عام

الشقه الجديده بقلم روماني مكرم 2

ما نمتش دقيقة واحدة طول الليل. كانت الساعات بتمر عليا وأنا حاسة إن العقارب بتتآكل، عين على الشاشة ومستنية الساعة تيجي 9 الصبح، وعين ثانية بتراجع كل تفصيلة في الرسالة. مين الست دي؟ وإيه السر اللي هيخليها تظهر في التوقيت ده بالذات؟ وهل دي مصيدة جديدة منصوبة لي من سامح عشان يمنعني من دخول المحكمة، ولا دي طوق النجاة اللي هيقضم رقبتهم جميعًا؟

 

الساعة 8:15 الصبح، خرجت من بيت أختي ولابسة نظارة شمسية مغطية العيون المنتفخة من البكا، وشنطتي فيها كل صورة ورقة أخدتها من الشهر العقاري. الشوارع كانت زحمة، وعقلي بيغلي. وصلت الكافيه اللي قدام مجمع المحاكم الساعة 8:45. المكان كان هادي، صالة واسعة بتطل على الباب الرئيسي للمحكمة. قعدت في ترابيزة في الزاوية، عيني على الباب وعلى كل ست بتدخل.

الساعة 9 بالضبط، دخلت ست في أواخر الثلاثينات، لابسة بدل رسمية سودا، حركتها سريعة وملامحها حادة، نظرت حولين المكان لحد ما عينها جت عليا. قربت بخطوات واثقة وقعدت قدامي من غير ما تستأذن.
قلعت نظارتها، وكانت عينيها فيها إرهاق يشبه إرهاقي، بس فيه معاه حقد وغل متخزن من سنين.
— ندى؟
— أيوه.. حضرتك مين؟ وإيه الرسالة دي؟

ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت بصوت واطي ومحسوب:
— أنا اسمي نهى.. نهى الألفي. وكنت الزوجة الأولى لسامح قبل ما يتجوزك أنتِ بسنتين.

اتصدمت، رجعت بضهري لورا وأنا مش مصدقة اللي بتمعه.
— ز.. زوجته الأولى؟! سامح قال إنه ما اتجوزش قبلي خالص!
— سامح كذاب احترافي يا ندى.. اتجوزني رسمياً في 2018، وبنفس الطريقة ونفس السيناريو، طلقني في 2020 بعد ما لبسني في ديون وقضايا وشيكات لصالح نفس “الشركة”، وخرج منها زي الشعرة من العجين وتركني أحارب في المحاكم 3 سنين لحد ما أثبت بطلان التوقيعات وسددت مبالغ عشان أهادن البنوك وما أتسجنش!

قلبي كان بيبتعد، الرعب أكل أطرافي:
— يعني أنا مش الحالة الأولى؟ هو بيعمل كده بانتظام؟!
— سامح مش مجرد نصاب فردي يا ندى.. سامح “واجهة” لشلتة عصابية بتقتات على أموال القروض وسحب السيولة من البنوك بضمان عقارات وأسماء ضامنين وهميين أو مغفلين. رانيا مش مجرد شريكة.. رانيا تبقى أخته من الأم!

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
— أخته من الأم؟!
— أيوه! سامح ورانيا إخوات غير أشقاء، السجل التجاري بتاع شركة التسويق العقاري دي مجرد ستار، ورانيا هي اللي بتمسك الفلوس الكاش، وسامح هو اللي بيجيب “الضحايا الضامنين” اللي عندهم أملاك مسجلة عشان البنك يوافق على التسهيلات الائتمانية. ولما القرض يتصرف، الفلوس تطلع على حسابات أوفشور أو تتحول لدولارات وذهب، والشركة تعلن تعثرها، والبنك ينزل بالحجز على الضامن اللي هو أنتِ.. أو أنا قبلك!

كنت حاسة إن الأكسجين بيقل في المكان، كل الألغاز كانت بتركب فوق بعضها زي قطع الموزاييك المرعبة.
— طب ومين الشريك الثالث اللي في البنك؟
— مدير فرع البنك الأهلي اللي اتمول منه القرض.. اسمه الأستاذ مدحت. مدحت ده هو اللي كان بيسهل خروج التسهيلات من غير ما يتدقق في وجود الضامن بشخصه، وهو اللي بيغلوش على المعاينات وبيستلم البصمات على أوراق رسمية خارج مقر البنك مقابل نسبة من قيمة كل قرض!

مسكت إيدها وأنا بترعش:
— أنتِ معاكِ إثبات للكلام ده يا نهى؟ المحامي بتاعي الأستاذ حسام مستنيني جوه المحكمة، ولو معانا دليل على كلامك ده.. النيابة العامة هتقلب القضية من مجرد نزاع مدني وشهر عقاري لجناية أموال عامة وتشكيل عصابي!

طلعت نهى من شنطتها فلاشة صغيرة وحطتها على الترابيزة ودزتها ناحيتي:
— الفلاشة دي عليها تسجيلات صوتية بين سامح ومدحت مدير الفرع، ونسخ من تحويلات بنكية خرجت من حساب رانيا لحساب زوجة مدحت مدير الفرع.. أنا فضلت أتبعهم من سنين عشان آخد حقي، ولما عرفت عن طريق واحد صاحبي في الشهر العقاري إن فيه حظر تصرف ينزل على اسمك أنتِ بالذات، عرفت إن سامح كرر نفس اللعبة القذرة معاكِ.

مسكت الفلاشة زي ما أكون ماسكة أثمن حاجة في حياتي.
وفي اللحظة دي.. لمحت حركة غريبة عند باب الكافيه.
كان سامح!
واقف بره، لابس نظارته وشكله هيتجنن، وبيبص في أنحاء الكافيه. لما عينيه وقعت عليا وعلى نهى قاعدين مع بعض، وشه اتقلب ألوان وأتغير لملامح شيطانية. زق باب الكافيه ودخل بخطوات واسعة وسريعة.

نهى وقفت بسرعة وقالت بحدة:
— خدي الفلاشة واجري على المحكمة فوراً للأستاذ حسام! أنا هعطله هنا!
— مش هسيبك لوحدك!
— اجري يا ندى! لو أخد الفلاشة دي منك حياتك انتهت!

جريت ناحية الباب الخلفي للكافيه اللي بيودي على الممر المؤدي للمحكمة. سمعت صوت سامح وهو بيزعق ورايا:
— نــدى! اقفي عندك! هاتي اللي في إيدك ده!

ما بصيتش ورايا، كملت جري في الشارع والناس بتبصلي باستغراب، الشنطة في إيدي والفلاشة محشورة في قبضة إيدي. دخلت من الباب الرئيسي لمجمع المحاكم، الأمن استغربوا جريي، تعديت بوابات التفتيش وأنا بنهج، وطلعت السلم للأدوار العليا حيث مكتب الأستاذ حسام المحامي اللي كان مستنيني أمام قاعة النيابة.

أول ما شافني الأستاذ حسام وجريت عليه وأنا بنهج، مسكني من كتفي:
— فيه إيه يا ندى؟ مالك بتجري ليه؟
— أستاذ حسام.. اللعبة طلعت أكبر بمراحل! سامح.. رانيا تبقى أخته من الأم! ومعايا تسجيلات ومدير الفرع شريك معاهم! الفلاشة دي فيها كل حاجة!

الأستاذ حسام اتسعت عينيه بصدمة، أخد الفلاشة بسرعة، وفي نفس اللحظة.. طلع سامح من على السلم، هدومه منكوشة وعرقان، وبيلف بعينيه في الصالة لحد ما شافنا.
قرب منا وهو بيحاول يتظاهر بالهدوء أمام الناس والمحامين المتواجدين:
— ندى.. تعالي هنا بلاش جنون! الأستاذ حسام، حضرتك ما تتدخلش بين راجل ومراته! الموضوع ديون عائلية وهنحلها في البيت!

الأستاذ حسام وقف حائل بيني وبينه، ورد بصوت جاد ورخيم هز الصالة:
— مش لما تكون مرتك الأولى يا أستاذ سامح؟ ولا نسيت نهى الألفي؟ ولا نسيت السجل التجاري بتاع أختك رانيا؟ ولا نسيت مدير الفرع الأستاذ مدحت اللي بيقبض نسبته تحت الترابيزة؟!

سامح اتجمد مكانه، النظرة الثابتة اللي كانت في عينيه تلاشت تماماً، وشه اصفر كأنه جثة، ورجع خطوة لورا.
في اللحظة دي، طلعت موبايلي وشغلت السبيكر ورنيت على الرقم الحكومي لإثبات الحالة ولخدمة الطوارئ اللي نقلتني يوم 14 مارس 2022، والأستاذ حسام مسك الموبايل وقدم لوكيل النيابة اللي خرج من قاعته على الصوت طلب عاجل بالتحفظ على سجلات الإسعاف وتفريغ الفلاشة.

وكيل النيابة بص لسامح بصرامة وقارن الأسماء بالمستندات، وقال للحرس:
— اتحفظوا على الأستاذ ده فوراً، ومحدش يخليه يغادر المبنى!

سامح بصلي بعيون فيها مزيج من التوسل، وقال وهو بيمسكوه الحرس:
— ندى.. أنتِ بتدمريني؟ أنا جوزك!
رديت عليه بصوت ثابت، نابع من قعر الوجع اللي عشته:
— أنت دمرتني من يوم ما فكرت تستغل اسمي وبصمتي وأنا بين الحياة والموت.. اللي بيحصل ده مش تدمير، ده عدالة!

أخدوه الحرس للتحقيق الفوري، وأنا وقفت مع الأستاذ حسام ندخل قاعة وكيل النيابة عشان نقدم البلاغ الرسمي بتهمة التزوير والتشكيل العصابي وتبييض الأموال.
ولكن.. وأنا داخلة القاعة، موبايلي رن برقم غريب تاني.
فتحت الخط بإيد بترتعش، وجالي صوت حاد وبارد، صوت ست أول مرة أسمعه:
*”فاكرة إنك كده كسبتي يا ندى؟ سامح مجرد عروة في السلسلة.. الفلوس طلعت بره مصر من أسبوع باسم شركتك أنتِ الجديدة اللي اتفتحت برقمك القومي الشهر اللي فات وأنتِ ما تعرفيش.. لو البلاغ ده ما اتسحبش خلال ساعتين، البلاغ اللي هيتقدم ضدك في النيابة العامة بتهمة تهريب 50 مليون جنيه هو اللي هيحبسك قبل ما سامح يتأثر!”*

سكتت المكالمة، والخط قطع.. وبقت السماء بتضلم في وشي من جديد.
وقفت في مكاني قدام باب قاعة وكيل النيابة، صوابعي اتجمدت على الموبايل، والصوت الحاد البارد لسه بيرن في ودني: *”تهريب 50 مليون جنيه باسم شركتك الجديدة اللي اتفتحت برقمك القومي الشهر اللي فات…”*.

الجو حواليا كان زحمة، أصوات محامين، حركة عساكر، وخطوات ناس رايحة وجاية، بس أنا حسيت إن الدنيا كلها سكتت وفاضل بس صوت ضربات قلبي.
الأستاذ حسام لاحظ وقفتي المفاجئة ووشي اللي تحول للون الشمع. مسك ذراعي بهدوء وسألني بنبرة قلقة:
— ندى؟ فيه إيه؟ مين اللي كان بيكلمك ورجّعك مرعوبة كده؟

رفعت عيني له، وشفايفي بترتعش، مش قادرة أطلع الكلمة. مدّيت له الموبايل وإيدي بتتهز:
— أستاذ حسام.. فيه ست كلمتني دلوقتي.. بتقولي فيه شركة جديدة اتفتحت باسمي الشهر اللي فات، واتهرب عليها 50 مليون جنيه بره مصر.. وبتهددني لو ماسحبتش البلاغ خلال ساعتين، هيقدموا بلاغ ضدّي بتهمة تهريب أموال!

الأستاذ حسام حواجبه اتعقدت بصرامة حادة، أخد الموبايل وبص على الرقم، وبعدين بصلي بعيون كلها تركيز ودهاء محامي قضايا جنائية عتيق:
— رانيا.. دي رانيا يا ندى. هما حسوا إن الخناق ضاق عليهم بعد ما مسكنا سامح والتسجيلات أصبحت في إيد النيابة، فبيحاولوا يعملوا كارت ضغط أخير عشان يخليكي تتراجعي وتتلخبطي.

— بس يا أستاذ حسام.. 50 مليون؟! وشركة جديدة باسمي؟! افرض فعلاً استغلوا صورتي ورقمي القومي وتزوير جديد اتعمل الشهر اللي فات وأنا معرفش؟! أنا كده هروح في داهية!

الأستاذ حسام طبطب على كتفي بثبات وقال بصوت واطي ومحسوب:
— اسمعيني كويس يا ندى. النصاب لما بيحس إن الحبل اتلف حوالين رقبته، بيلعب على نقطة ضعف الضحية: “الخوف”. هما فاكرينك نفس البنت الضعيفة اللي كانت بتتساق من غير ما تفهم. لكن الفرق بين النهاردة وسبت إمبارح.. إننا معنا الخيط كله، ونواياهم اتكشفت. ادخلي معايا لوكيل النيابة فوراً، والمكالمة دي بالذات هتنضاف للبلاغ كدليل تهديد ومحاولة إعاقة سير العدالة!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى