
أبويا مات من أربع سنين وسابلي شقة أنا وأخويا عشنا فيها سوا، وأنا ربنا كرمني من شغلي واشتريت شقة، فقررت أسيبله شقة أبويا وأشطبها له علشان يتجوز ويبدأ حياته، ووقتها قلت لنفسي إن أخويا أولى بيها مني، وإن الفلوس بتروح وتيجي، لكن الأخ اللي مالوش غير أخوه لازم يقف جنبه وقت ما يحتاجه.
أخويا وقتها كان لسه بيبدأ حياته، ومرتبه بالعافية كان مكفي مصاريفه، وكل ما يتقدم خطوة يلاقي نفسه محتاج فلوس أكتر، ولما اتكلم معايا في موضوع الجواز، لقيته محرج ومش عارف يطلب مني مساعدة، لأنه كان عارف إني بتعب في شغلي وببني نفسي من الصفر.
في يوم قعدت معاه وقلتله: _ بص يا أحمد، أنا عارف إنك نفسك تتجوز وتستقر، وعارف إن ظروفك صعبة، وعشان كده أنا قررت أسيبلك شقة أبويا، وهشطبها لك على قد ما أقدر، وإنت اتجوز فيها وابدأ حياتك، وأنا ربنا كرمني بشقة تانية والحمد لله.
أخويا بصلي وكأنه مش مصدق كلامي، وقاللي: _ إنت بتتكلم بجد يا محمود؟! طب وإنت مش خايف في يوم تحتاج الشقة دي؟
ضحكت وقلتله: _ أحتاج إيه بس يا ابني؟ دي شقة أبويا، وإنت أخويا، وأنا لو معايا أكتر من كده هقف جنبك. هو إحنا بقينا أغراب عن بعض علشان نفكر مين له كام ومين خد إيه؟
لقيته سكت، وعينه دمعت، وقاللي: _ والله يا محمود، أنا مش عارف أقولك إيه، بس صدقني عمري ما هنسى اللي إنت بتعمله معايا ده.
قولتله: _ متقولش حاجة، أنا كل اللي عايزه أشوفك مبسوط ومستقر، وأشوف عيالك بيكبروا وسطنا، وأبويا الله يرحمه يكون سايب ولاد بيحبوا بعض مش بيتخانقوا على الدنيا.
وفعلًا، شطبتله الشقة، وساعدته على قد ما قدرت، وأخويا اتجوز وعاش فيها، وبعد كام سنة ربنا رزقه بولد وبنت، وكنت بفرح بيهم كأنهم ولادي، وكل ما أروح أزورهم وأشوف ضحكتهم في الشقة، كنت بحس إن أبويا لسه موجود وسطنا.
ومرت الأيام، وربنا كرمني في شغلي، واشتريت شقة تانية، وبدأت أجهز حياتي وأكبر في شغلي واحدة واحدة، وعمر ما جه في بالي أطلب من أخويا مقابل، ولا حتى أتكلم معاه عن الشقة، لأن من يوم ما سبتها له وأنا معتبر الموضوع انتهى.
أخويا بعد فترة جاتله فرصة شغل بره مصر، وسافر علشان يحسن ظروفه ويوفر لمراته وعياله حياة أحسن، وكنت بكلمه من وقت للتاني وأطمن عليه، وكل ما أسأله عن أحواله يقولي: _ الحمد لله يا محمود، ربنا ساترها، وإن شاء الله الأيام الجاية تكون أحسن.
كنت فرحان له من قلبي، وعمري ما حسيت إنه بعيد عني، بالعكس، كنت دايمًا بقول إن الغربة مهما بعدته عننا، هيفضل أخويا اللي عشت معاه طفولتي وشبابي، واللي بينا أكبر من أي مسافة.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن أخويا كان شايل جوا قلبه كلام كتير، وإنه فاكر تفاصيل أنا نفسي كنت ناسيها!
عدت سنين، وبنتي كبرت، وبقى عندي حلم إني أفرح بيها وأجهزها وأشوفها عروسة، لكن زي ما إنتوا عارفين، مصاريف الجواز بقت صعبة جدًا، وكل يوم الأسعار بتزيد، وكل ما أحوش مبلغ ألاقي نفسي محتاج أزود عليه علشان أجيب حاجة تانية.
