما الغمة تزول! جالي أهلها يهددوني ويقولولي “مراتك ملكش حق تطردها كده”، فخرجت لهم بكل ذرة جبروت وقهر متبقية فيا، ورميت في وشهم يمين الطلاق التلاتة وأنا بصرخ فيهم:
— براااا! اغوروا أنتوا الاتنين من وشي! أنتوا السبب في اللي أنا فيه! براااا!
هربوا قدامي زي الأشباح، ومن يومها مبقاش يهمني لا فلوس، ولا دنيا، ولا ستات، ولا حتى نفسي.
بعت الشقة بكل ما فيها، وساكن دلوقتي في أوضة صغيرة، على قد ما تاخدني. كل اللي بملكه في الدنيا دي صورة بنتي وصورة أمها، حاطتهم قدامي على التربيزة، وقاعد مستني يوم الحساب.. يوم ما أروح وأقف قدام ربنا، وأقابل بنتي، وأقولها: “أنا أسف يا بنتي.. حقك عليّا، أنا عارف إني ما استاهلش الجنة، بس كل اللي تمناه إني أخد جزائي عشان أرتاح من عذاب الضمير اللي بياكل في روحي كل ثانية”.
دنيا غدارة.. كسبت فيها وهم، وضيعت فيها حتة مني اللي ما يتوضمش بعمره كله.



