
جوزي قام مرة واحدة.
إنتِ بتقولي إيه؟!
الصمت نزل على الصالة زي الجبل. الكلمة خرجت من بين شفايفي هادية، بس هزت البيت كله كأنها زلزال اتهدمت معاه كل الأحلام والمخططات الكدابة اللي كانوا بيبنوها على حسابي.
جوزي شريف وشه اتقلب أصفر زي الجثة، إيده اللي ماسكة الورقة كانت بتترعش بشكل مش طبيعي، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين الكلام المكتوب بالبنط العريض في العقد الموثق بالشهر العقاري، وبين وشي اللي كان في قمة الثبات والكبرياء.
حماتي الحاجة صفاء وقفت مكانها، كأن حد ضربها على دماغها بمرزبة، عينيه اتوسعت بذهول وصدمة، وراحت تخطف الورقة من إيد ابنها عشان تتأكد بنفسها. أخت جوزي، داليا، سكتت تماماً، والكلام عن التلاجة الفاخرة اللي كانت بتختار ألوانها وماركتها اتمسح من لسانها في ثانية.
شريف بصلي بصوت مخنوق وبيقطع من كثرة الصدمة
إنتِ… إنتِ بتقولي إيه يا سارة؟! الشقة دي… الشقة دي شقتي أنا!
أنا اللي كتبت العقد الابتدائي معاكي، وأنا اللي مدخل فيها كل قرش من جوازنا!
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة راجل شايف اللي قدامه بيغرق في الشبر المية اللي حفرها بنفسه، وقعدت على الكرسي، وحطيت رجل على رجل وأنا بفرد ضهري
لأ يا شريف… ضحكت عليك نفسك، أو بالأحرى أمك هي اللي ضحكت عليك وأقنعتك إنك شاطر وذكاءك خارق! الشقة دي من سنتين لما اشتريناها في العمارة الجديدة، إنت جيتلي تبكي تقول إن معندكش سيولة كفاية للدفعة الأولى والكاش، وأقنعتني أبيع دهب أمي الله يرحمها وأسحب كل تحويشة عمري من البنك عشان ندفع تمن الشقة… فاكر؟!
شريف بلع ريقه بارتباك شديد، وبص لأمه اللي كانت واقفة أيديها بتموت من الرعشة
أيوه… بس… بس إحنا اتفقنا إن البيت بيتنا، وإن الشقة باسمي أنا وأنا اللي بكمل بقية الأقساط البسيطة!
قمت وقفت بخطوات بطيئة، وقربت منه لحد ما بقيت على بُعد خطوة واحدة من وشّه، وعيني في عينه مباشرة
إنت كنت فاكر إن العقد الابتدائي اللي مخبيه في درج مكتبك باسمك هو النهاية؟ نسيت إن التوكيل الرسمي والتسجيل النهائي في الشهر العقاري تم بفلوسي أنا وباسمي أنا بالكامل؟! الأستاذ محمود المحامي اللي اتصلت بيه إمبارح بالليل هو اللي خلص الإجراءات دي من سنتين كاملين، بناءً على الفواتير وإيصالات التحويل البنكي اللي طالعة مباشرة من حسابي الشخصي باسمك وباسم صاحب العمارة!
حماتي صرخت بصوت هز أركان الصالة، وجريت عليّ وهي بتهز
إيدها في الهواء بغضب وجشع
يا خاينة يا مكرة! بقى تعملي الحركة دي من ورا ابن حبيبي؟! أنتِ جاية بعشيلتك ودهبك المستخبي تعملي علينا ملكة وأنتِ في أصلك حتة موظفة بتاخد مصروفها بالمليم؟! الشقة دي ابن شقي وعرق ابني، ومش هسيبك تاخدي منها طوبة واحدة حتى لو على رقبتي!
التفتت لحماتي بقمة البرود، ورفعت حواجبى بسخرية
يا حاجّة صفاء… ياريت تهدي على صحتك شوية، عشان الضغط لو ارتفع دلوقتي مش هتلاحقي تشوفي باقي المفاجآت! ابنك اللي بتقولي عليه شقي وعرق، طوال 4 سنين جواز ما يدفعش غير الفواتير والأكل البسيط، بينما أنا اللي كنت بشيل أقساط الشقة، وأنا اللي بغير العفش، وأنا اللي حوشت من مرتبي وساعات شغلي الإضافية بالليل والنهار عشان اجيب التلاجة الجديدة اللي طمعتوا فيها إنتِ وبنتك!
داليا، أخت جوزي، قامت وقفت بارتباك وقالت وهي بتبكي بدموع كدابة
يا سارة… أنا ماليش دعوة باللي بينك وبين شريف! أنا كنت فاكرة إنكم بتساعدوني من خيركم، هو يعني عشان تلاجة تمشوني وتطردوا شريف من شقته؟! إحنا عيلة واحدة!
ضحكت ضحكة عالية رنت في الشقة كلها، ضحكة مليانة قهر وسخرية من التمثيل الرخيص اللي كان بيمارسوه عليّ طوال السنين دي
عيلة واحدة؟! حلوة أوي الكلمة دي يا داليا
كلمة عيلة واحدة دي ما بتفتكروهاش غير لما تحبوا تاخدوا شقايا وتعب عيوني! لما كنت بقعد بال 14 ساعة في الشركة عشان أحوش تمن التلاجة، ما حدش قاللي تعبتِ ليه يا سارة؟ لما كنت بغسل الهدوم على إيدي في البرد عشان التلاجة والغسالة القدموا، ما حدش من العيلة دي جه قاللي خدي ارتاحي شوية! لكن أول ما التلاجة الجديدة دخلت البيت، بقى حق مكتسب ليكي… والنهارده لما شريف المحترم يقرر يبيعها عشان يرضيكي، الشقة نفسها بقت هي اللي هتباع!
شريف مسك إيدي بقوة، وعينيه كانت مليانة توسل ورعب، كبرياؤه اللي كان بيتنطط بيه عليّ إمبارح وهو بيقول هنبيع بتاعتك ونجيب لأختي واحدة اتمسح تماماً
سارة… أرجوكي اهدى وخلين نتكلم في الأوضة جوة! أمي وداليا مالهمش ذنب، أنا اللي غلطت وأنا مستعد أعتذر لك قدامهم كلهم! التلاجة مش هتباع، وهجيب لأختي واحدة بالتقسيط على حسابي الشخصي، بس بلاش موضوع الشقة ده… الشقة دي هي شقى عمرنا وبيتنا اللي بنيناه سوا!
سحبت إيدي من قبضة إيده بمنتهى القسوة والجفاف، وبصيت له بنظرة خلت جسمه كله يترعش
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