كنت بحاول أبان قدام بنتي إني قادر على كل حاجة، لكن الحقيقة إني كنت بحسب كل جنيه، وأوقات كنت أرجع من الشغل مرهق وأقعد لوحدي أفكر هقدر أوفر لها كل اللي نفسها فيه إزاي.
بنتي كانت حاسة بيا، وفي مرة لقيتها بتقولي: _ بابا، أنا مش عايزة أتعبك عشاني، ومش لازم أجيب كل حاجة جديدة، المهم إني أشوفك مبسوط يوم فرحي.
الكلام ده وجع قلبي، وحضنتها وقلت لها: _ إنتِ غالية عندي يا بنتي، وأنا نفسي أفرحك وأشوفك أحسن عروسة في الدنيا، وربنا كريم ومش هيسيبنا.
ما كنتش أعرف إن الكلام ده هيوصل لأخويا عن طريق أختي، وإنه أول ما عرف بظروفي، أخد قرار من غير ما يرجع لي فيه.
بعد كام يوم، وأنا راجع من الشغل، فتحت الموبايل لقيت رسالة من البنك بتحويل مبلغ كبير جدًا على حسابي!
فضلت أبص للرسالة كذا مرة، واتأكدت إن المبلغ باسمي، لكن مش فاهم مين اللي بعته.
وقبل ما ألحق أكلم البنك، تليفوني رن، ولقيت أخويا أحمد بيتصل بيا من الغربة.
رديت عليه وقلتله: _ إزيك يا أحمد؟ عامل إيه يا حبيبي؟ طمني عليك وعلى مراتك والعيال.
قاللي: _ الحمد لله يا محمود، إحنا كويسين، إنت عامل إيه؟ والبنت أخبار جهازها إيه؟
استغربت إنه عارف، وقلتله: _ الحمد لله، بنحاول نجهز على قد ما نقدر، بس قولي يا أحمد، إنت بعتلي فلوس؟
ضحك وقاللي: _ أيوه يا سيدي، بعتلك مبلغ يساعدك في جهاز بنتك، وعايزك تفرحها من غير ما تشيل هم.
أنا اتخضيت من المبلغ وقلتله: _ يا أحمد، إنت بعت كل ده ليه؟! إنت عندك بيت ومراتك وعيالك، ومصاريف الغربة مش قليلة، وأنا مش هقدر أردلك المبلغ ده!
رد عليا وقاللي: _ يا محمود، أنا مش ببعتلك فلوس علشان تستردها، دي بنت أخويا، وفرحتها من فرحتي، وإنت طول عمرك سند ليا، جه دوري أقف جنبك.
حسيت إن الكلام وقف في زوري، وقلتله: _ والله يا أحمد، أنا يوم ما سبتلك الشقة ما كنتش مستني منك حاجة، أنا عملت كده علشان إنت أخويا، مش علشان ييجي يوم وأقولك ردلي الجميل.
لقيته سكت شوية، وبعدها قاللي: _ وأنا عارف يا محمود، وعشان كده بالذات أنا مش ناسي اللي عملته معايا.
افتكرت وقتها أيام ما كان بيحاول يدبر فلوس جوازه، وافتكرت فرحته يوم ما دخل شقته لأول مرة، وحسيت إن الدنيا لسه فيها خير، وإن الأخوة الحقيقية عمرها ما بتضيع.
لكن اللي حصل بعد المكالمة دي كان أكبر بكتير من مجرد مبلغ فلوس!
بعد حوالي شهر، أحمد اتصل بيا في وقت متأخر، وكان صوته مختلف، وكأنه مستني اللحظة دي من سنين.
قاللي: _ محمود، إنت فاضي تسمعني شوية؟ أنا عايز أتكلم معاك في موضوع مهم جدًا.
قولتله: _ خير يا أحمد؟ قلقتني، فيه حاجة حصلت؟
قاللي: _ لا، متقلقش، بس أنا أخدت قرار بخصوص ابنك، وكلمت ناس واتصرفت في موضوع شغله، ولو هو موافق، هسفره عندي بعقد عمل، وهيبدأ حياته معايا، ومش هسيبه يحتاج حاجة طول ما أنا قادر أساعده.
أنا فرحت، لكن في نفس الوقت حسيت إني مش عارف أرد له كل اللي بيعمله، فقلتله: _ يا أحمد، كفاية يا حبيبي، إنت عملت مع بنتي كتير، ومش عايزك تشيل عيالي فوق طاقتك.
رد عليا بصوت كله جدية: _ اسمعني للآخر يا محمود، إنت فاكر إنك يوم ما سبتلي الشقة كنت بتساعدني أتجوز وبس، لكن إنت ما تعرفش إن اللي عملته معايا وقتها غيّر حياتي كلها، وفي حاجة حصلت بعد ما اتجوزت، أنا مخبيها عنك من سنين، وكنت مستني الوقت المناسب علشان أحكيهالك.
قلبي بدأ يدق بسرعة، وقلتله: _ حاجة إيه يا أحمد؟ إنت مخبي عني إيه؟!
سكت لحظات، وبعدها قاللي: _ فاكر يوم ما أبويا مات، وإحنا كنا قاعدين في الشقة القديمة، وقبل ما تتجوز أنا كنت دخلت أوضته ولقيت…
وفجأة صوته اتغير، وسمعت مراته في الخلفية بتقوله: _ يا أحمد، مش وقته دلوقتي، إنت وعدتني إنك مش هتفتح الموضوع ده غير لما محمود يكون مستعد يسمع الحقيقة!
أنا اتجمدت مكاني، وفضلت أنده عليه: _ أحمد! إنت بتتكلم عن إيه؟ وإيه اللي لقيته في أوضة أبويا؟ وإيه علاقة ده بالشقة اللي سبتها لك؟!
لكنه رد عليا بجملة واحدة خلتني مش قادر أنام طول الليل:
«يا محمود، الشقة اللي إنت سبتها لي ما كانتش هي الجميل الوحيد اللي عملته معايا… إنت من غير ما تعرف، أنقذتني من مصيبة كانت ممكن تضيع مستقبلي كله، وأبويا الله يرحمه كان عارف الحقيقة دي قبل ما يموت!»
قفلت المكالمة وأنا مش فاهم حاجة، وفضلت طول الليل أفكر في كلام أخويا، وفي السر اللي مخبيه عني من سنين.
لكن تاني يوم الصبح، وأنا نازل من البيت، لقيت ظرف متبعتلي مع مندوب، ومكتوب عليه بخط أخويا:
«محمود… افتح الظرف ده لوحدك، ومهما حصل، متحكمش عليا قبل ما تقرأ آخر ورقة!»
فتحت الظرف بإيد بتترعش، ولما شفت أول سطر مكتوب فيه، حسيت إن رجلي مش شيلاني، لأن الورقة كانت بتكشف حقيقة عن أبويا وعن أخويا، عمر ما حد فينا كان يتخيل إنها هتظهر في يوم من الأيام!
يتبع… 😱
يا ترى إيه السر اللي أخويا مخبيه عني من يوم وفاة أبويا؟ وإيه حكاية الورقة اللي وصلتني؟ وهل اللي عرفته هيخليني أندم إني سبتله الشقة، ولا هيخليني أحبه وأقدره أكتر؟
عايزة أعرف توقعاتكم في التعليقات، واكتبوا لنا: لو إنتوا مكان محمود، هتفتحوا الظرف وتعرفوا الحقيقة فورًا، ولا هتخافوا من اللي جواه؟
ومتنسوش تصلوا على النبي ﷺ في التعليقات، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ❤️
#حكاوي_شيمو #الأخ_السند #يتبع
😱 «لما فتحت الظرف اللي أخويا بعتهولي، اكتشفت إن فيه سر من يوم وفاة أبويا، وإن الشقة اللي سبتها لأخويا كانت مرتبطة بحكاية عمري ما تخيلت إنها تحصل في بيتنا!»
فضلت واقف في مكاني، ماسك الظرف بإيدي، ومش عارف أفتحه ولا أستنى لما أكلم أخويا وأفهم منه الأول.
لكن الفضول غلبني، قعدت على الكنبة وطلعت الورق اللي جواه، ولقيت أول ورقة مكتوب عليها بخط أخويا:
«أخويا محمود، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا أخيرًا قررت أحكيلك الحقيقة اللي فضلت ساكت عنها سنين. أنا عارف إنك عمرك ما حسبت اللي عملته معايا جميل، لكن أنا عمري ما نسيت اليوم اللي وقفت فيه جنبي، ولا اليوم اللي اكتشفت فيه إنك كنت بتديني أكتر بكتير من مجرد شقة أعيش فيها».
قلبي بدأ يدق بسرعة، وكملت قراءة.
«فاكر يا محمود يوم ما أبويا مات؟ وقتها أنا كنت لسه شاب صغير، وشغلي على قدي، ومكنتش عارف هعمل إيه في حياتي. كنت خايف أفضل طول عمري عاجز عن إني أكون بيت وأسرة، وكنت ساعات بحس إني أقل منك، خصوصًا إنك كنت بتشتغل وبتحاول تبني نفسك، وأنا كل اللي كنت بقدر أعمله إني أوفر مصاريفي بالعافية.
بعد وفاة أبويا، وإحنا لسه في أيام العزاء، دخلت أوضته أدور على شوية ورق كنت محتاجهم، ولقيت ملف قديم بين هدومه. في الملف ده كانت فيه ورقة مكتوبة بخط إيده، وكان فيها كلام عننا إحنا الاتنين».
هنا إيدي بدأت تترعش، لأن الكلام عن أبويا خلاني أفتكر أيامه الأخيرة، وإزاي كان دايمًا يوصينا ببعض، ويقول لنا إن الدنيا مش مستاهلة إن أخ يزعل من أخوه.
كملت قراءة رسالة أحمد:
«الورقة يا محمود مكنتش وصية جديدة، ولا كان فيها فلوس مستخبية زي ما ممكن تتخيل. كانت ورقة قديمة أبويا كاتب فيها إنه نفسه يشوفنا سند لبعض، وإنه عارف إن ظروفنا مختلفة، وإنك غالبًا هتقدر تبني نفسك أسرع مني، لكنه كان خايف إن الدنيا تفرق بيننا بعد موته.
وفي آخر الورقة، كان كاتب جملة عمري ما نسيتها: لو أخوك احتاجك في يوم، افتكر إنكوا الاتنين من بيت واحد، وإن اللي يسند أخوه النهارده، ممكن يلاقيه بكرة هو اللي سنده».
وقفت عن القراءة لحظة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
أبويا كان فعلًا بيقول لنا الكلام ده، لكن عمري ما تخيلت إن أخويا محتفظ بورقة زي دي، وإنها فضلت معاه السنين دي كلها.
رجعت أكمل الرسالة، ولقيته كاتب:
«بس يا محمود، الورقة دي مش هي السبب الوحيد اللي خلاني أبعتلك الفلوس وأعرض على ابنك السفر. فيه حاجة تانية حصلت بعد جوازي بفترة، وأنا مكنتش عارف أحكيلك عنها إزاي».
هنا حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد رسالة عاطفية، وإن أخويا فعلًا عنده حكاية تانية.
قمت من مكاني واتصلت بيه فورًا.
رد عليا بعد رنتين، وقلتله من غير مقدمات:
_ يا أحمد، أنا فتحت الظرف وقريت الرسالة. إنت ليه مقولتليش كل ده من زمان؟ وإيه الحكاية التانية اللي حصلت بعد جوازك؟
أخد نفس طويل وقال:
_ استنى بس يا محمود، خليني أحكيلك من الأول علشان تفهم كل حاجة.
قاللي إن بعد جوازه بحوالي سنة، حصلت مشكلة كبيرة في شغله، والشركة اللي كان شغال فيها قللت عدد العمال، وكان من ضمنهم هو. في الوقت ده مراته كانت حامل في طفلهم الأول، وكان عليه مصاريف البيت والعلاج، وفجأة لقى نفسه من غير دخل ثابت.
حاول يدور على شغل تاني، لكنه كل ما يروح مكان يلاقي المرتب قليل، أو الشغل محتاج خبرة أكبر.
وفي ليلة، كان قاعد مع مراته بيحسبوا مصاريف الشهر، فقالتله:
_ يا أحمد، إحنا لازم نتصرف، أنا مش عايزة أضغط عليك، بس أنا خايفة من اللي جاي، خصوصًا إن البيبي قرب ييجي.
وقتها أخويا حس إنه اتزنق، وبدأ يفكر إنه يبيع حاجات من جهازه أو يستلف من حد لحد ما يقف على رجله.
لكنه افتكر إن الشقة اللي عايش فيها مش محتاج يدفع إيجارها، وإن ده لوحده كان مخفف عنه حمل كبير. ولو كان مضطر يستأجر شقة، كان زمانه مش عارف يعمل إيه.




