
دخلنا القاعة. وكيل النيابة كان قاعد وراه مكتب خشب ضخم، قدامه أوراق العقد المزوّر والفلاشة اللي أخدها من الأستاذ حسام، وجنبه سامح قاعد على كرسي خشبي، إيديه مكلبشة، ووشه مليان عرق.
أول ما دخلت، سامح بصلي بنظرة رجاء مسمومة، لكن الأستاذ حسام ما إدالوش فرصة يتكلم. اتجه للمكتب وضرب بقبضته بهدوء على أوراق القضية:
— سيادة المستشار.. نصرّ على تسجيل بلاغ إضافي فوراً بتهمة التهديد اللاحق ومحاولة الترهيب. الموكلة أجيلها اتصال من المدعوة (رانيا) منذ دقائق، تهددها بفبركة شركة جديدة وتهمة تهريب أموال بقيمة 50 مليون جنيه، إذا لم تسحب طعن التزوير ضد المتهم الحاضر!
وكيل النيابة رفع راسه، نظراته اتغيرت من مجرد تحقيق في قضية مدنية وشهر عقاري لجديّة جنائية قصوى. بص لسامح بصرامة:
— أنت رانيا تتصل بمراتك وتهددها وأنت واقف في مجمع المحاكم؟!
سامح انهار وقال بصوت متلجلج:
— والله ما أعرف حاجة يا فندم! أنا ماليش دعوة باللي رانيا بتعمله! أنا قلتلهم من الأول بلاش ندخل ندى في الموضوع، هما اللي أصروا!
الأستاذ حسام التفت له بسرعة:
— “هما اللي أصروا”؟! مين هما يا سامح؟ انطق! مين الشركاء الحقيقيين ورا الشركة دي غيرك أنت ورانيا ومدير فرع البنك؟!
سامح بلع ريقه، وعينيه بقت تلف في القاعة كأنه بيدور على مخرج. وكيل النيابة ضغط على زرار الاستدعاء وقال للحرس:
— تحفظوا على المتهم في التخشيبة، واصدروا أمر ضبط وإحضار عاجل للمدعوة (رانيا محمود عبد السلام)، وأمر بتتبع رقم الهاتف اللي اتصل بالشاكية منذ قليل وتحديد موقعه الجغرافي فوراً!
خرجوا سامح وهو بيتلفت وبيصرخ:
— ندى! والله هيضغطوا عليا لو اتكلمت! بلاش تمشي في الطريق ده، الناس دول واصلين ومش هيسيبوكي!
الكلمات دي وقعت في القاعة. القضية مش مجرد قرض ولا تزوير بصمة بـ 3 مليون جنيه.. الموضوع وراه شبكة ثقيلة جداً، وسامح ما كانش غير مجرد أداة صغيرة بيحركوها.
خرجنا من قاعة النيابة، ورجلي مش شايالني. الأستاذ حسام أخدني وقعدنا في استراحة المحامين، وطلبلي مية.
— ندى.. الكلام اللي قاله سامح دلوقتي يؤكد إن الشركة الجديدة والـ 50 مليون مش مجرد تهديد فارغ.. دول فعلاً استخدموا اسمك في عمل أكبر بكثير، والظاهر إن القرض بتاع 2022 كان مجرد “اختبار” لمدى قدرتك على الكشف أو السكوت!
— طب هنعمل إيه يا أستاذ حسام؟ أنا خايفة على أختي وعلى نفسي.. الناس دول ممكن يعملوا أي حاجة!
في اللحظة دي، دخلت نهى الألفي الاستراحة، وكانت بتلهث وواضح إنها كانت بتتابع حركة الحرس بره. قعدت جنبنا وقالت بصوت واطي:
— سامح اتكشف يا ندى.. بس رانيا مش لوحدها في شقة التجمع. رانيا مع معتز البرنس!
الأستاذ حسام أول ما سمع الاسم وقفت حركته:
— معتز البرنس؟! رجل الأعمال بتاع الاستيراد والتصدير اللي كان عليه تحفظ أموال السنة اللي فاتت؟!
نهى هزت راسها بإيجاب:
— هو بعينه! معتز هو العقل المالي الكبير، ورانيا وسامح كانوا مجرد الواجهة اللي بتفتح شركات صورية بأسماء ضحايا طيّبين زيك وزيي، وبياخدوا عليها تسهيلات وضمانات، ويحولوا الملايين لبره عن طريق الفواتير المزورة، ولما تبدأ الرقابة تنتبه.. يرموا الشحنة كلها على الضحية اللي اسمها في الأوراق الرسمية!
بدأت السلسلة تكتمل قدام عيني.
سامح اتجوزني مش عشان بيحبني ولا عشان يبني بيت.. سامح اختارني بعناية: بنت طيبة، مالهاش في المحاكم ولا القضايا، عندها شقة مسجلة ورث عن باباها، وهادية ومبتسألش كتير عن أوراق شغله! كنت الضحية المثالية المعَدّة من سنين عشان تتلبّس في أضخم قضية غسيل أموال وتهريب كبرى!
الأستاذ حسام وقف وقال وهو بيقفل شنطته الجلد:
— الموقف اتغير تماماً. إحنا مش هنستنى أمر الضبط والإحضار الروتيني بتاع النيابة.. معتز ورانيا لو حسوا إن سامح اتزنق في النيابة، هيحاولوا يهربوا بره مصر في خلال ساعات، أو يمسحوا السجلات الإلكترونية للشركة الجديدة!
— ونعمل إيه يا أستاذ حسام؟
— نهى.. أنتِ تعرفي مقر الشركة الجديدة أو المكان اللي بيمارسوا منه النشاط الفعلي دلوقتي؟
نهى طلعت نوت بوك صغيرة من شنطتها وقالت:
— مقر الشركة الرسمي المكتوب في السجل التسويقي هو شقة في المعادي.. بس الإدارة الفعليّة وتجمّع المستندات والأختام بيتم من ڤيلا معتز البرنس في الشيخ زايد. أنا بتابعهم من 6 شهور وعارفة المكان بالتفصيل.
الأستاذ حسام بصلي وقال بإصرار:
— ندى.. أنتِ معاكي صور بطاقتك وأوراقك الرسمية؟
— أيوه معايا في الشنطة.
— هنطلع فوراً على مبنى مباحث الأموال العامة وقطاع الأمن الوطني.. هنقدّم بلاغ مباشر بالواقعة كاملة بالأسماء والمستندات اللي على الفلاشة مع شهادة نهى ومحضر النيابة اللي اتعمل من شوية. القضية دي كبرت وحجمها بقى يمس أموال دولة، وده الكارت الوحيد اللي هيخليهم يتحركوا بقوة دهم سريعة قبل ما رانيا ومعتز يختفوا!
تحركنا فوراً. الشوارع كانت مخنوقة بالترافيك، والشمس بدأت تتعامد في كبد السماء. طول الطريق وأنا ماسكة شنطتي وبدعوا ربنا إن الوقت ما يفوتش.
وصلنا مقر الأموال العامة. الأستاذ حسام استغل علاقاته وقدر يخلينا ندخل لمكتب العميد المسئول عن مكافحة جرائم التزوير وغسيل الأموال.
قعدنا قدام العميد، والأستاذ حسام عرض الملف بالكامل:
عقد القرض المزوّر.. بصمة المستشفى والاستعانة بسجلات الإسعاف.. الفلاشة اللي عليها تسريبات مدير البنك.. شهادة نهى الألفي عن الضحايا السابقين.. وأخيراً مكالمة التهديد بالـ 50 مليون جنيه والشركة الجديدة.
العميد كان بيسمع وهو بيسجل ملاحظات، ملامحه كانت حادة وصارمة جداً. فتح الفلاشة على الكمبيوتر بتاعه واستمع لبعض التسجيلات بصوت مدحت مدير الفرع وهو بيتفق على النسبة.
بعد 20 دقيقة من الصمت والتدقيق، رفع العميد سماعة التليفون وقال بصوت آمر:
— هاتلي الملف الخاص بـ (شركة البرنس للاستيراد والتصدير).. واطلبلي قوة دهم متكاملة فوراً، وتواصل مع هيئة الرقابة المالية لبحث أي حركة حسابات جديدة خرجت باسم (ندى…) خلال الـ 48 ساعة اللي فاتوا!
حسيت بقلبي بيتقلب.. العميد بصلي وقال بجدية:
— مدام ندى.. البلاغ بتاعك جه في وقته بالظبط. الشركة الجديدة فعلاً اتأسست من 20 يوم، وتّم تقديم أوراقها للحصول على اعتماد مستندي بـ 50 مليون جنيه لحساب شحنة وهمية.. وبطاقتك المرفقة فيها هي صورة بطاقة أصلية مع بصمة مطابقة للبصمة اللي على العقد القديم!
— يا فندم والله أنا ما وقعت ولا أعرف حاجة!
