منوعات

بقلم بسمه

ـ هو إحنا عملنا لكم إيه يعني؟ هو الكرسي هيغير حياتك؟

 

مريم سكتت.

 

وبعدين بصت لأمي وقالت:

 

ـ لا… بس في حاجة تانية غيرت حياتي فعلًا.

 

أمي قالت:

 

ـ إيه؟

 

مريم قالت:

 

ـ لما كنتِ بتقوليلي كل جمعة “قومي عشان الكرسي للرجالة”، كنتِ بتخليني أصدق إني أقل من ابن خالتي.

 

خالاتي بدأوا يبصوا لبعض.

 

مريم كملت:

 

ـ بس أنا عرفت إن الموضوع مش عن الكرسي.

 

وسكتت.

 

أمي قالت:

 

ـ أمال عن إيه؟

 

مريم ردت:

 

ـ عن ماما.

 

أنا اتصدمت.

 

ـ عني أنا؟

 

هزت راسها.

 

وقالت:

 

ـ أيوه.

 

ـ يعني إيه؟

 

مريم بدأت تتكلم وهي بتحاول تمنع دموعها:

 

ـ أنا شفتك الأسبوع اللي فات وإنتِ في الحمام بتعيطي.

 

سكتت.

 

ـ وسمعتك وإنتِ بتقولي لخالتي: “أنا تعبت من إني طول عمري أتنازل عشان إخواتي الرجالة… ولما كبرت لقيت بنتي بتربي بناتها على نفس الحاجة.”

 

خالاتي اتجمدوا.

 

واحدة منهم حطت إيدها على بوقها.

 

والتانية بدأت تعيط.

 

مريم بصت لهم وقالت:

 

ـ ماما عمرها ما قالت لنا الكلام ده.

 

ـ بالعكس… كانت دايمًا بتقول لنا نحترم تيتة.

 

وبعدين بصت لأمي مباشرة:

 

ـ بس أنا عرفت إنك مش زعلانة مننا يا تيتة.

 

أمي بدأت دموعها تنزل.

 

مريم قالت:

 

ـ إنتِ زعلانة من نفسك.

 

الصمت نزل على السفرة.

 

وفجأة واحدة من خالاتي انفجرت في العياط وقالت:

 

ـ مريم عندها حق.

 

أختها بصتلها:

 

ـ إنتِ بتقولي إيه؟

 

قالت وهي بتعيط:

 

ـ إحنا كمان كنا بنقوم من على السفرة عشان إخواتنا… ولما كبرنا، عملنا نفس اللي اتعمل فينا.

 

وبدأت تحكي.

 

وبعدها خالتي التانية اعترفت إنها طول عمرها كانت بتكره يوم الجمعة بسبب السفرة.

 

أما أمي…

 

فضلت ساكتة.

 

وبعدين قامت من مكانها، ومشت ناحية مريم.

 

كلنا افتكرنا إنها هتزعق لها.

 

لكنها حضنتها.

 

وقالت بصوت مكسور:

 

ـ إنتِ أول واحدة في العيلة قدرتي تقعدي في الكرسي اللي إحنا كلنا خفنا نقعد عليه.

 

وبعدين بصت لبناتها وقالت:

 

ـ وأنا آسفة… لأني علمتكم إنكم تقوموا.

 

لكن قبل ما حد يرد، دخل أخويا من الباب وقال جملة خلت أمي تسيبه مكانه:

 

ـ ماما… فيه حاجة لازم تعرفيها.

 

وبص لنا كلنا وقال:

 

ـ أنا طول السنين دي كنت فاكر إن الكراسي للرجالة… لحد ما عرفت مين اللي كان بيدفع تمن الأكل اللي إحنا قاعدين ناكل منه كل جمعة.

حكايات بسمة

أمي اتجمدت في مكانها وبصت لأخويا بدهشة:

ـ بتقول إيه يا حسن؟ تمن الأكل إيه؟

حسن نزل عينيه في الأرض ومقدرش يرفعهم في وش أمي، وبعدين بصلي أنا وخالاتي وقال وهو مكسور:

ـ أمي كانت فاكرة إن الفلوس اللي بنجيب بيها عزومة كل جمعة دي من خير المحل بتاع أبونا اللي أنا ماسكه… بس الحقيقة غير كده خالص.

السكون غطى المكان، حتى الأطفال سكتوا. أمي سألته بصوت بيترعش:

ـ أمال الفلوس دي منين يا حسن؟ اتكلم!

حسن شاور عليّ وقال:

ـ من اختكم… من أختي الكبيرة. المحل يخسر من يجي خمس سنين وكان هيتقفل، وهي الوحيدة اللي كانت بتدفع من راتب شغلها عشان البيت يفضل مفتوح وعشان السفرة دي تفضل مليانة كل جمعة… كانت بتدفع بالسر وتترجاني أقول إن الخير ده كله من المحل ومن تدبير الرجالة، عشان متكسرش فرحة أمي ولا تبين إن البيت سندها ست.

في اللحظة دي، خالاتي انهاروا تماماً في العياط. أمي بصتلي بذهول، دموعها نازلة على خدها ومظنش إنها حسيت بالوجع ده في حياتها قبل كده. أختي الصغيرة قامت وجت حضنتني وهي بتشهق، وأمي مشيت بخطوات بطيئة ناحيتي، حطت إيديها على وشي وقالت بصوت مخنوق:

ـ كل السنين دي يا بنتي؟ كل السنين دي وإنتِ بتشيلي البيت على كتافك، وفي الآخر آجي أنا وأقول لبناتك قوموا مالكوش مكان هنا؟

أنا مجهشتش بالبكاء غير لما شفت أمي بتوطي راسها وتقبل إيدي قدام الكل. مسكت إيدها بسرعة ورفعتها وحضنتها بكل قوتي.

مريم بنتي وقفت جنبنا، وأمي سحبتها للحضن وقالت بصوت عالي يسمعه كل اللي قاعدين:

ـ من النهاردة مفيش حاجة اسمها سفرة للرجالة وسفرة للستات… البيت ده قايم على كتف ست، والكراسي دي بتاعة اللي بيشيل وبيعطي، والبنات دول هيقعدوا في الصدارة قبل أي حد.

يومها اتغيرت عيلتنا للأبد. لأول مرة نجلس كلنا مع بعض، ناكل ونضحك ونحكي من غير خطوط حمراء ولا قوانين ظالمة. مريم مكنتش بس قعدت على الكرسي، مريم كسرت سلسلة طويلة من القهر والعادات اللي كانت بتوجعنا من غير ما نتكلم.

الضحك والصياهد اللي كانوا في الصالة سكتوا تماماً. حسن أخويا كان واقف على باب الصالة، صوابع إيده مشدودة على أكره الباب، ووشه أحمر من خجل العمر كله.

أمي سابت مريم من حضنها وبصت له وعينيها مظلمة:

ـ بتتكلم عن إيه يا حسن؟ تمن أكل إيه اللي بتتكلم عنه؟ هي العزومة دي مش من خير دكان أبوك الله يرحمه اللي إنت ماسكه؟

حسن طأطأ راسه في الأرض، صوته خرج مبشوع ومكسور:

ـ المحل مبيجبش همّه من خمس سنين يا أمي… المحل كان هيتقفل ويتشمع بالضبة والمفتاح من زمان.

خالاتي المصدومين قاموا وقفوا، وجوزي وباقي الرجالة اتسمروا في أماكنهم. أمي خطت خطوة ناحيته وصوتها اترعش من الفزع:

ـ يعني إيه؟ أمال الفلوس اللي كنت بتاخدها كل شهر عشان تجهيز السفرة دي والخير اللي مغرقنا كل جمعة كان بييجي منين؟ اتكلم!

حسن رفع إيده وشاور عليّ أنا.

ـ من اختي… من أختي الكبيرة اللي كنتِ دايمًا بتقللي منها وتقدمينا عليها لمجرد إننا رجالة.

الصدمة نزلت على الصالة زي الصاعقة. أمي بصتلي بذهول مش قادرة تستوعبه، وعينيها بتتنقل بيني وبين حسن.

حسن كمل وهو بيغالب دموعه:

ـ لما المحل وقفت حاله والدين زاد عليا، أختي باعت دهبها كله من غير ما جوزها يعرف، وادتني الفلوس عشان أسدد ديون تجار القماش. ومش بس كده… كل شهر كانت بتاخد نص مرتبها من شغلها في المدرسة وتديهوني تحت العقب، وتقولي: «يا حسن ده سر بيني وبينك… إياك تحرج أمي، إياك تخليها تحس إن البيت ده ملوش سند أو إن دكان أبهانا اتكسر… خليها تفضل فاكرة إن الفلوس دي من خير المحل ومن تدبيرك».

خالتي الكبيرة حطت إيدها على وشها وانفجرت في عياط بصوت عالٍ، وخالتي الثانية قعدت على الأرض مش قادرة تشيلها رجليها.

أمي بصتلي ودموعها نازلة بغزارة، شفايفها كانت بترتعش ومش قادرة تنطق كلمتين على بعض:

ـ إنتِ يا بنتي؟ إنتِ اللي شاييلانا طول السنين دي؟ وأنا… أنا اللي كنت بقول لبناتك قوموا وقفوا ورا عشان الرجالة تأكل الأولى؟

قربت من أمي ومسكت إيدها، لكن أمي عملت حاجة عمر ما حد في العيلة يتخيلها… أمي نزلت على ركبتها قدام السفرة، ومسكت إيد مريم بنتي وإيدي، وعايزة تبوسهم وهي بتشهق:

ـ سامحوني… وحياة ربنا سامحوني… أنا ظلمتكم وظلمت نفسي، أنا افتكرت إن الرجولة هي اللي بتحمي الديار، ونسيت إن الحنية والجدعنة هي اللي فاتحة البيت.

جريت عليها رفعتها وحضنتها بكل قوتي، ومريم وميرنا بنتي الصغيرة دخلوا في حضننا. الصالة كلها بقت عبارة عن دموع وحضن كبير جمع كل ستات العيلة.

أخويا حسن مشي ناحية السفرة، وسحب الكراسي كلها بأيده، وقعد مريم في صدر السفرة على الكرسي الكبير اللي كان دايمًا مخصص لأكبر راجل في العيلة. وبص لبنات خالاتي كلهم وقال بصوت جهوري:

ـ السفرة دي من النهاردة مش ملك للرجالة… السفرة دي ملك للي بيشيل البيت وبيحميه.

من اليوم ده، بيت أمي اتغير للأبد. مفيش حاجة اسمها ستات تأكل بواقي الرجالة، ولا بنات يقعدوا على الأرض. مريم بنتي بشجاعتها في اليوم ده مش بس قعدت على الكرسي… مريم كسرت سلسلة طويلة من القهر، وعلمت العيلة كلها إن الكرامة ملهاش علاقة بالنوع، لكن باللي بيصون وبيعطي من قلبه.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى