عام

بيت العيله ج 1 بقلم روماني مكرم

دخل جمال الأوضة بسرعة، وأبويا وراه. أول ما شافني، وقف مكانه وكأنه نسي كل الكلام اللي كان عايز يقوله.

كنت مرهقة جداً، ووشي شاحب، لكن أول ما شفته ابتسمت ابتسامة صغيرة.

قلت له بصوت ضعيف:

– جمال.. ابني عامل إيه؟

قرب مني ومسك إيدي:

– بخير يا سمر، الدكاترة بيتابعوه، وإحنا هنفضل جنبه لحد ما يطمن.

بصيت لأبويا، لقيته واقف عند طرف السرير وعينيه مليانة دموع.

– بابا..

قرب مني وحط إيده على رأسي:

– أنا هنا يا بنتي. متخافيش، إنتِ وابنك مش لوحدكم.

نزلت دموعي، وقلت:

– أنا كنت خايفة أرجع البيت يا بابا.

أبويا بص لجمال، وبعدها بصلي:

– مش هترجعي هناك دلوقتي. هترجعي معايا، ولما تبقي أحسن نبقى نشوف كل حاجة بهدوء.

جمال سكت لحظات، وبعدها قال:

– وأنا جاي معاها.

أبويا بص له باستغراب.

جمال كمل:

– أنا مش هسيب مراتي وابني. أنا غلطت لما سبت أمي تدخل في تفاصيل بيتنا، وغلطت إني ما وقفتش من الأول.

مسكت إيده وقلت:

– المهم إنك فهمت يا جمال.

في اللحظة دي، دخلت الدكتورة وقالت:

– الحالة محتاجة راحة تامة الفترة الجاية. ممنوع أي ضغط أو انفعال، والطفل محتاج متابعة مستمرة لحد ما يستقر تماماً.

جمال هز رأسه:

– حاضر يا دكتورة.

خرجت الدكتورة، وساد الصمت للحظات.

بره الأوضة، كانت أم جمال واقفة مع صفاء.

أم جمال قالت:

– يعني إيه مش هيرجعوا البيت؟! دي مراته، وده بيتنا!

جمال خرج لها، وقف قدامها لأول مرة من غير تردد، وقال:

– أيوه يا أمي، دي مراتي وده ابني. وعشان كده أنا اللي أحدد المكان اللي يعيشوا فيه ويكونوا مرتاحين فيه.

بصتله بصدمة:

– أنت بتكلمني أنا كده؟

– أنا مش بقلة أدب معاكي يا أمي. بس من النهارده، بيتي له حدود. أي حاجة تخص سمر أو ابني هتكون بيني وبينها.

صفاء تدخلت:

– يعني إحنا بقينا السبب في كل اللي حصل؟

جمال رد بهدوء:

– أنا مش جاي أتهم حد. أنا بس بقول إن اللي حصل مش هيتكرر.

أم جمال سكتت شوية، وبعدها قالت:

– ولو خرجت من هنا وراحت بيت أهلها، يبقى ما ترجعيش تاني!

جمال أخذ نفساً عميقاً وقال:

– القرار ده مش تهديد ليا يا أمي. لو سمر محتاجة تكون عند أهلها، هتكون عند أهلها. ولو محتاجة بيت مستقل، هشتغل لحد ما أوفره.

أبويا سمع الكلام من بعيد، وقرب منه وقال:

– كده اتكلمت صح يا ابني.

بعد ساعات، اتجهزت إجراءات نقل الطفل إلى حضانة متخصصة، وأبويا دفع جزءاً كبيراً من المصاريف من مدخراته.

جمال كان واقف جنب الطفل، مش عايز يبعد عنه لحظة.

بص للطفل من خلال زجاج الحضانة، وقال بصوت منخفض:

– حقك عليا يا ابني.

وبعدها بص لسمر من بعيد، وقال:

– وحقك عليا إنتِ كمان.

بعد يومين، خرجت من المستشفى، لكن ابني فضل تحت المتابعة الطبية.

أبويا أخدني بيته، وأمي كانت بتخدمني بنفسها، وكل شوية تدخل تطمن عليا.

أما جمال، فكان كل يوم يخلص شغله ويروح المستشفى يقعد جنب ابنه، وبعدها ييجي يطمن عليا.

مر أسبوع.

وفي اليوم السابع، دخل جمال البيت وهو ماسك ورقة في إيده.

بصيتله باستغراب:

– إيه دي؟

ابتسم وقال:

– عقد إيجار شقة صغيرة.

اتخضيت:

– شقة؟

– أيوه. لقيت مكان بسيط قريب من المستشفى ومن شغلي. مش كبيرة، ومش فيها كل اللي نفسنا فيه، بس هتبقى بيتنا إحنا.

بصيت لأبويا، فابتسم وقال:

– ربنا يوسعها عليكم.

جمال قعد جنبي وقال:

– أنا مش عايزك ترجعي بيت العيلة دلوقتي. ولا عايز أمي تتحكم في حياتنا. أنا بحب أمي وهفضل ابنها، لكن إنتِ مراتي وابني مسؤوليتي.

نزلت دمعة من عيني.

– وأنا مش عايزة أكون سبب في خصامك مع أمك.

رد بسرعة:

– مش خصام. حدود. الواحد ممكن يحب أهله ويحترمهم، وفي نفس الوقت يحافظ على بيته.

بعد أسبوعين، خرج ابننا من الحضانة.

اليوم ده كان من أجمل أيام حياتي.

جمال شاله بين إيديه، وكان بيبصله كأنه شايف الدنيا كلها قدامه.

أبويا وأمي كانوا واقفين جنبنا، والفرحة باينة على وشوشهم.

حتى أم جمال وصلت، وقفت بعيد شوية، وكانت ساكتة.

بصت للطفل، وبعدها بصتلي.

عدت لحظات طويلة من غير كلام.

وأخيراً قربت وقالت:

– الحمد لله على سلامتك يا سمر.

رديت:

– الله يسلمك يا خالة.

سكتت، وبعدها بصت لجمال وقالت:

– خليك مسؤول عن بيتك يا ابني.

جمال هز رأسه:

– حاضر يا أمي.

محدش فتح موضوع اللي حصل.

مش كل حاجة لازم تتحل بكلام طويل. أحياناً الإنسان بيتعلم من نتيجة أفعاله أكتر من أي نصيحة.

بعد شهور، كنا قاعدين في شقتنا الصغيرة.

ابني نايم في سريره، وأنا بجهز العشاء، وجمال داخل من شغله.

حط إيده على كتفي وقال:

– تعبانة؟

ضحكت:

– شوية.

قال:

– سيبيه وأنا أعمله.

بصيتله وضحكت:

– أنت تعمل أكل؟

– أهو أتعلم.

ضحكت من قلبي.

الشقة كانت صغيرة، والدخل كان محدود، لكن كان فيها شيء أهم من كل المظاهر: الهدوء.

مفيش حد بيحاسبنا على اللي دخل البيت.

ومفيش حد بيقرر إحنا ناكل إيه ونشتري إيه.

ومفيش حد بيطلب من أهلي حاجات فوق طاقتهم عشان شكل اجتماعي أو كلام ناس.

مرت الأيام، وكل مرة كنت ببص لابني، أفتكر اليوم اللي كنا فيه في المستشفى.

وأفتكر إن المشكلة ما كانتش في بط أو لحمة أو خاتم.

المشكلة كانت في فكرة إن أهل الزوجة لازم يتحملوا فوق طاقتهم عشان يرضوا الناس.

وفهمت إن البيت مش بيتقاس بكبره، ولا بكمية الأكل اللي فيه، ولا بالهدايا اللي بتدخل عليه.

البيت الحقيقي هو المكان اللي تحسي فيه بالأمان، والزوج اللي يعرف إن مسؤوليته الأولى إنه يحافظ على مراته وابنه، والأهل اللي يساعدوا من غير ما يحولوا المساعدة إلى ضغط.

أما أم جمال، فمع الوقت بدأت تزورنا.

وفي أول زيارة، دخلت وهي شايلة كيس صغير.

حطته على الترابيزة وقالت:

– دي حاجات بسيطة للولد.

بصيتلها وابتسمت:

– ربنا يخليكي.

قعدت جنب حفيدها، ولأول مرة من فترة طويلة، البيت كان هادي.

جمال بصلي من بعيد وابتسم.

وأنا بصيت لابني وقلت في سري:

“يمكن البداية كانت صعبة، لكن الحمد لله إن نهايتها علمتنا كلنا إن الرحمة أهم من كلام الناس، وإن البيت اللي بيتبني على الاحترام أقوى من أي بيت بيتبني على المظاهر.”

ومن يومها، بقى عندنا بيت صغير، لكن فيه قلوب كبيرة.

وبقى ابني يكبر وسط أب وأم بيتعلموا كل يوم إزاي يحافظوا على بيتهم، من غير ما يظلموا حد، ومن غير ما يسمحوا لحد يظلمهم.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى