
حازم طليقي أول ما شاف دكتور آسر بيقرب، الضحكة اختفت من وشو فوراً وحل مكانها ارتباك ملحوظ، وحماتي رجعت خطوة لورا بحذر.. دكتور آسر مكنش شخص أي حد يقدر يتطاول عليه.
وصل دكتور آسر لحد عندي، وقفل المساحة اللي بيني وبينهم. بصلهم بنظرة ثاقبة خلت حازم يتنحنح بحرج: “دكتور آسر.. معلش يا فندم، أنت طبعاً ميعادك أكبر من الهبل ده، الهانم كانت شغال…”
قبل ما حازم يكمل جملته، دكتور آسر رفع إيده بمنتهى الهدوء ووقفه.. الحركة كانت كفيلة تلجم حازم تماماً.
وبعدين دكتور آسر مد إيده بثبات، وأخد إيد جودي الصغيرة بين إيديه، وبص للبنت بابتسامة دافية وهادية جداً غيّرت ملامحه الحادة تماماً، وقال بصوت رزين ومسموع لكل اللي واقفين: “أهلاً يا جودي يا حبيبتي.. معلش يا مريم، تأخرت عليكِ أنتِ والبنت في العربية عشان كنت بخلص مكالمة شغل مهمة مع المحامي”.
القاعة كلها شهقت بصوت واطي! حازم وأمه فتحوا بقهم بذهول مش قادرين يتكلموا، والعروسة وقفت مكانها مصدومة!
أنا نفسي كنت هقع من طولي، بصيت لدكتور آسر بذهول وحيرة، ولساني اتلجم.. مش قادرة أستوعب هو ليه بيعمل كده؟!
دكتور آسر التفت لحازم وأمه، وبصلهم بنظرة احتقار هادية، وقال بنبرة صوت قاطعة: “أظن يا أستاذ حازم.. لو كنت حابب تعزم خطيبتي السابقة عشان توريها إنك اتجوزت، كان لازم تكون أرجل من كده وتستقبلها بأدب، مش تتلم أنت ووالدتك عشان تتنمروا على ست محترمة شايلة اسمك القديم وبنتك في إيدها!”.
أمه اتكلمت بصوت مرعوش ومصدم: “يا.. يا دكتور آسر.. أنت بتقول إيه؟! دي ممرضة عندك ومطلقة من شهرين بس! أنت أكيد بتهزر عشان تكسر عين عيلتنا!”.
دكتور آسر حط إيده ورا ظهري بمنتهى الحماية، وبصلها وقال ببرود: “المطلقة المحترمة دي يا هانم.. هي الإنسانة الوحيدة اللي عرفت قيمة نفسي معاها. وموضوع خطوبتنا كنا مأجلين إعلانه لحد ما أمورها القانونية تخلص، بس أظن إن حضورنا هنا كان غلطة.. لأن المكان والناس اللي فيه أقل بكتير من إن مريم وبنتها يطئوا برجليهم فيه”.
بص لحازم اللي كان وشه جاب ألوان الطيف، وقال وهو بيعدل زار بدلتو: “ومعلش يا حازم بيه.. بكرة الصبح تمر على الإدارة القانونية في المستشفى، لأن نقل والدك للفرع الجديد اتلغى، وبناءً على قلة الأدب اللي شفتها هنا.. عقده معايا منتهي بنهاية الشهر”.
حازم اتسمر مكانه والصدمة شلت لسانه، وأمه صرخت بذهول: “أنت بتقطع أرزاقنا عشان دي؟!”.
دكتور آسر مأداهاش أي اهتمام، مسك إيد جودي الصغيرة، ولفت إيده التانية حوالين كتفي بضغط خفيف وأنيق، وبصلي في عيني وقال بنبرة دافية قدام كل المعازيم: “يلا يا مريم.. مفيش داعي نضيع وقتنا أكتر من كده في مكان مش شبهنا.. العشاء مستنينا في المطعم”.
مشيت جنبه وأنا حاسة إني بحلم.. حازم وأمه والعروسة كانوا واقفين في نص القاعة، الضحك اللي كان مالك القاعة اتحول لوشوشات وصدمة من المعازيم، وحازم كان بيبصلي بنظرة حسرة عمري ما شفتها في عيونه قبل كده.
خرجنا من باب القاعة، والهواء البارد خبط في وشي.. أول ما بعدنا عن القاعة ودخلنا في الجراج، أنا وقفت فجأة وسحبت كتفي من إيده بسرعة.
كنت بترعش كلي، وبصيت له وعيوني مليانة دموع وإحساس بالذنب والخوف، وقلت بصوت متقطع: “دكتور آسر.. أنا.. أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه.. أنا آسفة جداً على الهبل اللي أنا عملته جوه.. أنا والله العظيم مكانش قصدي أشوه سمعتك أو أدخلك في مشاكلي.. أنا بس كرامتي كانت بتتذبح قدامهم وما حسيتش بنفسي وأنا بشاور عليك.. أنا مستعدة أطلع أعتذر قدام القاعة كلها وأقول إنك كنت بتمثل عشان تنقذني!”.
دكتور آسر وقف وبصلي بهدوء، وحط إيديه في جيوب بنطلونه، الملامح الحادة رجعت لوشه تاني بس كان فيها لمعة غريبة.. قرب مني خطوة وقال بثبات ومفيش في صوته أي ندم: “مين قالك إن الكلام اللي أنا قولته جوه ده كان تمثيل يا مريم؟”.



