روايات وقصص

هروب جوزي

حكايات زهرة

صبحي قاله.

القانون موجود يا صابر، ومحدش هيمنعك إنك تلجأ له. بس قبل ما تعمل كده، اسأل نفسك سؤال واحد إنت راجع عشان بتحب عيالك، ولا عشان عرفت إننا بقينا عايشين في خير؟

صابر اتنفض مكانه وقال.

إنت بتتهمني بإيه؟!

صبحي رد بكل ثقة.

مش بتهمك، أنا بس عايز أفهم. لأنك لما مشيت، سبت وراك بيت مفيهوش فلوس، ومراتك بتعيط، وبنتك صغيرة مش فاهمة أبوها اختفى ليه. إنما النهارده، لما عرفت إن ربنا كرمني وإن عندي بيت وشغل وعيال متربيين، جيت فجأة تفتكر إن ليك عيال!

نوال هنا مقدرتش تسكت، وقالت بصوت واطي.

صابر، خلاص بقى، إحنا جايين عشان العيال، مش عشان نعمل فضيحة.

بصلها بغضب وقال.

وإنتي مالك؟! مش إنتي اللي كنتي بتقوليلي إننا لازم نرجع ناخدهم؟

صبحي رفع حاجبه وقال.

أهو الكلام بدأ يبان!

نوال وشها اصفر، وأنا بصيتلها وقلت.

يعني إنتوا رجعتوا عشان العيال فعلًا؟ ولا عشان الدنيا اللي كنتوا بتحلموا بيها مع بعض مطلعتش زي ما كنتوا فاكرين؟

نوال نزلت عينيها للأرض، وبعد لحظات قالت.

أنا مش هكدب عليكي يا سمر. إحنا لما مشينا، كنا فاكرين إننا هنعيش مبسوطين بعيد عن كل الناس، لكن الحقيقة إننا كنا بنجري ورا وهم. بعد فترة، الخلافات زادت بينا، والفلوس اللي كان صابر واخدها خلصت، وكل واحد فينا بدأ يلوم التاني على اللي حصل.

صابر قاطعها.

إنتي هتفضحينا قدام الناس؟!

لكنها كملت، وصوتها بدأ يرتعش.

ولما سمعنا إنكم بقيتوا عايشين كويس، وإن العيال كبروا وبقوا متفوقين، قولنا نرجع. صابر كان بيقول إن من حقه ياخد منة، وأنا كنت بقول إن من حقي أشوف يوسف. بس الحقيقة إني كنت خايفة أموت من غير ما ابني يعرفني.

القاعة كلها سكتت.

أنا بصيتلها وقلت.

وأنا مقدرة إنك أم، ومش هقولك إنك متوجعيش لما ابنك يبعد عنك. بس يا نوال، الأمومة مش ورقة في شهادة الميلاد، الأمومة سنين تعب وخوف وسهر. إنتي سيبتي ابنك، وأنا عمري ما منعتك تشوفيه لو كان رجوعك باحترام ومن غير ما تكسري البيت اللي عيالك عاشوا فيه.

يوسف كان واقف محتار، وبص لأبوه وبعدين بص لنوال، وقال.

يعني إنتي ماما الحقيقية؟

نوال قربت منه خطوة، ودموعها نزلت وقالت.

أيوه يا حبيبي، أنا أمك، وحقك عليا إني غبت عنك كل السنين دي.

يوسف رجع خطوة لورا، وقال.

أنا مش فاكر منك حاجة. أنا فاكر ماما سمر وهي بتعملنا الأكل، وبابا صبحي وهو بيودينا المدرسة، ومنة وهي بتلعب معايا. أنا مش عارف أعمل إيه.

صبحي قرب من ابنه وحط إيده على كتفه وقال.

محدش هيجبرك تحب حد بالعافية يا يوسف، ومحدش هيمنعك تعرف أمك. خد وقتك، وإحنا كلنا جنبك.

وبعدين بص لصابر وقال.

ونفس الكلام بالنسبة لمنة. لو عايز تشوف بنتك، فيه أبواب تتفتح بالاحترام، لكن إنك تدخل بيتنا تكسر السفرة وتزعق وتخوف الأطفال، ده مش هيتسمح بيه.

صابر حس إن الناس كلها بقت ضده، فحاول يرجع يهددنا تاني.

هتشوفوا، أنا مش هسيب الموضوع ده!

لكن واحد من كبار البلد قام وقاله.

يا صابر، إنت غلطان، وكلنا شوفنا اللي عملته. لو عايز عيالك، خد طريق القانون، إنما متجيش تفرض نفسك على بيت ناس استقبلوا أولادك وربوهم.

صابر لقى نفسه لوحده، فنفض هدومه بعصبية وخرج، ونوال مشيت وراه بعد ما بصت ليوسف نظرة طويلة.

بعد ما الباب اتقفل، فضلت واقفة مكاني، وببص للأكل اللي وقع على الأرض، وفجأة لقيت نفسي بعيط.

صبحي قرب مني وقال.

بتعيطي ليه يا سمر؟

هزيت راسي وقلت.

افتكرت اليوم اللي مشي فيه صابر. افتكرت نفسي وأنا شايلة منة ومش عارفة هأكلها منين، ولا هأواجه الناس إزاي. كنت فاكرة إن حياتي انتهت يومها.

صبحي مسح دموعي وقال.

أهو ربنا عوضك. بس خلي بالك، العوض مش معناه إننا نكسر غيرنا، ولا إننا نفرح في وجعهم. إحنا هنفضل زي ما إحنا، نربي عيالنا ونحافظ على بيتنا.

وبالفعل، تاني يوم صابر حاول يرفع قضية عشان ياخد منة، لكن المحكمة نظرت في ظروف البنت ومصلحتها، واتعاملت مع طلباته وفق القانون، ومقدرتش مجرد رغبته المفاجئة إنها ترجعله تلغي تمان سنين من غيابه. واتفتح باب لتنظيم التواصل لو كان مناسب وآمن للطفلة، بدل ما تتحول حياتها لمعركة بين الكبار.

أما نوال، فبدأت تحاول تتواصل مع يوسف بهدوء، وصبحي ما منعهاش، لكنه اشترط إن كل حاجة تحصل بالتدريج وبما يريح ابنه. ويوسف، مع الوقت، وافق يقعد معاها ساعات قليلة، لحد ما بدأ يفهم حكايته من غير ما يحس إنه مضطر يختار بين أمه وأبوه.

منة كمان، بعد فترة، وافقت تشوف صابر في وجود ناس تثق فيهم، لكنها فضلت عايشة معايا ومع صبحي، لأن ده البيت اللي تعرفه وتحس فيه بالأمان.

وعدت الشهور، ورجعت الحياة لطبيعتها، ويمكن لأول مرة فهمت إن الانتقام الحقيقي مش إنك توجع اللي وجعك، ولا إنك تشوفه مكسور قدام الناس.

الانتصار الحقيقي إنك تبني حياة كان فاكر إنك مش هتعرف تعيشها من غيره.

وفي يوم نجاح منة ويوسف، كنا قاعدين في الجنينة، وصبحي بيقطع التورتة، لما منة قامت فجأة وحضنته قدام كل الموجودين، وقالت.

أنا عايزة أقول حاجة لكل الناس. بابا صبحي عمره ما كان أبويا بالدم، لكنه كان أبويا في كل موقف احتجتله فيه. هو اللي علمني إن الأب مش اللي يخلف وبس، الأب هو اللي يفضل موجود لما الدنيا كلها تمشي.

صبحي دموعه نزلت غصب عنه، وأنا حضنته، ويوسف جه وقف جنبنا وقال.

وأنا كمان محظوظ إن عندي أب زيك يا بابا.

في اللحظة دي، بصيت لصبحي وحسيت إن السنين اللي فاتت كلها كانت بتقولي إن ربنا ساعات بياخد مننا ناس كنا فاكرين إن حياتنا هتقف من غيرهم، عشان يرزقنا بناس يعرفونا قيمة نفسنا.

صابر ونوال اختاروا يمشوا من زمان، لكن أنا وصبحي اخترنا نفضل، ونبني بيت، ونربي عيال، ونواجه الأيام الصعبة سوا.

وعشان كده، لما حد يسألني إزاي قدرت أتجوز جوز الست اللي هربت مع جوزي، بقوله إن صبحي مكنش مجرد راجل اتجوزته عشان أغيظ صابر، ولا أنا كنت مجرد ست اتجوزها عشان يرد اعتباره.

إحنا كنا اتنين اتوجعوا، وقرروا بدل ما يقضوا عمرهم بيبكوا على اللي ضاع، يمدوا إيديهم لبعض ويبدأوا من جديد.

والحمد لله، بعد تمان سنين من الوجع، بقينا عيلة حقيقية، مش لأننا جمعنا أربعة أشخاص تحت سقف واحد، لكن لأن كل واحد فينا اختار يكون سند للتاني.

العبرة من الحكاية اللي يسيب مكانه بإيده، ما ينفعش يرجع يفرض نفسه فيه، واللي يزرع وجع في قلوب الناس، لازم يفهم إن الزمن مش بيمسح كل حاجة، لكنه بيكشف قيمة كل إنسان بمواقفه.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى