روايات وقصص

كلب ع الطريق

روايات مشيرة محمد

كانت بتنام عند واحدة صاحبتها، والطفل معاها، لكن صاحبتها رفضت وجود برعي في الشقة.
نجلاء قالت
برعي كان الوحيد اللي بيحسسني إني مش لوحدي. كان بينام جنب ياسين، ولو الطفل عيط يقوم يجري عليه. حتى لما كنت بخرج أشتري حاجة، كان يفضل واقف قدام سريره.
سألتها
طب ليه حطيتي الطفل في الشنطة؟
انهارت في العياط.
أنا ماكنتش عايزة أسيبه! والله ماكنتش عايزة!
سكتت شوية، وبعدها كملت
جوزي عرف مكاني، وبعتلي رسالة إنه جاي ياخد ياسين. كنت مرعوبة. اتصلت بأخويا، لكنه ما ردش. خرجت بالطفل وبرعي، وفضلت ماشية لحد ما تعبت. كنت فاكرة إني هلاقي عربية تاخدني لمكان بعيد.
وبعدين؟
لقيت الشنطة القديمة في عربية صاحبة ليا، كنت واخداها منها. حطيت فيها بطانية وياسين، لكن سيبت فتحة للهواء. وكتبت الورقة، وقلت لو حصل لي حاجة حد يلاقيه.
سمر كانت واقفة جنب الباب، ودموعها نزلت من غير ما تحس.
نجلاء كملت
كنت ناوية أرجع آخده بعد ما أتأكد إن الطريق آمن. لكن تعبت ووقعت، وخفت أرجع فيلاقيني حازم. برعي فضل جنبه، وأنا كنت عارفة إنه مش هيسيب حد يقرب منه بسهولة.
قلت لها
يعني إنتِ اللي طلبتي من برعي يحميه؟
هزت راسها.
قبل ما أمشي، حضنته وقلتله خليك جنب أخوك يا برعي. ماتسيبوش لوحده.
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
الكلب ماكانش بيحمي شنطة.
كان بينفذ آخر طلب من الإنسانة اللي بيحبها، وبيحمي الطفل اللي اتربى معاه.
لكن لسه كان فيه سؤال مهم.
طب ليه ما رجعتيش للطفل؟
ردت بصوت مكسور
حاولت أرجع، لكن حصلتلي حالة إغماء في الطريق، والناس نقلتني المستشفى. ولما فوقت ماكنتش عارفة أبدأ أدور فين.
طمّنتها إن ابنها بخير، ووعدتها إننا هنساعدها في الإجراءات القانونية اللازمة لحمايته.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
بعد يومين، وأنا موجود في المركز، جالي اتصال من شريف.
قال بصوت مستعجل
يا محمود، تعالى بسرعة. فيه واحد واقف قدام المركز، وبيقول إنه صاحب الكلب والطفل.
مين؟
حازم… جوز نجلاء السابق.
وصلت لقيته واقف قدام البوابة، وبيزعق
أنا عايز ابني! والكلب ده ملكي، ومن حقي آخده!
طلبت منه يدخل، وبدأت أتكلم معاه.
قلتله
إنت كنت فين طول الفترة اللي فاتت؟
رد بعصبية
دي مشاكل عائلية، وإنتوا مالكوش دعوة.
وإزاي طفل رضيع يتساب في شنطة على الطريق؟
أنا ماليش علاقة بالكلام ده. أنا عايز ابني وبس.
كان واضح إنه بيحاول يسيطر على الموقف بالصوت العالي.
لكن لما وريته صورة برعي، اتغيرت ملامحه.
قال بغضب
الكلب ده؟! ده كلب بتاعي، وأنا هآخده النهارده!
سألته
إنت كنت بتعامله إزاي؟
هو كلب، يعني أعمله إيه؟!
قلتله
الكلب ده كان ممكن يموت من الجوع والعطش، ومع ذلك رفض يسيب الطفل.
رد بسخرية
وأنا مالي؟ ده حيوان!
في اللحظة دي اتأكدت إن المشكلة أكبر من مجرد خلاف عائلي.
تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وإحالة البلاغات والتحقيقات للجهات المختصة، مع فحص أقوال نجلاء والشهود وكل التفاصيل المتعلقة بتهديداتها السابقة.
وبعد أيام، اتسمح لنجلاء تشوف ابنها في إطار الإجراءات الرسمية.
دخلت أوضة المستشفى، وياسين كان نايم في سريره الصغير.
أول ما شافته، حطت إيديها على بقها وبدأت تعيط.
ياسين… يا حبيبي… ماما رجعتلك.
شالته وحضنته، وفضلت تبوس في وشه الصغير.
لكن المفاجأة إن الطفل أول ما سمع صوتها، بدأ يحرك إيديه ورجليه ويبتسم.
سمر كانت واقفة جنبي وقالت
الحمد لله إنه رجع لحضن أمه.
بعدها أخدنا نجلاء لمركز رعاية الحيوانات.
كان برعي لسه بيتعافى، لكنه بدأ يستعيد وزنه وحيويته.
أول ما نجلاء دخلت، الكلب رفع راسه.
فضل يبصلها ثواني، وكأنه مش مصدق إنها قدامه.
وبعدين قام رغم تعبه، وبدأ يهز ديله بسرعة.
نجلاء نزلت على الأرض وفتحت دراعها.
برعي… يا حبيبي!
جري عليها، وحط راسه في حضنها، وبدأ يلحس إيديها ووشها.
نجلاء فضلت تعيط وهي بتقوله
سامحني يا برعي… سامحني إني سيبتك لوحدك.
لكن برعي ماكانش مهتم بأي حاجة غير إنه أخيرًا شافها تاني.
بعدها جابوا ياسين، وأول ما نجلاء قربته منه، الكلب بدأ يشم الطفل بحذر.
وبعدين حط راسه جنب رجله الصغيرة.
ياسين
مد إيده ولمس ودنه.
وفي اللحظة دي برعي هز ديله، وغمض عينيه.
سمر بصتلي وقالت
فاكر لما الناس قالت لازم يتقتل لأنه خطر؟
ابتسمت وقلت
أيوه.
قالت
لو كنا حكمنا عليه من أول نظرة، كان طفل بريء ممكن يموت، وكان كلب وفيّ هيتعاقب على إخلاصه.
بعد فترة، نجلاء بدأت ترتب حياتها من جديد، وأخوها ساعدها في إيجاد شغل وسكن مناسب، واتعملت الإجراءات اللازمة لضمان أمانها وأمان ابنها.
أما برعي، فبقى فرد أساسي في العيلة.
لكن الحكاية دي علمتني درس عمري ما نسيته.
بعد حوالي شهر، كنت معدي من نفس الطريق اللي لقينا عليه الشنطة.
وقفت العربية في نفس المكان، ونزلت وبصيت للسور اللي كان برعي واقف جنبه.
افتكرت عينيه وهو عطشان، ورجليه اللي كانت بتترعش، وإصراره إنه ما يسيبش الشنطة مهما حصل.
وقتها رن تليفوني.
كانت سمر.
قالت وهي بتضحك
محمود، عندي ليك خبر حلو.
خير؟
برعي بقى وزنه طبيعي تقريبًا، وياسين بدأ يتعود عليه أكتر. وبقوا بيناموا جنب بعض كل يوم.
ضحكت وقلت
ربنا يديم عليهم الخير.
وقبل ما تقفل، قالتلي جملة فضلت ترن في ودني
تعرف يا محمود؟ الناس شافت كلب بيكشر عن أنيابه، لكن محدش حاول يفهم هو ليه بيعمل كده.
قفلت المكالمة، وفضلت باصص للطريق.
أحيانًا بنحكم على الناس والحيوانات من تصرف واحد، من غير ما نعرف إيه اللي وصلهم للحظة دي.
الكلب اللي اتبلغ عنه باعتباره خطر على المجتمع، كان في الحقيقة بيحرس طفل مافيش حد غيره كان مستعد يفضل جنبه.
كان ممكن يهرب من الجوع، ويجري ورا أي حد معاه أكل، لكنه اختار يفضل مكانه.
وكان ممكن يسيب الشنطة وينجو بنفسه، لكنه اختار يحمي ياسين.
وفي النهاية، اكتشفنا إن أكتر مخلوق اتهموه بالخطر، كان هو الوحيد اللي وقف يحمي حياة طفل لا يقدر يدافع عن نفسه.
ومن يومها بقيت مؤمن إن الوفاء مش محتاج لسان يتكلم، ولا كلمات تتقال… ساعات بيكفي قلب صغير مكسور، وكلب جعان واقف قدام شنطة، ومستعد يموت عشان اللي جواها.
تمت.. روايات_مشيره_محمد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى