روايات وقصص

حكايات ندي الجمل ج3

مرت السنة الأولى على ولادة ابني “حمزة”، اللي كان بجد نور حياتي وعوض ربنا الكبير عن كل وجع وكسرة قلب دوقتهال. قعدت في بيت أمي، وبفضل الله، ثم دخل المحل اللي أجّرته، ومعاش أمي، وشغلي في التطريز اللي بدأ يوسع ويعمل اسم معروف بين زبائن المنطقة، بقيت مستقلة مادياً ومش محتاجة حاجة من مخلوق.

أمي كانت قاعدة جنبي، بتضحك وتلعب مع حمزة اللي كان ملاك الشقة، وحركتها البسيطة على كرسيها المتحرك ماكانتش مانعة إنها تكون حضننا الدافئ وسندنا الروحي. أما الناحية التانية.. فكانت العاصفة بتضرب في بيت إخواتي وطليقي: * محمود اترفد من شغله الأساسي بعد ما الشركة اكتشفت إنه متورط في قضايا تلاعب وضغط تخص مصالح ناس تانية، ومراته سابته وخدت عيالها وطلبت الطلاق لما لقت الديون تراكمت عليه.

نهى دخلت في مشاكل جوزها اللي خسر مشروعه كله بسبب طمعه، وبقت تلف على المحاكم والديون ملاحقاها من كل اتجاه. * أحمد.. طليقي، بعد ما أمه نوال زنّت عليه وطلقني طمعاً في المحل، لقى نفسه لا طال غنيمة ولا حتى مراته وابنه.
نوال نفسها أصابها المرض والوحدة، وبقى أحمد شغال ليل نهار عشان يصرف عليها وعلى ديون خلقتها دماغه الطماعة. وفي يوم، كنت قاعدة الصبح بشرب كوباية الشاي، وجرس الباب رن.

فتحت الباب، وهنا كانت المفاجأة اللي ماكنتش أبدًا أتوقعها في يوم من الأيام…لقيت “أحمد” واقف قدامي.. بس شكله كان مكسور، شعره ابيض، وعيونه دبلانة وفيها كسرة عمر، وراه أمه نوال قاعدة على كرسي متحرك مؤقت بسبب تعب في رجلها، وماسكة في إيده وبتعيط بدموع الندم.

أحمد بص في الأرض، وقال بصوت مهزوز ومرتجف:ـ ازيك يا سلمى.. ازيك يا أم حمزة.

أنا عارف إني ما استاهلش حتى أقف قدام بابك، ولا أطلب منك تبصي في وشي.. بس.. بس أنا جيت عشان أقولك كلمتين، وأمك سامعة وشاهدة. نوال بصتلي وقالت بصوت مكسور ودموعها نازلة على خدها:ـ سامحينا يا بنتي.

. إحنا اللي جنا على نفسنا، الشيطان عمى قلوبنا وطمعنا في الحلال.. ابني اتهد، وأنا رجلي تعبت ومبقاش ليا حد في الدنيا غير ربنا ثم إنتِ..

بالله عليكِ تسامحينا، ومش عايزين منك أي حاجة، بس شوفيلنا ابنك، نفسي أشوفه وأحضنه قبل ما أكمل عمري!بصيت لهم وأنا حاسة ببرود غريب جوّايا.. مكنش فيه شماتة، بس كان فيه سلام نفسي رهيب.

حسيت إن كل دمعة نزلت مني زمان، ربنا ردها لي عِز وكرامة وستر. دخلت أمي على كرسيها من جوه، وقفت في الصالة، وبصت لأحمد وأمه وقالت بصوت هادئ وفيه حكمة السنين:ـ يا أحمد.

. البني آدم اللي بيمشي وراء طمعه وأمه اللي ما بتتقيش ربنا، بيخسر كل حاجة.. بنتي ما قفلتش بابها في وش حد، بس اللي زيكم محتاج يتعلم الدرس صح. سلمى كبرت وبقت ست مليون راجل، وابنها حمزة مش هيتربى غير على العزة والكرامة.

بصيت لأحمد وقلت بهدوء وثبات:ـ يا أحمد، ربنا يسامحك على اللي عملته معايا وأنا حامل، وعلى طردتك لينا.. المحل بتاع أبويا والميراث وكل حاجة رجعت لأصحابها بقوة القانون، وأنا عافيت عنكم.

. بس رجوع لبعض.. خلاص، الصفحة دي اتقفلت للأبد، وكل واحد يكمل طريقه. أحمد نزل راسه ودموعه نزلت على هدومه، ونوال فضلت تعيط بندم، ولفوا وراجعوا في السلم بخطوات كلها خزي وعار. قفلت الباب بهدوء، رجعت لأمي، شيلت حمزة الصغير اللي كان بيضحك لي بابتسامة بريئة، وبوست جبينه، وبصيت لأمي وقلت لها من جوة قلبي:ـ الحمد لله يا أمي.

. حقنا رجع، واحنا مع بعض، ومفيش قوة في الأرض تقدر تكسرنا بعد اليوم.

قبل ما الأيام تكمل دورتها وتثبت لكل واحد مكانه الحقيقي، كان لسه فيه صفحة أخيرة لازم تتطوي، ودرس أخير لازم يوصل لمحمود ونهى، اللي فضلوا لحد اللحظة الأخيرة فاكرين إن الطمع ممكن يرجع لهم اللي خسروه.

بعد ما أحمد وأمه مشيوا بحالة الكسر والندم، ورجعت قفلت بابي على أمي الغالية وحمزة ابني، حسيت إن البيت بقى مليان بركة وهدوء مكنش موجود من سنين.

بس الهادي ده ماطولش كتير، لأن التليفون رن بصوت مزعج كسر سكون البيت. رفعت السماعة، وكان المحامي بتاعي اللي بصوت كله حماس وحيوية قالي:ـ مدام سلمى، مبروك للمرة التانية! النهاردة صدر الحكم النهائي والبات في قضية الحجر والتشهير اللي رفعها أخوكي محمود.

. المحكمة مش بس رفضت دعواه، دي حكمت عليه بغرامة مالية كبيرة جداً، وبتعويض لصالِحك بتهمة “البلاغ الكاذب والإساءة والتشهير”، ده غير إن النيابة فتحت تحقيقات تانية في التلاعب اللي عمله في شغله القديم!

نزلت الجملة على وداني كأنها مقطوعة موسيقية بتعلن انتصار الحق. شكرت المحامي، وقفلت التليفون وأنا باصة لأمي اللي كانت متابعة بقلبها عيونها اللامعة بالدموع، وقالت لي بصوت دافي:ـ شفتي يا بنتي؟ دعوة المظلوم ملهاش حجاب بينها وبين ربنا.

. ربكمه ما بيسبش حق حد أبداً. بعدها بساعات، جالي اتصال تالت، بس المرة دي من أختي “نهى”.لأول مرة من سنين طويلة، سمعت صوت نهى مكسور، منهار، وبتعيط بانهيار وهي بتقول:ـ سلمى.

. بالله عليكِ يا سلمى الحقينا.. محمود تم التحفظ عليه في الشغل بسبب قضايا النصب والديون، ومراته طردته في الشارع، وأنا.. أنا جوزي طردني ورماني عند خالتي بعد ما بيتنا اتخرب والحجز اتفوق على كل حاجة.. إحنا ملناش غيرك، تعالي طلعينا من المأزق ده، بالله عليكِ كلمي المحامي يساعدنا!

سمعت كلامها، وقلبي حس بغصة، مش شماتة والله، بس بحسرة على ناس ضيعوا نفسهم بإيدهم. سكت ثواني، وبعدين قلت لها بصوت هادئ ومحايد جداً:ـ يا نهى.

. أنا مش ربنا عشان أحاسبكم، ولا أنا قاسية للدرجة دي.. بس افتكري كويس مين اللي باع مين؟ مين اللي جاب الشرطة والنيابة لأخته الحامل في أختها وأمها؟ ومين اللي كان عايز يطردني أنا وأمي عشان يسرق تعب أبونا؟

أنا يا نهى مش هقدر أساعدكم في قضايا قانونية ولا أتدخل في خراب أنتم صنعتوه بإيديكم.. بس نصيحة لله، توبوا لربنا، وابدأوا من جديد، يمكن ربنا يغفر لكم.

. سلام يا نهى. قفلت التليفون، وقطعت الاتصال تماماً، وقررت إني أفتح صفحة جديدة صافية خالية من أي حقد أو غل، وأركز كل طاقتي في تربية ابني “حمزة”، ورعاية أمي اللي ضحت بعمرها عشانا، وبقيت أنا سندها وقوتها في آخر أيامها.

(عدت السنين، وبقى “حمزة” عنده خمس سنين. كان شعره الكيرلي وعيونه اللامعة هما ضحكة البيت كله.

بقى سند أمه وجده الصغير، وكلما يشوف جدته الحاجة فاطمة قاعدة على كرسيها المتحرك، يجري عليها يحضنها ويبوس إيديها ويقول لها: “أنا هكبر يا ستو وأبقى دكتور عشان أصلح لك رجليكي وتجري معايا!”، وكانت أمي تضحك من قلبها لحد ما دموعها تنزل، وتقول له: “إنت أكبر وأعظم عوض من ربنا يا قلب ستك”.

أما عني أنا، فبفضل الله ثم ثباتي، بقيت أرأس ورشة خياطة وتطريز خاصة بيا، ومحلي في وسط البلد بقى بيحقق دخل كبير ومستقر، ومبقيتش محتاجة مساعدة من مخلوق. حققت كل ده بدراعى وبصبري وبركة دعوة أمي، ولقيت إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

وفي يوم الجمعة، كنت واقفة في البلكونة بشرب كوباية القهوة الصباحية، وهوا الربيع الجميل بيلاعب شعري، بصيت للشارع، ولقيت راجل ماشي ببطء شديد، لابس هدوم مقطوعة، ورافع عينه بحزن وكسرة بيبص على البلكونة بتاعتنا.

كان “أحمد”.كان ماشي معتم على عصاية، شعره ابيض خالص، ووشه دبلان كأن سنين العمر جارت عليه فجأة. وقف ثواني، بص لي نظرة طويلة مليانة ندم وعتاب لنفسه، وبعدين نزل راسه وكمل طريقه في الشارع وهو بيكرجل رجليه.

حسيت بغصة خفيفة في قلبي، مش حب ولا حنين، بس شفقة على إنسان اختار الطمع والظلم وضيع بإيده جنة كانت في إيده، ومراته وابنه اللي كانوا هيملوا عليه دنيته.

دخلت الأوضة، لقيت أمي نايمة في سريرها في هدوء وسلام تام، على وشها ابتسامة رضا مفيش بعدها كلام. قربت منها، عدلت لها الغطاء، وقبلت راسها بحب.

وفي اللحظة دي، دخل حمزة جاري وماسك في إيده رسومات ملونة، وقال بفرحة:ـ ماما! بصي رسمت إيه؟ رسمت أنا وإنتِ وستو في بيتنا الكبير الجميل!

حضنت حمزة جامد، وبصيت لصور بابا الله يرحمه المعلقة على الحيطة، حسيت إن الدائرة انقفلت، وإن كل دمعة نزلت، وكل وجع دوقته، وكل خذلان عشته، كان مجرد اختبار صغير عشان أوصل للنقطة دي.. نقطة الأمان، والكرزة، والعزة، وحب ربنا اللي ما بيسيبش مظلوم أبدًا.

الحياة مش دايمًا بتدينا بداية سهلة، بس لو عرفنا نمسك في أصلنا، وبر بآبائنا، وحقنا اللي ما بنفرطش فيه.. النهاية دايمًا بتكون لينا، وبتكون أجمل بكتير مما نتخيل.(تمت بحمد الله)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى