
مرّت الأيام متلاحقة، وبدأت مريم وطارق في خطوات إعداد عش الزوجية بكل شغف وانسجام. كان طارق يحرس أن يشركها في كل تفصيلة، من اختيار ألوان الجدران إلى أثاث المنزل، مؤكداً لها في كل موقف أن هذا البيت يُبنى را حتها وكرامتها قبل أي شيء آخر.كانت مريم تعيش حالة من السلام النفسي لم تذقها من قبل؛ نضارة بشرتها وصحتها ورشاقتها أصبحت جزءاً أصيلاً من أسلوب حياتها اليومي، ليس بدافع كما كان في البداية، بل حبّاً في ذاتها وتكريماً لجسدها الذي تحمل الكثير.
أما حازم، فقد كان ينزرف في قاع من الضياع لا قاع له. استقالته من عمله وعزلته قاتلة الشارع جعلا أفكاره تتآكل. صار يمشي في الطرقات كالمطارد، يُخيل إليه أن الشوارع والبيوت والمارة يتغامزون عليه، يشيرون إلى الرجل الذي فرّط في النعمة يوم مرضها وهوانها، ثم جثا على ركبتيه ينحب كالأطفال حين أشرقت بجمالها وعزتها في يد غيره.
في أحد أيام الشتاء الباردة، كان طارق ينقل بعض المستلزمات إلى الشقة الجديدة التي تقع في بناية راقية في الحي المجاورة. ولأنه كان يود أن تفاجأ مريم باللمسات الأخيرة، طلب منها أن تأتي برفقة والدتها لرؤية المنزل بعد اكتمال تجهيزه.
ارتدت مريم معطفاً أنيقاً باللون البيج يبرز طولها وقوامها المنسق، ووضعت لمسات مكياج هادئة أظهرت عينيها الكحيلتين وجمال بشرتها النضرة. نزلت من بنايتها بثقة ورقة، وكانت السعادة ترتسم على وجهها كضوء الصباح. لكن الشارع لم يكن خالياً.
كان حازم يجلس في سيارته القديمة الرابضة في زاوية الشارع، يراقب مدخل بنايتها بنظرات ذابلة وعينين غائرتين من السهر والتفكير. عندما رآها تخرج وتستقل سيارة الأجرة برفقة والدتها، جن جنونه. كان يُمني نفسه بكل لحظة يراها فيها، وكأن رؤيتها هي المخدر الوحيد لندمه المشتعل.
دون أن يفكر، أدار محرك سيارته وتبعهما عن بُعد، يتتبع أثرها كالمقيد بسحر لا يستطيع الفكاك منه. وصلت مريم ووالدتها إلى البناية الجديدة، وصعدتا إلى الشقة حيث كان طارق في انتظارهما بابتسامته الدافئة وباقة ورد حمراء استقبل بها مريم. دخلت مريم الشقة، وكانت الانبهار يملأ عينيها؛
طارق صمم كل ركن كما كانت تحلم تماماً، بل وأضاف زاوية خاصة لها مليئة بالكتب والزهور الجافة التي تحبها. وقفت مريم في منتصف الصالة، ونظرت إلى طارق بامتنان وعينين تلمعان بالدموع:”أنا مش عارفة أقولك إيه يا طارق.. إنت عوضتني عن كل لحظة وجع شفتها في حياتي.
“مسك طارق يدها برفق واحترام وقال بصوت حنون:”إنتِ ما تستاهليش غير الكرم والعز يا مريم. اللي يشوف جوهرك وما يشيلكيش في عينيه، يبقى ما بيفهمش في الأصول ولا يستاهل يكون راجل في حياتك.”في هذه اللحظة بالذات، كان حازم قد صعد درجات البناية بخطوات مرتجفة.
كان الباب المفتوح قليلاً للنقاشين والعمال يتسلل منه صوت طارق وضحكات مريم الصافية. تقدم حازم بخطوات ثقيلة كأنه يسير على جمر موقد، وقسّم نظراته من فتحة الباب. رآها.. رآها وهي تقف في الشقة الجديدة، تضحك بحرية، وتبتسم للرجل الذي صانها واحتواها.
رأى كيف يحيطها طارق بنظرات الأمان والرعاية، وكيف تتفتح أنوثة مريم وجمالها الصافي في حضوره كزهرة وجدت أرضاً طيبة وماءً نقياً. تذكر حازم شقته الضيقة الضائعة، وتذكر كلامه المسموم يوم كان يراها مجرد خادمة لشغله ومصاريف جوازه، يوم نعتها بـ “التخينة” و”القرفة”.