— أنا عارف يا مدام.. البصمة دي اتسحبت بختامة السيليكون الإلكترونية اللي بتنسخ البصمات الحية وتطبعها على العقود المطبوعة.. وده أسلوب إجرامي احترافي بتستخدمه العصابات دي عشان يهربوا من خبير البصمات التقليدي!
وقفت بصدمة:
— ختامة سيليكون إلكترونية؟!
العميد هز راسه:
— أيوه.. وسامح زوجك كان بيستخدمها وأنتِ في المستشفى عشان ينسخ بصمة صباعك بدقة على أوراق فاضية، وبعدين يطبعوا عليها العقود في أي وقت عايزينه!
الغموض كله اتفك في لحظة واحدة! السر مش إن البصمة حقيقية بس.. السر iodide اتنسخت إلكترونياً على أختام زجاجية وسيليكونية بتسيب نفس أثر الحبر الحي!
العميد وقف وقال:
— القوة جاهزة. إحنا نازلين دلوقتي نقتحم ڤيلا الشيخ زايد ونقبض على رانيا ومعتز البرنس ونحرز الأختام والمستندات قبل ما يحرقوها. الأستاذ حسام والمدام يتفضلوا معانا في سيارة المتابعة لإثبات الحالة والتعرف على المضبوطات!
خرجنا مع القوة.. سيارات شرطة انطلقت نحو الشيخ زايد.
وصلنا للڤيلا. كانت ڤيلا ضخمة بأسوار عالية في منطقة هادية.
القوة نزلت بسرعة، وتم اقتحام البوابة الرئيسية وسماع أصوات صراخ وارتباك جوه المكان.
دخلنا ورا القوة مع الضباط..
الصالة كانت مليانة أوراق مفرومة ومستندات محروقة في سلة كبيرة، ورانيا واقفة مرعوبة جنب خزنة مفتوحة ومحشورة بالدولارات، ومعتز البرنس ماسك لاب توب وبيحاول يكسره على الأرض قبل ما الضابط يمسك إيده ويكلبشه!
رانيا أول ما شافتني مع الشرطة، عيونها اتسعت برعب وصرخت:
— ندى؟! أنتِ عملتي إيه؟!
قربت منها بخطوات واثقة، لأول مرة من بداية الكابوس ده حسيت إن الخوف سابني وسكن مكانه القوة. بصيت في عينها وقلت بصوت هادي:
— أنا ما عملتش حاجة يا رانيا.. أنتِ وسامح ومعتز اللي عملتم في نفسكم كده. البصمة السيليكون والأختام اللي في الخزنة دي هي اللي هتوديكم كلكم السجن!
الضباط فتشوا الخزنة، وطلعوا منها علبة مخملية صغيرة.. لما فتحوها، كانت فيها أداة سيليكون شفافة عليها رسمة بصمة صباعي بالضبط، وجنبها أختام لشركات وهمية وصور بطاقتي الشخصية!
العميد مسك العلبة وبص لمعتز ورانيا وقال:
— تحريز مضبوطات التزوير وغسيل الأموال.. القبض على جميع المتواجدين ونقلهم إلى النيابة العامة فوراً!
رانيا انهارت على الأرض وبتعيط، ومعتز كان بيشتم سامح بصوت عالي وبيقول إنه هو اللي ورطهم بسطحيته.
وقف الأستاذ حسام جنبي وقال بابتسامة نصر:
— مبروك يا ندى.. حظر التصرف هيترفع بكرة، والعقود كلها هتبطل، وسامح وشلتة التزوير قدامهم قضايا هتقضي على مستقبلهم تماماً.
بصيت للڤيلا وللشرطة وهي بتاخد رانيا ومعتز.. حسيت إن الكابوس انتهى أخيراً، وإن الحقيقة مهما استخبت ورا التزوير والخيانة.. لازم تظهر.
ولكن.. وأنا طالعة من باب الڤيلا، الضابط المسئول عن فحص اللاب توب بتاع معتز البرنس نادى على العميد بسرعة وهو ماسك الشاشة:
— يا فندم! الحق! فيه كشف حساب ومراسلات أتبعتت من 10 دقائق فقط.. الحسابات الرئيسية والـ 50 مليون مش مع معتز ولا رانيا.. الفلوس أتحولت بالكامل لحساب شخص رابع هو المالك الحقيقي للشبكة كلها!
العميد اتفتحت عينيه بصدمة:
— مين المالك الحقيقي؟!
الضابط بص للشاشة وقرأ الاسم بصوت هز المكان كله:
— الحساب باسم.. *السيد والد ندى!* الحساب المالي المقفول من سنين اتفتح النهاردة الصبح بنفس الأوراق والمستندات!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
