Uncategorized

ابويا اتجوز الي بيحبها ج 2

الجزء الرابع:

المرآة اللي قدامي في الأوضة الضيقة دي بقت عدوي الأول. كل ما أبص فيها، م بشوفش وشي، بشوف وش راجل خان الأمانة، وباع حتة من روحه عشان رضوة وهمية لست ما تستاهلش.

الناس في الحتة الجديدة ميعرفوش عني حاجة. فاكرين إني راجل عجوز مقطوع من شجرة، عايش في حاله. ميعرفوش إن جوه الجدران دي، في محكمة تانية قايمة جوه دماغي كل ليلة. الساعات بتمشي ببطء شديد، والدقائق بتعدي كأنها سنين.

في ليلة من اللילות، وكان المطر بينزل بغزارة برة، خبط البطانية على جسمي المهزول، وفتحت درج الترابيزة وطلعت ورقتها الأخيرة. قرأتها للمرة المليون، لحد ما الحروف كادت تحفر في الورقة من كتر الدموع اللي نزلت عليها.

وفجأة… حسيت بصوت خفيف جاي من الصالة.

صوت خطوات… نفس الصوت الخفيف اللي كنت بأسامعه زمان وهي راجعة من كليتها متأخرة وخايفة تصحيني.

قلبي نط في صدري، وعرقي سرد بغزارة. قمت من على السرير مرعوب، رجلي بتترعش ومش شايلاني. فتحت باب الأوضة ببطء شديد، وبتلفت في النور الخافت اللي جاي من الشارع.

— مين؟.. مين هنا؟!

الخطوات وقفت عند طرابيزة السفرة القديمة اللي نقلتها معايا — الطرابيزة اللي كانت بتذاكر عليها.

وقفت قدام باب الصالة، وعيوني مزغللة من الدموع. شفت طيف… طيف خفيف لأبيض شفاف، واقف جنب الكرسي، وباصص لي بنظرة هادئة… مفيهاش عتاب، ومفيهاش قسوة، نظرة مليانة بالحنين اللي كنت محروم منه.

بصيت لها ورميت نفسي على الركبتين، وصرخت بصوت مسحوب من جوه روحي:

— سامحيني يا بنتي! والله العظيم كنت أعمى! كنت خايف أضيع، فضعت أنا وضيعتك معايا! سامحيني.. أرجوكي قولي إنك مسامحاني!

الطيف فضل واقف مكاني ثواني معدودة، كأنه بيقبل اعتذاري، وبعدين بدأ يذوب ببطء مع ضوء الفجر الأول اللي كان بيبتدي يشق عتمة الليل.

مديت إيدي في الهواء، كأني بحاول ألمس طرف هدومها، بس مفيش غير الهوا البارد وصدى صوتي وهو بيتردد في الحوائط الخالية.

قعدت على الأرض، ولميت نفسي وحضنت ركبتي، وحسيت بحاجة غريبة أول مرة أحسها من يوم ما ماتت: هدوء مؤقت دخل قلبي. كأنها نزلت عشان تقول لي: “أنا مرتاحة يا بابا.. ارتاح إنت كمان واستنى ميعادنا”

من الليلة دي، بقيت أحسب أيامي بسكوت وصبر. مبقتش أخاف من الموت، بالعكس، بقيت مستنيه بفارغ الصبر، عشان أروح أخدها في حضني، وأطلب السماح بجد قدام ربنا، وهناك… مفيش سميرة، ومفيش دنيا كدابة، في بس أب وبنته، هيلم شملهم

الجنة من جديد.

الجزء الخامس: النور الأخير

السنين بعد الليلة دي مكنتنيش من نسيان الوجع، لكنها بدت تسرق مني بقية الصحة والعافية. الجسم اللي هده الندم، والقلب اللي اتكسر ألف حتة، مبقوش قادرين يشيلوا أكتر من كده.

بقيت عاجز عن الحركة معظم الوقت، نايم على السرير الصغير في الأوضة المقطوعة دي، ومفيش أنيس ليا غير صورتها وصورة أمها على الكومودينو جنب راسي. كنت بكلمها كل يوم كأنها قاعدة قدامي، بحكي لها عن تفاصيل يومي، وباعتذر لها عن كل دمعة نزلت بسبب ضعفي وطمعي في دنيا فانية.

في يوم جمعة، والشمس كانت دافية وبتدخل من شباك الأوضة الصغير، حسيت ببرودة غريبة بتسري في أطرافي. حسيت إن أنفاسّي بتضيق، وإن الرحلة الطويلة والمرة دي خلاص قربت من خط النهاية.

قفلت عيني بتعب، والدنيا حواليا بدأت تتهادي وتطفي ضواها تدريجياً.

وفي وسط الغشوة دي، حسيت بنور دافئ… نور مش من عالمنا. فتحت عيني، فلقيت الأوضة الضيقة اتحولت لبهو واسع كأنه جنة من جنان ربنا. وشفتها… شفت بنتي واقفة قدامي، لابسة الأبيض، وبتضحك لي نفس الضحكة القديمة اللي كانت بتنور بيتي زمان، ووراها أمها واقفة مبتسمة ومطمنة.

بنتي مدت إيديها ليا، وقالت بصوتها الصافي اللي كنت بتمناه:

— يلا يا بابا.. تعالي، أنا استنيتك كتير.

نزلت دمعة أخيرة من عيني، بس المرة دي مكنتش دمعة وجع، دي كانت دمعة راحة وخلاص. فتحت دراعاتي ليها، وسيبت الدنيا وما فيها ورا ضهري.

في اللحظة دي، طلعت روحي لخالقها، وراحت تطلب الرحمة والسماح، وتلم شمل العيلة اللي تشتت في الدنيا، بس ارتبطت للأبد في النور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى