
عدت الأيام الأولى صعبة وثقيلة، “دنيا” كانت محتاجة رعاية طبية ونفسية مكثفة عشان ترجع لطبيعتها وتتجاوز الآثار المرعبة للسنوات اللي فاتت، وأنا كنت قاعد جنبها في كل لحظة، بعوضها عن كل دقيقة عذاب وقهر عاشتها لوحدها. أما عن أهلي، فبعد تدخل الأكابر والأقارب وبعد تحقيقات النيابة، خرجوا بقرار حفظ بعد ما تنازلت عن استكمال الدعاوى القضائية ضدهم، لأن مهما حصل دول أهلي، ومراتي رجعتلي بالسلامة وده كان أكبر مكسب ليا، بس اشترطت إنهم ميقربوش من بيتنا تاني لحد ما المياه ترجع لمجاريها وتتعافى “دنيا” تماماً.
بدأت أدور على شغل جديد هنا في مصر، وقررت إني مش هسافر تاني أبداً ولا هسيب بيتي ومراتي وبنتي لوحدهم مهما كانت المغريات، الفلوس تروح وتيجي، لكن راحة البال والعيلة هما أغلى حاجة يملكها الإنسان في الدنيا. بقيت أصحى الصبح أشرب الشاي مع “دنيا”، وأوصل “حنين” الحضانة بتاعتها، وأرجع ألاقي مراتي بتستقبلني بابتسامة حقيقية ولأول مرة من سنين طويلة أشلم لمعة الأمل في عينيها.
في يوم، واحنا قاعدين بالليل في الصالة، وبنحتفل بعيد ميلاد “حنين” الخامس، جابت التورتة وحطت الشموع، وبصت لي نظرة مليانة حب وامتنان، وقالت بصوت هادئ وجميل: “تفتكر يا سامح.. حنين بنتنا القديمة سامحنا على اللي حصل؟”
ابتسمت ودمعة حارة نزلت على خدري، ومديت ايدي مسكت ايدها وقلت بثبات ويقين: “بنتنا حنين في مكان أحسن بكتير من الدنيا دي.. وهي فرحانة بينا دلوقتي وإحنا متجمعين، وسبت لنا ملاك تاني يحرس بيتنا ويملأه ضحك وبهجة.. احنا بدأنا صفحة جديدة يا دنيا، والحمد لله إن ربنا رجع لي عقلي وبيتي ومراتي وبنتي”.
حضنتني بقوة، و”حنين الصغيرة” قعدت تصفق وتضحك وهي بتقول: “يلا يا بابا.. نطفي الشموع عشان ناكل التورتة!”.. ضحكنا من قلبنا، وحسيت ساعتها إن الظلمة الطويلة اللي عيشناها انتهت، وإن شمس بكرة هطلع منورة ودافية على بيتنا الصغير.
دخلت “دنيا” في برنامج علاج نفسي وتأهيلي مكثف عشان تتخطى كابوس السنين اللي فاتت وآثار الفترة الصعبة. كنت معاها خطوة بخطوة، ماسك في إيدها ومش بسبها لوحدها أبداً، أثبت لها بالفعل إن الحب الحقيقي والصادق يقدر يرمم أي كسور.
مع الوقت، بدأت صحتها تتحسن تدريجياً، ورجعت الضحكة تنور وشها من تاني، وبدأت تتفاعل مع “حنين الصغيرة” بحب وأمومة صادقة كأنها بتعوض فيها كل لحظة وجع راحت عليها. البيت بدأ يرجع ينبض بالحياة، وريحة الأكل الجميل والألفة ملت الأركان بعد سنوات طويلة من الكآبة والخراب.
أما عن أهلي، فبعد ما خرجوا من النيابة، حصل جفاء كبير لفترة بسبب اللي عملوه، لحد ما جيه يوم ودخلوا علينا في البيت بندم حقيقي وبكوا قدام “دنيا” واعتذروا لها عن كل كلمة وجعة وكل تضليل عملوه، وقالوا إنهم كانوا تايهين وخايفين ومش مدركين حجم الكارثة اللي تسببوا فيها. “دنيا” بقلبها الطيب سامحتهم، وأنا كمان فتحت صفحة جديدة معاهم، بشرط إن احترام بيتنا ومراتي وبنتي يكون خط أحمر مسموح لأي حد يتخطاه.
أنا استقررت خلاص في مصر، وقفلنا باب السفر والغربة للأبد؛ فهمت إن الفلوس مهما كترت مش بتعوض لحظة واحدة ضايعة مع الناس اللي بنحبهم، وبقى كل همي أعيش جنب مراتي وبنتي وأوفر لهم حياة هادية وكريمة تعوضهم عن كل مرار السنين اللي فاتت.
مرت الأيام والشهور، وكأن الزمن حنّ علينا أخيراً ليعوضنا عن مرارة السنين اللي ضاعت وسط السراب والعذاب.
بقت حياتنا هادية ومستقرة بشكل ما كنتش أتخيله في أحلامي؛ “دنيا” استردت صحتها وعافيتها النفسية تماماً، ورجعت الضحكة الصافية تنوّر البيت وتملأه دفا وأمان، وبقت روحها متشبثة بحبنا وبوجودها جنبنا. أما “حنين الصغيرة”، فبقت هي بهجة البيت ونور عينينا، تلعب وتجري في كل ركن، وكل ما أنطق اسمها قلبي بيطمن، كأن ربنا بعتها لنا هدية ورحمة تداوي جروح الماضي وتعوضنا عن غياب بنتنا الكبيرة الله يرحمها.
أما عني، فكل يوم وأنا قاعد في بيتي وسط مراتي وبنتي، بحمد ربنا ألف مرة إني ما استسلمتش لليأس، وإني دورت وفضلت أفتش لحد ما لقيت الحقيقة وطلّعت مراتي من جحيم الظلم. مبقيتش بفكر في السفر ولا في الفلوس اللي كنت بجري وراها، وفهمت كويس إن أغلى كنز يملكه البني آدم هو استقرار بيته وسلامة عيلة بتحبه ويحبها.
قعدت الصبح بدري على البلكونة، بشرب كوباية الشاي، وببص لـ “دنيا” وهي بتحضّر الفطار ومعاها “حنين” بتساعدها بطفولتها البريئة، حسيت بسكينة غريبة بتغمر قلبي. قربت مني “دنيا” وحطت كوباية الشاي التانية على الترابيزة، وبصت في عيني بابتسامة دافية وقالت: “صباح الخير يا حبيبي.. جاهز لليوم الجديد؟”
مسكت إيديها وبستها بحب، وقلت وأنا ببتسم من قلبي: “صباح الراضي والسرور يا قلب وعمر سامح.. طول ما أنتوا جنبي، أنا جاهز لأجمل حياة ممكن إنسان يعيشها”.
قفلت قصة سنين الغربة والوجع، وبدأت كتابة أحلى سنين العمر مع أغلى الناس على قلبي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