تذكر كيف غرس السكينة في قلبها وهي تعاني الحمى والصعد، وأدرك في هذه اللحظة القاسية أن مريم لم تكن ناقصة أنوثة ولا جذابة، بل كان هو الأعمى الذي لم يَرَ النور إلا بعد أن انطفأ في بيته وأضاء في بيت غيره.
سقطت دموع حازم على عتبة الشقة، ولم يستطع السيطرة على نوبة بكاء خفية حبسها في صدره حتى كادت أضلعه تتكسر. التفت ليرحل قبل أن يراه أحد، لكن قدمه اصطدمت بدلو طلاء فارغ كان بجوار الباب، ليرن الصوت بقوة في الممر.
خرج طارق فوراً ليستكشف الأمر، ليجد حازم واقفاً في الممر، انحنت كتفاه، وتدهورت هيئته، وعيناه المحمرتان تنظران إلى الشقة بنشيج مكسور. خرجت مريم خلف طارق، وعندما رأت حازم تقف في الممر بهذه الحالة المزرية، لم تفزع ولم تغضب.
بل وقفت بجوار طارق بكل شموخها وأناقتها، ونظرت إلى حازم بنظرة حزن خفيفة.. ليس حزناً عليه، بل حزناً على إنسان دمر حياته بنفسه بجهله واستعلائه الفارغ. قال طارق بصلابة ورجولة:”أستاذ حازم؟ إنت بتعمل إيه هنا؟ وليه بتلاحق خطيبتي من مكان لمكان؟
“تعلثم حازم، ونظر إلى مريم بعيون توسل وندم يمزق الصدر، وقال بصوت حشرجي خافت:”مريم.. أنا بس… أنا كنت عايز أطمن عليكِ.. أنا مش قادر أعيش، النار بتاكل في صدري كل يوم.. سامحيني يا مريم، قوليلي إنك مسامحاني عشان أقدر أتنفس!
“نظرت مريم إلى وجهه المجهد وعينيه الباكيتين، ثم تمسكت بذراع طارق بثقة وثبات، وقالت بصوت هادئ ورزين، صوت أصدر الحكم النهائي والأخير الذي لا رجعة فيه:”المسامحة دي للي بيغلط وهو جاهل يا حازم.. مش للي بيتلذذ بإهانة الإنسانة اللي شقت عشان تبني معاه بيت.
أنا ما بقتش أكرهك، لأن الكره معناه إنك لسه تشغل جزء من تفكيري.. إنت بالنسبة لي بقيت صفر على شمال الحياة. طريقي مع طارق بدأ، وطريقك إنت اخترته بإيدك يوم ما رميت الكلمة المسمومة وقفت السكة في وشي.
“ثم التفتت إلى طارق بابتسامة دافئة وقالت:”يلا يا طارق ندخل الشقة ونقفل الباب.. عشان الهوا بره بقى بارد ومغبر.”أمسك طارق يدها ودخلا إلى الشقة، وأغلق الباب الثقيل بقوة وهدوء في وجه حازم. وقف حازم في الممر المظلم، يصغي لصوت المفتاح وهو يدور في القفل، كأنه قفل أُغلق على قلبه وأمله إلى الأبد.
نزل درجات السلم وهو يتهاوى، يمسح دموعه بأكمامه، يحمل في صدره غصة الندم الأبدي، متيقناً أن مريم أصبحت نجماً في السماء، أبعد من أن تطولها يداه الملوثتان بالقسوة والخفران. ساد الصمت الثقيل في الممر المظلم بعدما انغلق باب الشقة بثبات، بينما كان حازم يتهاوى على الدرج كمن سُلبت منه الحياة.
نزل خطواته يتعثر في كل درجة، يرى الدنيا من حوله ضباباً مغبشاً بالدموع. خرج إلى الشارع والبرد ينهك جسده النحيل، فلم يعد يرتدي سوى قميص مجعد أهمله منذ أيام. جلس في سيارته ووضع رأسه على عجلة القيادة، وانفجر في بكاء هستيري طال انتظاره، بكاء رجل أدرك أنه لم يخسر مريم الفتاة فقط، بل خسر نعمته، وسند يومه، وفرصته الوحيدة في أن يكون إنساناً حقيقياً.
على مدار الأسابيع التالية، تحول حازم إلى أثر بعد عين. ترك مقهى الشارع، وأغلق هاتفه، وصار حبيس غرفته المظلمة في بيت والدته. كانت أمه تدخل عليه الصينية بالوجبات لتعود بها كما هي، تبكي على حال ولدها الذي انكسر عوده وأصبح يتحدث مع نفسه في الليل، يردد باستمرار: “كانت باينة فالضوء.
. أنا اللي قرفت منها.. أنا اللي ذبحتها وهي مريضة!” كان الندم يقرض عقله كالسوس، وكلما حاول أن ينام، تمثلت له صورة مريم بأناقتها الذهبية وبريق عينيها الصافيتين، تنظر إليه بحسرة واستخفاف وتترك خلفها عبق عطرها الراقي ليتنسم هو غبار الحسرة. وفي المقابل، كانت مريم تخطو نحو مستقبله بخطوات ثابتة ومستقرة.
مرت الأيام وسار كل شيء كما خططت له العائلتان. جاء يوم الشراء الأخير لمستلزمات الفرح، وكانت مريم برفقة طارق في أحد أكبر المراكز التجارية. كانت تمشي بجانبه متأنقة، تلبس ثوباً أسود رائع التصميم يبرز نضارة بشرتها التي باتت تلمع كاللؤلؤ، وقوامها الرياضي المتناسق الذي حافظت عليه بقوة وإرادة.
كانت ابتسامتها الدافئة لا تفارق وجهها، بينما كان طارق ينظر إليها بعيون تطفح بالحب والدلال، يشتري لها كل ما تتطلع إليه عينها قبل أن تنطق به. وفي لحظة قدرية، كان حازم قد خرج من عزلته بضغط من أمه التي توسلت إليه أن ينزل للشارع ليشتري بعض الأدوية لوالده المريض.
تصادف وجوده في نفس المركز التجاري بالصدفة، كان يسير منكس الرأس، يجر قدميه جراً، بثياب رثة ووجه شاحب ملأته اللحية المهملة والهالات السوداء. وفجأة، رفعت عينيه المجهدتان لتستقرا على مشهد أعاد شريط عذابه بأكمله. على بعد خطوات قليلة، كانت مريم تقف أمام أحد محلات المجوهرات الراعية، وتضع يدها في يد طارق، يضحكان بحب بينما يضع طارق في أصبعها خاتماً مرصعاً بالألماس، ثم يمسك يدها ويقبلها بامتنان أمام الجميع.
كانت مريم تتألق كأنها نجمة هبطت من السماء، أنوثتها حارقة وجمالها يسترعي انتباه كل من في المكان. وقف حازم مشلول الحركة. اختفت الأصوات من حوله، وتوقفت الزمان عن الدوران. كان ينظر إلى المرأة التي صرخ في وجهها يوماً: “انتي مش جذابة نهائي وتخينة!
“، يراها الآن ساحرة للعيون، يلتفت إليها الرجال بإعجاب ويحترمها الجميع، بينما هي لا ترى في الكون سوى الرجل الذي قدرها وصانها. حاول حازم أن يتراجع للخلف ليداري هيئته المزرية، لكن مريم -وهي تتلفت بابتسامة- وقعت عينها عليه بالصدفة. توقفت مريم عن الضحك لثانية واحدة.
لم تفزع، لم يتغير لون وجهها، ولم ترتبك. نظرت إليه مباشرة من بعيد.. نظرة طالعت فيها شبحه الشاحب وهيئته المكسورة، لكن لم تكن في عينها أي قطرة انتقام أو تشفي، بل كانت نظرة تجاوز تام، نظرة إنسان ينظر إلى غريب لا يعني له شيئاً في هذه الحياة.
ثم أدارت وجهها بهدوء، ومسكت ذراع طارق وواصلت حديثها وضحكها معه وكأن حازم لم يكن موجوداً من الأصل. كانت هذه اللحظة أشد قسوة على حازم من كل المواجهات السابقة. أدرك أن الانتقام الحقيقي لم يكن بالصراخ أو الشجار، بل كان بالوصول إلى مرحلة “اللاشيء”.
مريم لم تعد بحاجة حتى لأن تكرهه؛ لقد أخرجته من كتاب حياتها تماماً، وطوت الصفحة بأقفال من الماس والكرامة. خرج حازم من المركز التجاري يركض في الشارع كالذبيح، وصوت زغاريد المهنئين في المحل يرن في أذنيه.
انهار على الرصيف في منتصف الشارع، يغطي وجهه بيديه وينحب بصوت مكتوم، بينما كانت مريم تكمل تسوقها بابتسامة ناعمة، متأهبة لليوم الذي ستزف فيه عروساً للرجل الذي عرف كيف يصون المضمون قبل أن يبهره الشكل.



