روايات وقصص

حكاية جاد ورحمة الجزء الاول

بسنت نطت من مكانها وصرخت: “نعم؟! إنت اتجننت؟! دي… دي ملهاش أصل ولا فصل! إنت جاي تهزر؟!”

قاطعها جاد وهو بيلبس نضارته الشمس، وعينه مبقتش باينة: “كلامي خلص. عن إذنكم.”

ولف ومشي من الفيلا كلها، خطواته ثابتة، سايب وراه قنبلة انفجرت.

“جاد! يا جاد استنى!” سميرة هانم قامت جري وراه وهي مش مصدقة اللي سمعته. لحقته عند الجنينة. “إنت بتقول إيه يا ابني؟! اتجننت؟! عايز تجيبلي العار؟! عايز تتجوز البنت دي وتسيب بنت فؤاد الشربتلي؟!”

جاد وقف عند عربيته وفتح الباب، وبص لأمه بصة لأول مرة تشوفها. بصة واحد قرفان، مجروح، وواخد قرار:

“العار يا أمي هو اللي كان هيحصل جوة ده. العار إنك تجيبيني هنا تتاجري بيا في قعدة صالونات بعد ما بني آدمة كسرت قلبي. العار إنكوا تهينوا بنت يتيمة قصادكم عشان تلمعوا بنتهم. أنا ماشي… ولما أرجع البيت نبقى نتكلم.”

وركب وسابها واقفة في الجنينة مش مستوعبة، وهو سامع صوت صريخ بسنت جاي من جوة.

جوة الفيلا، القيامة قامت.

بسنت كانت بتصرخ زي المجنونة وبترزع في الأرض برجليها: “شوفت يا بابي؟! شوفت عملت فيا إيه؟! كل عريس… كل عريس يجيلي يشوف البت دي فيعجب بيها! هي السبب! هي اللي ساحرة لهم! أنا بكرهها! لازم تمشي من هنا… حالاً! يا أنا يا هي في البيت ده! طلقني منها يا بابا!” (تقصد تطردها)

مديحة هانم كانت بتلطم على خدها: “يا فضيحتي! يا فضيحتي! الناس هتقول علينا إيه؟ بنتنا اتسابت عشان رحمة!”

فؤاد بيه كان حاسس بالإهانة، وكرامته كرجل أعمال كبير اتبعترت. ضرب بإيده على الترابيزة لحد ما الفناجين اتهزت: “بس! كلكوا اخرسوا!”

مسك موبايله واتصل بالدادة فوق: “خلي اللي اسمها رحمة تنزلي حالاً!”

بعد دقايق نزلت رحمة وعينيها وارمة من العياط، وإيديها متعورة وملفوفة بمنديل ورق. كانت لسه لابسة المريلة المبقعة شربات.

فؤاد بيه قال لها بكل قسوة وهو مبيبصش في وشها: “لمي هدومك. إنتي سامعة؟ كل هدومك. أنا مش عايز أشوف وشك في البيت ده تاني. إنتي مطرودة. روحي شوفي هتترمي في أنهي داهية.”

رحمة اتصدمت. ركبها سابت. “يا عمي… أروح فين؟ مليش حد… غيركم… أبوس إيدك… أنا أسفة…”

“قولتلك برة!” زعق فيها لدرجة إنها اتنفضت. “مش عايز أسمع صوتك. بسببك بقيت مسخرة! بسببك بنتي هتضيع من إيدي! يلا… قبل ما أخلي البودي جارد يرموكي في الشارع!”

بسنت شاورت عليها بصباعها وهي بتضحك بشماتة من وسط دموعها: “خليها تغور! خليها تدوق الشارع عامل إزاي! عشان تعرف مقامها!”

رحمة ماقدرتش ترد. طلعت أوضتها الصغيرة اللي فوق السطح… أوضة الخدامين. لمت هدومها القليلة في شنطة قديمة، وحضنت صورة أبوها وأمها وعيطت لحد ما نفسها اتقطع. نزلت وهي بتجر الشنطة، ومحدش منهم حتى قال لها مع السلامة.

في نفس الليلة، رحمة كانت قاعدة في جنينة عامة قريبة، شنطتها الصغيرة جنبها. الدنيا ليل وبرد شهر فبراير، وهي مش عارفة تروح فين. تليفونها مفيهوش رصيد، وممعهاش غير 50 جنيه. الليل كله بتفكر في بسنت… بنت عمها. رغم قسوتها، بس دي اللي اتربت معاها. ولو هي اتجوزت جاد، بسنت قلبها هيتكسر، وسمعتها في العيلة هتتدمر.

“يارب… يارب حلها من عندك” قالتها وهي باصة للسما.

تاني يوم الصبح الساعة 8، كانت واقفة قدام برج “الجارحي جروب”. أجمل برج في القاهرة كله إزاز. الأمن منعها في الأول، بس بعد محايلة نص ساعة ودموع، واحدة من الموظفات صعبت عليها ودخلتها للسكرتيرة.

قالت للسكرتيرة وهي بتترعش: “أبوس إيدك… عايزة أقابل الباشمهندس جاد الجارحي… قوليله رحمة… بتاعة الشربات… ضروري.”

السكرتيرة استغربت بس كلمت جاد على التليفون الداخلي. بعد دقيقة قالت لها: “اتفضلي… الباشمهندس مستنيكي.”

دخلت مكتبه.

كان قاعد ورا مكتبه الضخم، لابس قميص أسود وبيبص من الإزاز على القاهرة كلها من فوق. لما دخلت، لف بالكرسي وبص لها ببرود. شكله وهو متعصب أهون من شكله وهو بارد كده.

“خير؟” قال كلمة واحدة.

رحمة بلعت ريقها ودموعها نزلت غصب عنها. وقعت على ركبها في نص المكتب.

“أنا… أنا آسفة على اللي حصل امبارح. أبوس إيدك يا باشمهندس… أبوس رجلك… إخطب بنت عمي بسنت. هي بتحبك… والله بتحبك. ومش هتستحمل. سمعتها هتبقى في الأرض. أنا السبب في كل حاجة. أنا مش عايزة أكون سبب في كسرة قلبها… أرجوك. اعتبرني أختك الصغيرة.”

جاد قام من على مكتبه بهدوء وقرب منها. سكوته كان أرعب من زعيقه. وقف قصادها وهي لسه على الأرض وبص في عينيها اللي مليانة دموع ورعب وتعب.

شاف فيها حاجة غريبة… شاف صدق. شاف بنت مطرودة، بايته في الشارع، ومستعدة تذل نفسها وتترجاه عشان بنت عمها اللي طردتها. البنت دي مش زي ريم… ومش زي أي واحدة عرفها. ريم باعته عشان فلوس تامر، ودي مستعدة تبيعه هو شخصياً عشان متكسرش قلب واحدة أذيتها.

وده خلاه يُعجب بيها أكتر. إعجاب برجولة… بجدعنة مشفهاش في رجالة كتير.

سند بإيده على المكتب جنبها ووطى لمستواها وقال بصوت هادي:

“قومي. مبحبش حد يوطي قصادي.”

رحمة قامت وهي بتترعش.

كمل كلامه: “موافق… بس بشرط.”

رفعت عينيها له بأمل زي الغرقان اللي اترمى له طوق نجاة: “أي حاجة. والله أي حاجة.”

قال: “هنتجوز. أنا وإنتي. جواز على الورق لمدة شهر واحد بس. عشان أرد كرامتي قدام الناس كلها… أوريهم إن جاد الجارحي مبيترفضش، وإن هو اللي بيختار. وبعد الشهر… هطلقك… وأتجوز بنت عمك بسنت زي ما إنتي عايزة. ده اتفاق.”

رحمة فتحت بوقها من الصدمة: “أتجوزك… أنا؟! بس أنا…”

جاد ابتسم نص ابتسامة باردة، أول ابتسامة تشوفها على وشه: “أيوه إنتي. ده اتفاق. هعيشك في مستوى عمرك ما حلمتي بيه. أكل وشرب ولبس وقصر. وفي المقابل، هتمثلي دور مراتي شهر واحد. قدام أمي، قدام عيلتي، قدام الدنيا كلها. موافقة ولا مش موافقة؟”

رحمة بصت للأرض… هي في الشارع، ومطرودة، وجعانة، وبردانة. وده الحل الوحيد عشان تنقذ بسنت… وتنقذ نفسها من المرمطة. شهر واحد وتخلص من الذل ده كله.

رفعت راسها وعينيها لسه فيها دموع وقالت بصوت مهزوز: “موافقة.”

جاد رجع خطوة لورا، وعدل كُم قميصه وقال: “مبروك يا مدام جاد الجارحي… مؤقتاً. اتصلي بالسكرتيرة برة خليها تجيبلك فطار. شكلك مكلتيش من امبارح.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى