روايات وقصص

المفروض تستحمي مره واحده ج 1

أحمد قرب مني.. مشي بخطوات تقيلة كأنه شايل جبل على كتافه. قعد على الركبتين قدام الكرسي بتاعي، وحط رأسه في حجري وبدأ يعيط بالصوت.. عياط راجل اتكسر وسنده الوحيد كان أمه اللي ظلمها وجار عليها عشان يرضي مراته.
مسحت على شعره بهدوء، وقلت له:
— اهدا يا أحمد.. يا ابني اهدا. الحمد لله إن ربنا كشفها قبل ما يجيب منها عيل يربطه بيها طول العمر.
رفع رأسه وبص لي وعينيه حمرا:
— سامحيني يا أمي.. أرجوكي سامحيني. أنا كنت أعمى.. كنت باديها الفلوس وأنا فاكر إنها بتساعدك، وكنت بشوفها بتقفل الحمام وأقول معلش عروسة وبتهتم بنفسها.. ما كنتش أعرف إنها بتستغل سكوتك وطيبتك بالأسلوب القذر ده! إنتِ شلتي كتير وداريتي عليا عشان ما تزعلنيش، وأنا ردتلك ده بإني سبتها تتطاول عليكي على السفرة!
— يا ابني إنت مالكش ذنب.. إنت كنت مخدوع زيي. المهم إن البيت ده هيرجع يروح فيه النفس الطيب تاني.
بعد بضع دقايق، طلعت مي من الأوضة وهي بتجر شنطة سفر كبيرة، ووشها متدمر من العياط ومسحوق المكياج سايح على خدودها. بصت لـ أحمد بقلة حيلة ورجاء أخير:

