منوعات

غياب مراتي ج1

حكايات زهرة الربيع

قربت منها وأنا حاسس إن رجليا مش شايلاني، والدنيا بتلف بيا. نزلت على كوني جنبها، ورفعت راسها بحذر ودموعي في عيني، واديت إشارتي للناس تساعدني نشيلها ونحطها في العربية بسرعة عشان نلحق أقرب مستشفى. البنت الصغيرة ركبت معانا وهي منهارة من العياط ومتمسكة بجلابية أمها وبتصرخ: “اصحي يا ماما.. والنبي ما تسيبيني زي بابا!”.
كلمة “زي بابا” خبطت في دماغي زي السهم! طفلتي اللي ماتت كان عندها 6 سنين، والبنت دي شكلها حوالي 5 سنين.. يعني اتولدت أو كبرت في الفترة اللي “دنيا” كانت مختفية فيها!
وصلنا المستشفى ودخلوا بها طوارئ الإسعاف، وأنا واقف بره قدام باب الاوضه أعصابي تالفة ومشغول مع البنت الصغيرة اللي قاعدة تعيط على الكرسي. قربت منها بحنان مسحت دموعها وقلت لها بصوت مهزوز: “اسمك ايه يا حبيبتي؟ وباباكي فين؟”.
رفعت وشها ليا وقالت ببراءة وكسرة: “أنا اسمي (حنين).. وبابا مات من زمان، ومفيش غير ماما وأنا، وماما كانت على طول تعبانة وبتشتغل في الشارع عشان تجيب لي أكل”.
الكلمة دي نزلت على دماغي زي الصاعقة!!
حنين؟! بنتي اللي ماتت كان اسمها حنين.. ودي بنت تانية بنفس الاسم؟! وعمرها تقريباً نفس سن بنتي الله يرحمها؟! إزاي وليه سميتها كده؟!
قبل ما أستوعب صدمة الاسم، الدكتور طلع من أوضة الكشف وبص حواليه لحد ما شافني وقال: “حضرتك تقرب للمريضة؟”.
قلت بلهفة وخوف: “أنا.. أنا جوزها.. طمني يا دكتور، مالها؟ هي كويسة؟”.
الدكتور بص لي نظرة غريبة فيها شفقة على استغراب، وقال بهدوء: “المدام تعرضت لهبوط حاد في الدورة الدموية وسوء تغذیة شديد، جسمها ضعيف جدا وماكلتش بقالها أيام.. بس الأهم يا استاذ، إننا لازم نعمل لها الفحوصات اللازمة فوراً، لأن باين على جسمها آثار تعب وإصابات قديمة، والأغرب من كده إننا واحنا بنكشف عليها لقينا معاها أوراق ومستندات قديمة في شنطتها..”.
سكت الدكتور ثواني، وكمل بصوت واطي: “مستندات بتثبت إنها كانت محجوزة في مصحة نفسية وعصبية.. وإنها خرجت منها قبل سنتين بطريقة غير منتظمة!”.
هنا حسيت إن جدار الصدمات اتهد فوق دماغي.. مراتي اللي هربت خوفاً مني ومن غضبي، مكنتش هاربة مجرد خوف.. دي كانت هاربة لأن عقلها ودنيتها اتقلبوا بعد موت بنتنا الأولى! وسافرت، واتهت، وتعبت نفسياً، وخلّفت بنت تانية سمّتها على اسم بنتنا الراحلة، وعاشت في الشارع مرمية ومعذبة.. وكل ده وأنا كنت فاكر إنها هربت عشان خايفة مني وبس!
بس لسه المرار الحقيقي والمفاجأة الكبرى ما خلصتش.. لما فاقت “دنيا” وفتحت عينيها، وبصت لي وأنا واقف قدام السرير، وبدأت تتكلم وتقول كلام غير كل التوقعات، كلام خلاني مش عارف أصدق عيني ولا وداني!

إليك الجزء الثالث من القصة، لنعرف معاً حقيقة ما حدث لـ “دنيا” والسر المرعب خلف كل هذه السنوات الصعبة:
قربت من سرير المستشفى وبطني مقبوضة، فتحت “دنيا” عينيها ببطء، وابتدي الضباب يترفع من نظرها لحد ما ثبتت عينيها في عينيّ.
في اللحظة دي، مكنش فيه عتاب، ولا صراخ، ولا أي كلام من اللي كنت مجهزه في سنينا الطويلة اللي فاتت.. لقيتها بتبص لي بدموع حارة، ورفعت ايدها النحيلة المرتعشة، مسكت طرف كمّ هدومي، وقالت بصوت مجروح ومتقطع يقطع القلب:

“حقك عليا.. سامحني.. أنا السبب.. أنا اللي ضيعت بنتنا الأولى، وضعت أنا كمان بعدها.. بس والله العظيم ما كنت في وعيي.. المرض أكل عقلي وقلبي!”

سألتها بصوت خالع من روحي، وقلبي بينبض بجنون: “ايه اللي حصل يا دنيا؟ فهميني.. أمي قالتلي إنك سيبتي بنتنا حنين لوحدها في البيت وخرجتي فخبطتها العربية.. ليه عملتي كده؟ وازاي وازاي وصلتي للحال ده؟!”
دموعها نزلت بغزارة وهي بتعصر ايدي، وقالت الكلام اللي هدم آخر حتة متماسك فيها:

“يا ريتني كنت أنا اللي موت.. يوم ما سافرت، أهلك مبقاوش مهتمين بينا زي ما كنت بتقول.. أمك كانت دايما تلومني وتقولي أنتِ السبب في سفره وتبعدنا.. وفي يوم كنت تعبانة جداً ودايخة من السخونية، نزلت أجب أدوية من الصيدلية اللي تحت البيت، ومغبتش غير عشر دقايق بالظبط! عشر دقايق يا (سامح).. رجعت لقيت الشارع كله مقلوب.. لقيت بنتي مرمية على الاسفلت والعربية خبطتها.. ومن ساعتها، عقلي انفصل عن الدنيا!”

كملت وهي بتصرخ بصوت مكتوم:

“أنا مطفشتش عشان خايفة من غضبك وبس.. أنا هربت لأن جنون العظمة وتأنيب الضمير أكلوني، بقيت أشوف وش بنتي في كل حيطة، وأسمع صوتها بيناديني.. أهلك بدل ما يحتضنوني ويقفوا جنبي، اتهموني بالإهمال وطردوني.. فضلت تايهة في الشارع، لا معايا فلوس ولا مكان أروح فيه، وكنت بكلم نفسي زي المجانين لحد ما وقعت في إيد ناس استغلوني، وتعبت نفسياً لحد ما دخلت المستشفى النفسية.. وطلعت منها تايهة ومش عارفة أنا مين، لحد ما ربنا رزقني بـ (حنين التانية) وسميتها على اسم بنتنا عشان أحس إنها رجعتلي حضني من تاني.. بس الجسم والعقل كانوا خلاص انتهوا!”

قعدت جنب السرير ومش قادرة ألمالك نفسي، حطيت راسي بين إيديا وعيطت بحرقة زي الأطفال. كل الغضب اللي كان جوايا خلال الثلاث سنين اللي فاتوا اتحول لشفقة ووجع وكسرة قلب ملهاش أول ولا آخر. طلعت حق مظلومة، وأمي وأهلي خبوا عليّ الحقيقة خوفاً من المشاكل، ومراتي راحت في داهية وهي بريئة من الاتهامات اللي اتصورهولي!
وفجأة… واحنا في عز الاندماج وانهيارنا، فتح باب الأوضة ودخلت ممرضة ومعاها ملف المريضة، وبصت لي وقالت بصوت جاد:

“يا استاذ سامح.. البوليس بره ومستنيك، لأننا بلغنا عن الحالة، والمستشفى لقت في أوراق المريضة التابعين للنيابة إنها متبلغ عن اختفائها من ثلاث سنين وإن عليها قضايا ومحاضر قديمة من أهلك.. لازم تخرج تفهمهم الوضع إيه بالظبط!”

الصاعقة نزلت عليّ للمرة التانية… أهلي مش بس كذبوا عليا في سبب الوفاة، دول كمان حرروا محاضر ضد مراتي وهي مريضة وتاهت في الشارع!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى