
أنا متجوزه وعندى أخويا صغير، وبسبب إن أهلهى متوفيين، انا بربى اخويا مع عيالى من البداية قولت لجوزى: “أنا هصرف عليه” من شغلي وورثى انا وهو طبعا اخويا انا المسئواله عن ورثه. حماتى بقى متضايقه جدا من الموضوع، خصوصًا إنها ساعات لما أشتري حاجة لأخويا تقوله: “دى حاجات غالية أوي، ليه تشترى هدوم بأسعار غالية جدًا؟ ما كنتي تصرفي الفلوس دي على عيالك بدل اخوكى ده!” اقولها: “دي فلوس ورث أبويا، وده حقه من فلوسه، محدش بيديوه حاجة من جيبه.”
وفى يوم اتفقت هى وجوزى..
البداية
بيقولوا إن الست ملهاش إلا بيت جوزها، بس لما يبقى البيت ده متسقف بالظلم، ويبقوا عاوزين ينهبوا حقوقك وحدود حلالك، يبقى لازم البيت ده يقف عند حده.
أنا اسمي سمر، وعايشة في حارة شعبية وسط ناس يفترض إنهم أهلي وناسي. أبويا وأمي اتوفوا وسابوا لي تركة ثقيلة.. مش بس ورث ومبلغ في البنك، لا.. سابوا لي “أحمد”، أخويا الصغير اللي ملحقتش الدنيا تنور في وشّه. عيل عنده تمان سنين، يتيم الأب والأم، ومفيش حنين عليه في الدنيا دي غيري.
من أول يوم دخلت فيه بيت جوزي “سامح”، اتكلمت كلمة عقل يتقطع عليها لسان أي حد:
“يا سامح، أحمد أخويا في رقبتي. هربيه مع عيالي، ومحدش هيشيل قرش من مصاريفه. أنا شغالة ورزقي معايا، وغير كده ورث أبويا أنا المسؤولة عنه أمانة لأخويا، فلوسه محفوظة وبتصرف عليه هو وبس.. محدش هيدفعله مليم من جيبه.”
وسامح وقتها هز راسه ووافق، وقال لي: “ده أخوكي يا سمر، والبيت بيتكوا.”
بس الكلام السهل على اللسان، بيبقى جمر تحت الضروس لما يدخل فيه الطمع.
حماتي.. الحجة “سعاد”. ست كلامها زي المبرد، بياكل في العضم بالهداوة. كانت تقعد تبص لأحمد وهو طالع وداخل بالهدوم الجديدة، وعينها بتاكل كل حاجة بنشتريها. لما أكون نازلة أشتريله طقم للعيد أو للمدرسة، وأرجع بالشنط، تطلع لي على السلم زي القضاء المستعجل، وتمسك الهدوم تقلب فيها وتفرك الكلام بين سنانها:
“إيه كل دي يا سمر؟ كل دي هدوم جايباها للواد؟ دي بأسعار غالية أوي يا ختي! ما كنتي تصرفي الفلوس دي على عيالك وعيال ابنك؟ هو الواد ده هيطفح الفلوس دي كلها ليه؟”
كنت ببتسم إبتسامة ناشفة، وأرد بهدوء وثبات:
“يا حجة سعاد.. دي فلوس ورث أبويا، وده حقه الشرعي من فلوسه. محدش بيدي له حاجة من جيبه، ولا أنا ولا ابنك دافعين قرش من معايشنا. ده حق اليتيم، وأنا مش هحرمه من حلال أبوه.”
كانت تبص لي وعيونها تقيد نار، وتفرك إيديها وتقول لي: “يتيم يتيم.. بكره تشوف اليتيم ده هيعمل فيكي إيه لما يكبر.”
وتمر الأيام، وأنا شايلة الهم وساكتة، لحد ما جه الليوم اللي ظهرت فيه النوايا على أصلها.
سلفي “حسين”، ابنها الصغير، خطب. وحسين عنده شقة صغيرة في ملحق البيت، على قد حاله. بس الحجة سعاد عينها مش عاجبها القليل، وعينها ضربت في شقتي أنا وسامح.. الشقة الواسعة اللي أنا تعبت فيها وشطبتها بقرشين من معايا مع جوزي.
في ليلة شتا تلج، دخلت الشقة ولقيت سامح قاعد وحماتي قاعدة جنبه، كوبايات الشاي قدامهم، والجو بيناتهم فيه ملعوب بيترتب. أول ما دخلت، الحجة سعاد بصلتي بضحكة صفرا وقالت:
“تعالي يا سمر يا حبيبتي، أقعدي عاوزينك في موضوع مهم يخص مستقبلك ومستقبل أخوكي.”
قعدت وقلبي مقبوض: “خير يا حجة؟”
سامح حمحم وبص في الأرض، وبعدين حماتي هي اللي اتكلمت بصوت كله لؤم:
“بصي يا سمر.. حسين أخو سامح هيتجوز، وشقته صغيرة مش هتكفي العروسة وأهلها. فإحنا اتفقنا.. إن سامح وحسين يتبادلوا، حسين ياخد الشقة دي يتجوز فيها، وأنتم تطلعوا تأجروا أو تشتروا بيت تاني يعيش فيه سامح وأنتِ وأخوكي!”
أنا تنحت، وبصيت لسامح اللي كان ساكت ومبصش في عيني، وقولت:
“نعم؟ نطلع من شقتنا عشان سلفي يتجوز فيها؟ وأنا مالي ومال شقته الصغيره؟ ما يتجوز فيها ولا يتصرف!”
حماتي قامت وقفت وربطت طرحتها بغل، وقالت بصوت عالي:
“لا يا حبيبتي، أنتِ معاكي فلوس ورث أخوكي ومجمدة تحت إيديكي! تتفقي أنتِ وسامح وتلموا الفلوس، وتشتري بيت كبير بره على قدكم كلكم، ما أنتِ معاكي ياما وأخوكي معاكوا! اشتروا بيت بفلوس الورث دي وبلاش بخل!”
دمي غلي في عروقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لسامح وقولت له بصوت حازم:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
“أنت ساكت ليه يا سامح؟ أنت موافق على الكلام ده؟ عاوزني أخد فلوس أخويا اليتيم وأشتري بيها بيت عشان حلم أخوك وأمك؟ عاوزني أفرط في حق اليتيم اللي ربنا حذر منه في كتابه عشان أرضيكم؟ عاوز شقة برة؟ اشترِ من فلوسك أنت! تاخد فلوس أخويا اليتيم ليه؟!”
سامح وقف فجأة، ووشه احمر من الغضب، وبدل ما يدافع عن حقي وحق اليتيم، زعق بعلو صوته وقال كلام نزل عليا زي الصاعقة:
“خلاص! طالما كده، الواد ده مش يقعد في بيتي دقيقة واحدة ثاني!”
وقفت في نص الصالة والدموع جمدت في عيني، وبصيت لسامح وأنا مش مصدقة إن الراجل اللي وافقت أعيش معاه على المرة قبل الحلوة يبيع كرامتي وحق أخويا الصغير في لحظة عشان يرضي أمه. الكلمة طلعت منه زي الرصاصة: “الواد ده مش يقعد في بيتي دقيقة واحدة ثاني!”
الحجة سعاد وقفت ورا ابنها وضمت إيديها لبعض وابتسامة النصر على وشها، وقالت بصوت مسموم:
“أيوه كده يا سامح يا بني! حط حد للمهزلة دي، البيت ده بيت راجل، ومش هنصرف على عيال الناس ونحرم أخوك من فرحته عشان واد يتيم لا بيقدم ولا بيأخر!”
أحمد أخويا الصغير كان واقف ورا باب الأوضة، ماسك في كراسة الرسم بتاعته، وسامع الصويت والزعاق. خرج بخطوات ترتعش، وشفت الرعب في عينيه الصغيرين. أمه وأبوه ماتوا وسابوه، ودلوقتي شايف المكان الوحيد اللي تحامى فيه بيهتز تحت رجليه. جرى عليا ومسك في جلابيتي ودفن وشه في حضني، وجسمه كله بيكش من الخوف.
نزلت على ركبي، ضميته بحضني وقوّيت قلبي، وبصيت لسامح بعينين مفيهاش نقطة ضعف ولا انكسار، وقولت له بصوت واطي بس حاسم:
“البيت ده مش بيتك لوحدك يا سامح. القرشين اللي تشطبت بيهم الشقة دي كانوا من عرقي ومن ورثي اللي أخدته يوم وفاة أبويا. أنت نسيت؟ ولا أذكرك بالدفاتر والشيكات؟ الواد ده أمانة ربنا في رقبتي، واللي يمس منه شعرة، أو يفكر يأخذ قرش من حلاله، أنا هقف له بالمرصاد!”
حماتي اتجننت لما لقتني مش بخاف ولا بضعف، صرخت وقالت:
“أنتِ بتهددي ابنك في بيته يا سمر؟ بتفضلِ الواد ده على جوزك وعيلة جوزك؟ خلاص، طالما كبرتي دماغك وحاطة الفلوس في القاصة وقافلة عليها، يبقى تفضي الشقة دي بكرة الصبح، وحسين أخوه يتجوز هنا، وأنتِ تروحي تأجري لك حتة جحر تعيشي فيه أنتِ وأخوكي بعيد عننا!”
سامح كمل على كلام أمه وهو بيحاول يبان قوي قدامها:
“زي ما أمي قالت لك يا سمر! يا نشتري البيت الجديد من الفلوس اللي معاكي ونكتبه باسمنا وباسم حسين عشان الشمل يتلم، يا إما تاخدي أخوكي وتفتشي لك على مكان تاني، أنا مش هقعد أخدم وأشيّل نفسي هموم ناس تانيين!”
في اللحظة دي، حسيت إن الغشاوة اتمسحت من على عيني. اتأكدت إن الجوازة دي مكنتش قائمة على حب ولا سند، دي كانت طمع مقنع في ورث أبويا وفي القرشين اللي شايلهم للزمان ولأحمد عشان لما يكبر يلاقي حتة أرض ينقف فيها رزقه.




