
عدت الأسابيع الأخيرة بسرعة، وكل يوم كان بيقربنا أكتر من اللحظة اللي هنشوف فيها أول طفل لشهد وأحمد.
شهد كانت قربت تدخل شهرها الأخير، وكانت بتحاول توفق بين الراحة وتجهيز باقي أوراق الدكتوراه، وأنا كنت بروح لها كل يوم تقريبًا أساعدها في البيت وأطمن عليها.
أحمد كان مختلف تمامًا في الفترة دي. بقى أكثر حرصًا عليها، يتابع مواعيد الطبيبة، ويتأكد إنها بتاخد راحتها، وكل ما يخرج شغله يوصيني:
“يا أمي، خلي بالك منها. لو حست بأي تعب كلميني فورًا.”
وأنا كنت أضحك وأقول له:
“روح شغلك يا ابني وسيب الباقي عليا.”
وفي إحدى الليالي، كانت الساعة قربت من منتصف الليل.
كنت قاعدة في الصالة مع شهد، وهي بتراجع بعض الأوراق، وفجأة حطت إيدها على بطنها وسكتت.
بصيت لها وقلت:
“مالك يا شهد؟”
قالت وهي بتحاول تبتسم:
“مش عارفة يا ماما… حاسة بتعب مختلف المرة دي.”
قربت منها بسرعة.
“يعني إيه مختلف؟”
قالت:
“حاسّة إن الوقت قرب.”
قلبي دق بسرعة، ومسكت تليفوني واتصلت بأحمد.
“يا أحمد، تعالى بسرعة. شهد شكلها بدأت تتعب.”
رد من أول رنة:
“أنا جاي حالًا يا أمي.”
بعد دقائق، بدأ التعب يزيد، واتصلنا بالطبيبة، وأكدت إن لازم نروح المستشفى للاطمئنان عليها.
نزل أحمد بسرعة، وساعد شهد تركب العربية، وأنا ركبت جنبها.
طول الطريق كان أحمد بيبص عليها من المراية كل شوية:
“شهد، أنتِ كويسة؟”
فترد عليه:
“أنا كويسة يا أحمد… بس ادعيلي.”
وصلنا المستشفى، والطبيبة استقبلتنا فورًا.
دخلت شهد غرفة المتابعة، وأنا وأحمد وقفنا برة.
أحمد كان ماشي في الممر رايح جاي، وكل شوية يبص على باب الغرفة.
قلت له:
“اهدأ يا ابني، ربنا هيطمنا.”
قال وهو بياخد نفس طويل:
“أنا عارف يا أمي… بس دي أول مرة أحس إن قلبي مش في إيدي.”
بعد فترة قصيرة خرجت الطبيبة وابتسمت:
“الحمد لله، كل شيء مستقر. بس واضح إن الولادة قربت جدًا، والأفضل تفضلوا هنا تحت الملاحظة.”
فرح أحمد، وحمد ربنا.
دخل عند شهد، وقعد جنبها يمسك إيدها.
“سمعتي يا دكتورة؟ قريب هنشوف ابننا.”
شهد ابتسمت:
“أنا مش مصدقة إن كل ده حصل بسرعة.”
أحمد قال:
“فاكرة اليوم اللي كنتِ فيه خايفة من بكرة؟ بصي إحنا وصلنا لفين.”
دموع شهد نزلت بهدوء.
“الحمد لله.”
مرت الساعات، وكل شيء كان هادي.
لكن قبل الفجر بقليل، دخلت الطبيبة مرة ثانية، وبعد الفحص قالت:
“واضح إن الوقت جه.”
خرج أحمد بسرعة ينادي الممرضة، وأنا وقفت جنب شهد أطمنها.
قالت شهد وهي ماسكة إيدي:
“ماما، خليكي معايا.”
قلت لها:
“أنا هنا يا بنتي، ومش هسيبك.”
بدأت الاستعدادات، وأحمد وقف برة الغرفة يدعي ربنا.
بعد وقت بدا لنا طويلًا جدًا، سمعنا أول صوت بكاء للطفل.
وقف أحمد مكانه وكأنه مش قادر يستوعب.
ثم خرجت الطبيبة وهي بتبتسم:
“مبروك يا أحمد… ربنا رزقكم بطفل جميل، والأم والطفل بخير.”
أحمد رفع إيده للسماء وقال:
“الحمد لله.”
ثم دخل عند شهد.
كانت مرهقة، لكن أول ما شافته ابتسمت.
قال لها:
“الحمد لله يا شهد… بقيتِ أم.”
ابتسمت وهي تبص ناحية الطفل:
“وإنت بقيت أب.”
قرب أحمد من سريرها، وبص لطفله لأول مرة، وكانت عينيه مليانة دموع.
قال:
“أنا مش مصدق إن ده ابننا.”
ردت شهد:
“ربنا يحفظه لنا.”
دخلت أنا بعدهم، وأول ما شفت الطفل، دموعي نزلت من غير ما أحس.
حطيت إيدي على رأسه وقلت:
“ربنا يجعله وش السعد عليكم، ويبعد عنه كل اللي شوفناه زمان.”
وبعد ساعات، بدأت الأخبار الحلوة تنتشر وسط العيلة.
لكن في وسط الفرحة، حصل شيء غريب.
الممرضة دخلت وقالت لأحمد:
“في شخص واقف برة بيسأل عنك، وبيقول إنه قريب للعيلة.”
أحمد استغرب:
“مين؟”
قالت:
“مش راضي يقول اسمه بالتفصيل، بس بيقول إن معاه رسالة مهمة جدًا.”
خرج أحمد للممر، وأنا فضلت جنب شهد.
بعد دقائق رجع أحمد وملامحه اتغيرت.
سألته:
“فيه إيه يا ابني؟”
قال:
“الشخص ده سلمني ظرف.”
بصيت له باستغراب:
“ظرف إيه؟”
فتح أحمد الظرف، وقرأ الورقة بصمت.
شهد لاحظت التغير في وشه وقالت:
“أحمد… حصل إيه؟”
رفع عينه ناحيتها وقال:
“الرسالة من شخص له علاقة بالماضي.”
سكت لحظة، ثم أضاف:
“وبيطلب مني أقابله بعد ما عرف إن ابننا اتولد.”
بصيت لشهد، ثم لأحمد.
قلت:
“إنت مش هتروح لوحدك.”
أحمد هز رأسه:
“أكيد يا أمي. أي حاجة تخص الماضي لازم تتعامل بالقانون.”
احتفظ بالرسالة، وقرر يبلغ المسؤولين عنها قبل ما يعمل أي خطوة.
أما شهد، فكانت بصّة واحدة لطفلها كفاية تخليها تنسى كل خوف عاشته.
قربت منه وقالت:
“كل اللي فات انتهى. من النهارده عايزة حياتنا تبقى كلها أمان ونجاح.”
أحمد مسك إيدها وقال:
“وهنخليها كده.”
وفي اللحظة دي، رن هاتف أحمد مرة أخرى.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
المكالمة كانت من رقم مجهول.
رد بحذر:
“ألو؟”
جاله صوت هادي من الناحية الثانية:
“مبروك يا سيادة النقيب… بس لسه فيه حساب قديم ما اتقفلش.”
أحمد سكت لحظة، ثم قال بثبات:
“لو عندك كلام، قوله للجهات المختصة.”
وجاله الرد:
“هتعرف قريب.”
وانتهت المكالمة.
بص أحمد لشهد، ثم لطفله الصغير، وأخذ نفسًا عميقًا.
كان عارف إن الماضي بيحاول يطرق بابهم مرة جديدة…
لكن المرة دي، كان عنده عيلة كاملة يستحق يحميها، وقانون لازم يلجأ له، وحياة جديدة مش مستعد يسمح لأي حد يهدد استقرارها.
وفي الخارج، كانت شمس الصباح بدأت تطلع.
وكأنها بتعلن بداية فصل جديد تمامًا في حياة شهد وأحمد…
فصل ما كانش حد فيهم يعرف إن مفاجآته لسه ما خلصتش.
#الكاتب_رومانى_مكرم_