— أحمد.. أرجوك نتكلم بكرة لما تهدى..
أحمد ما بصش ناحيتها أصلاً، قام فتح باب الشقة الكبير وشاور لها على بره ببرود تام.
مي خرجت وهي بتجر شنطتها على السلم، وصوت جزمة كعبها بيبعد بالتدريج. أحمد رزق الباب وراه وقفل اللسان بالترباس، وكأن باب بيتي اتقفل على كابوس تقيل دام ست شهور.
أحمد لف لي، وبص للحمام اللي كان مقفول بالساعات، وبعدين بص لي وقال:
— ادخلي قيدي السخان يا أمي.. وادخلي خدي أحلى وأطول دش سخن في بيتك.. ومن بكرة، ما فيش مخلوق يدخل البيت ده غير بكرامتك ورضاكي.
السخان بدأ يشتغل وصوت المية وهي بتملى الغلاية كان أول صوت دافي يدخل البيت من 6 شهور.
أحمد أخد الدهب والفلوس من على السفرة، وجاب العلبة القطيفة من جوه، ورص الغوايش قدامي على السفرة إيديه كانت بتترعش وهو بيحط كل قطعة في مكانها، كأنه بيحاول يرمم حاجة اتكسرت جواه هو قبل ما تكون اتكسرت في البيت.
— خدي دهبك يا أمي.. وحقك عليا في كل قرش وكل دقيقة حسيتي فيها إنك غريبة في بيتك.
ابتسمت له بهدوء ومسحت على إيده:
— الدهب بيروح ويجي يا أحمد، المهم إنك بخير وإن عينك اتفتحت قبل ما الوقت يفوت.
أحمد ما قعدش.. مسك جردل المية والشرشوبة والمنظفات من المطبخ، ودخل الحمام الوحيد اللي كان مقفول بالساعات. شغل المية السخنة وبدأ يغسل الحيطان والمراية اللي كانت دايماً مغبشة بالبخار، ومسح الأرفف من بواقي الكريمات والزيوت اللي كانت مالية المكان. كان بينظف بَغَلّ، كأنه بيمسح أثر مي من البيت خالص.
بعد نص ساعة، طلع أحمد وقال بصوت خافت:
— الحمام فاضي يا أمي.. والمية سخنة نَار. ادخلي خدي وقتك براحتك خالص.
قمت دخلت الحمام.. للمرة الأولى من شهور، وقفت تحت المية السخنة في بيتي من غير ما أكون مستعجلة، من غير ما أسمع خبط على الباب، ومن غير ما أحس إني عبء على حد. خرجت وأنا حاسة إن روحي هي اللي اتغسلت مش جسمي بس.
لقيت أحمد قاعد في الصالة، طفى النجفة الكبيرة ومولع لمبة سهاري صغيرة، وحاطط رأسه بين إيديه. قعدت جنبه على الكنبة، وبص لي وقال:
— أنا مش مصدق إن دي كانت مراتي يا أمي.. مش مصدق إن الإنسانة اللي اخترتها وعشت معاها سنة ونص كانت بالغل والجشع ده! كانت شايفاكي ساكتة فتسوق فيها، وكانت شايفاني بتعب فتاخد عرقي وتشتري بيه مظاهر كدابة وتسرقك!
— اللي يربيه الطمع يا ابني ما يملاهوش غير التراب. مي كانت شايفانا طيبين، والافتراء بيخلي البني آدم يعمى ويفتكر إن محدش هيكشفه.
على الساعة 11 بالليل، التليفون بتاع أحمد بدأ يرن.
كان رقم أبو مي.
أحمد بص للموبايل وهو بيتهز على الترابيزة، ما ردش من أول مرة. الرنة تكررت مرتين وتلاتة. في المرة الرابعة، فتح السبيكر وحط الموبايل بيننا.
صوت أبو مي طلع من التليفون، مشتعل غضب وعصبية:
— إيه الكلام الفارغ اللي بنتي جاية بيه ده يا أحمد؟ طارد مرتك بالليل بشنطة هدومها ومتهمني إني ما عرفتش أربي؟ إنت  يا ابني ولا جرى لعقلك حاجة؟
أحمد رد بمنتهى الثبات، وصوته كان صلب زي الحديد:
— أهلاً يا عمي.. بنتك وصلت عندك بخير؟ كويس. بالنسبة للتربية، أنا ما على حد، أنا بتتكلم عن حقايق أثبتتها عينيا وأمي قدامي على السفرة.
أبو مي صرخ في التليفون:
— حقايق إيه وزفت إيه؟ بنتي بتقول إن أمك بتبتلي عليها عشان كانت بتطالبها بكهربا ومية، وإنك فتشت شنطتها وهنتها ورميتها في الشارع عشان خاطر كلام فارغ بتاع ستات كبار!
أحمد ضحك ضحكة قاسية، ورد عليه:
— بنتك يا عمي كانت بتاخد مني كل شهر 3 آلاف جنيه على أساس بتديهم لأمي مشاركة في مصاريف البيت، وبنتك ما دفتعتش جنيه واحد لأمي من 6 شهور وكانت بتسيب أمي تدفع الفواتير من معاشها. وبنتك يا عمي اتلقت في شنطتها غوايش دهب سرقاها من درج أمي، ومعاها الفولس اللي كنت بادهالها وشريكة بيها كريمات وسيرومات بألفات الجنيهات وهي قاعدة عندي ببلاش!
الناحية التانية من الخط سكتت تماماً. الصمت كان تقيل ومفاجئ.
أحمد كمل كلامه وبكل حسم:
— وبنتك فوق ده كله، وقفت على سفرة أمي وأهانتها وقالت لها إنتِ مش نضيفة ومحتاجة تستحمي، عشان تداري على سرقتها وتغلوش على قرفها. أنا مش برمي تهم يا عمي.. أنا معايا الدهب والفلوس اللي طلعت من شنطتها قدام عيني، والعلب الفاضية اللي كانت بترميهم في زبالة الحمام.
أبو مي بصوت متردد ومتغير تماماً عن الأول:
— أحمد.. الكلام ده خطير.. مي حكالي موضوع تاني خالص..
— مي كدابة يا عمي. وبنتك طالق.. طالق بالتلاتة، وتيجي بكرة هي وأخوها ياخدوا باقي حاجتها من البيت، وورقتها هتوصلها على بيتكم مع المأذون!
أحمد قفل السكة في وش أبو مي من غير ما يستنى منه رد، وحط التليفون على الترابيزة.
بصيت لـ أحمد ودموعي نازلة:
— إنت متأكد من قرارك يا ابني؟ مش عايز تفكر؟
أحمد مسح دموعي بإيده وابتسم ابتسامة مكسورة بس صافية:
— القرار ده كان لازم يتاخد من بدري يا أمي. اللي تسرق أهلي وتهين أمي وتعيش على الكدب والسرقة ما ينفعش تشيل اسمي ولا تكون أم لولادي في يوم من الأيام. البيت ده رجع ل أصحابه خلاص.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى